Untitled Document

التدين المنقوص

عرض المادة
التدين المنقوص
275 زائر
07-06-2016
فيصل محمد صالح






رمضان كريم، تصوموا وتفطروا على خير، نسأل الله أن يجعله شهر خير وبركة على بلادنا وشعبنا.
نحتاج في هذا الشهر الكريم والمناسبة الدينية العظيمة أن نتفكر أكثر في معاني الصيام وحكمته، أن نغوص داخل المفاهيم ولا نكتفي بملامسة القشور.
الصيام عبادة عظيمة وشاقة، ولست من أنصار أن يهوِّن الناس، وبالذات بعض المشايخ، من مشقتها وتعبها، ولعل ذلك ما يعظم قيمتها عند الله سبحانه وتعالى، فرغم هذه المشقة من الجوع والعطش والإرهاق، يسعد الناس بالشهر الكريم ويصومون إيماناً واحتساباً، وهم يمارسون عملهم وحياتهم العادية، ويتقربون من ربهم بالتعبد والاستغفار.
يحتاج الناس أن يتجاوزوا المظاهر وينفذوا إلى جوهر الأشياء، فيحولوا شهر رمضان إلى موسم للتراحم والإحساس بالآخر، الجائع والفقير والنازح واللاجئ والمريض والمحبوس ظلماً، فيقدمون ما يستطيعوا من صور التراحم والتعاضد.
من المتفق عليه أن المظاهر الدينية العامة في رمضان قد زادت بشكل كبير خلال السنوات السبع والعشرين الماضية، امتلأت المساجد بالمصلين في صلاة التراويح، وبالذات من فئة الشباب والنساء، وكذلك صلوات التهجد في العشر الأواخر، وامتدت المظاهر حتى على مستوى الملابس التي ترتبط بالالتزام الديني عند بعض المذاهب، عند الرجال والنساء. كثرت المساجد حتى صار وكأن الأمر منافسة بين الناس، وكثرت المنظمات والهيئات الدعوية والجمعيات الدينية. كل هذا متفق عليه.
لكن ماذا عن المعاملات بين الناس، هل ارتقى بها الحس الديني حتى صارت أرق وألطف وأكثر احتراماً للناس وكرامتهم وحاجياتهم؟ هل قل الفساد، بكل أنواعه، في البلاد بسبب ارتفاع الوازع الديني فتناقصت حالات الثراء الحرام وأكل مال الناس والدولة بالباطل؟ هل صار الناس يأمنون بعضهم البعض ويثقون بهم بشكل أكبر مما كان؟
الإجابة على كل هذه الأسئلة، مع الأسف ... لا، وهذا أمر محير.
من الواضح أن الزيادة حدثت في مظاهر التدين، ولكنها على مستوى جوهر الدين الحق ليست على ما يرام، بل حدث فيها تراجع كبير، وهذا يعني أن لدينا نوعاً من التدين المنقوص أو المشوه. من أقوال الأستاذ محمود محمد طه "إن المتدين الحقيقي يحاول أن يغير نفسه، والمهووس دينياً يحاول تغيير الآخرين". أظن أن هذه مقولة صائبة وتلخص جوهر المشكلة في بلادنا. تحاول كل الأطراف، الدولة ومشروعها الحضاري السابق، المؤسسات والهيئات والمشايخ والأفراد، كل مشغول بتغيير الآخرين ولا يحاول تغيير نفسه.
يصعد المشايخ على المساجد، فيخطبون ويحدثون الناس عن مآثر السلف الصالح، وعن تعففهم وإيثارهم، ويروون القصص المؤثرة، حتى تسيل دموع الناس "جداول"، ثم يخرج الشيخ ليركب سيارته ذات الدفع الرباعي المكيفة، منطلقاً إلى حيث الزوجة الثالثة، ومكالماته التليفونية كلها تدور حول الصفقات والعطاءات والمنح.
وعدد مقدر من هؤلاء كانوا مسؤولين عن مشاريع ومؤسسات ومنظمات، لو فتحت ملفاتها الآن بشفافية وأمانة لكان مصيرهم السجن. يا هؤلاء، إنشغلوا قليلاً بتغيير أنفسكم وأتركوا الناس ليغيروا أنفسهم.



   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
مصادر ماكو؟ - فيصل محمد صالح
جو لندن القارس - فيصل محمد صالح
رُب ضارة نافعة - فيصل محمد صالح
أغنيات الفصحى - فيصل محمد صالح
أصول لعبة المصالح
ياسين حسن بشبر
كلام الكاميرا