Untitled Document

رحلة ما بين رائحة الموت وإلى عبق الورود والشذى

عرض المادة

بين الزهور مصور
رحلة ما بين رائحة الموت وإلى عبق الورود والشذى
حكاية داؤود بائع الورود!


الخرطوم: علي بلدو

عندما تدلف لشارع عبدالله الطيب بالخرطوم وعلى مقربة من التقاطع الرئيس يلفت انتباهك شاب أبنوسي ضاحك الوجه, ممشوق القوام يحمل في يديه زهرة أو يسقي أخرى تحت قطية بنيت باتقان وحرفة وسط فازات الزهور والجرار ومتكئاً من الأشجار وبقربه زير يتدفق الندى من على جانبيه, وما تلبث أن تأتيه إحدى الحسان من الأحياء القريبة و الفارهة لنيل وردة وبذلك يجتمع الماء والخضرة والوجه الحسن.
يا ورود أوبي معه
قال لي داؤود وهو اسم ذلك الشاب إنه سعيد أيما سعادة بهذه المهنة بائع للورد, وأنه كثيراً ما يتأمل زهراته ويناجيها، بل ويغني لها أحياناً كثيرة, ليس هذا فحسب، بل إنه أسرَّ لي بعد أن اقترب مني كثيراً ليبوح بما يعتمل في ذهنه ,أنه يشعر أحياناً أنها (بتشيل معاهو) وتبادله الألحان والكوبليهات.
بل إنه تمادى في ذلك ليشير لوردة إنجليزية، مضيفاً إنها تحب أغنية الجابري:
ملك الطيور
ارقص بين الرياض نشوان
خلي الزهور تفتح مختلفة الألوان
وبرهن على ذلك بأنه تعمد عدم غناء تلك الأغنية لعدد من الأيام فلاحظ ذبولاً على الوردة على الرغم من اعتنائه بها وهذا ما أقنعه بأن زهوره (بتاعة طرب).

صراع الموت والعشب والزهرة
بدأ داؤود حياته في إحدى الولايات الحدودية في غرب السودان بين كردفان ودارفور- وترجاني عدم ذكر مدينته لأنه تعود النسيان و لا يود تذكر رائحة النار والبارود والقتل و السلب وصورة قريته وهي تتحول لفحم ورماد في ذلك النزاع الذي لا يزال مشتعلاً إلى الآن.
هرب إلى الخرطوم بعد أن كاد أن يلقى حتفه مرات وممرات إلى أن جاء للعاصمة وامتهن بيع الزهور’ و كما قال: (أمكن ريحة الشذى تنسيني ريحة الدم),قبل أن يستدرك بقوله: (لكن مرات بتذكرني هي ذاتا)
ودلل على ذلك بلون الإحمرار لوردة إنجليزية وكأنها دم أخيه المراق أمام عينيه, وأن زهرة الأركد السوداء ما هي إلا حطام بيته المحروق
’ قبل أن يغمض عينيه متأرجحاً بين الزهرة والموت, وكأنه يغمضهما على كون كبير.

عدت يا عيدي بدون زهور
لم يذهب بائع الورد لمعايدة الأهل و المعارف بعد أن فرقت بينهم الحرب اللعينة, كان في يوم العيد يجلس بين زهوره يناجيها ويبارك لها العيد,و كان يتخيل صوت الماء في الماسورة من خلفه وكأنها صوت ذلك الخزان الذي نشأ بقربه بولايته البعيدة.
(و الله الموية هناك طاعمة كيف و حلوه حلا).
كما كان يقضي أوقاته في الوادي بين الرعي لأغنامه التي نفقت وسلبت و بين التعرف على النباتات بأنواعها المختلفة, لتبقى تلك الصورة الذهنية هي ما عاد بها من سفره الطويل و المضني.
الحالة مستورة
لا يفاصل عاشق الورد هذا كثيراً في السعر والذي يعلو ويهبط بحسب نوع الزهرة أو الوردة والشتلة وفي الغالب فإنه (بيطلع مصاريفو عادي وكمان بيوفر منها للعرس).
وعلق بأن سكان الأحياء القريبة الذين يتعاملون معه (كلهم مرطبين وما عندهم مشكلة بيدفعوا طوالي و مرات أكتر كمان) وأحياناً يذهب معهم لمنازلهم لتنسيق الحدائق وتقليم الأشجار، وهناك يجزلون له العطاء وبعض الهدايا ومنها تلفونه الجلاكسي والذي أهدته إياه إحدى عذارى الحي,حسب ما أفاد.
زهرة الروض الظليل
ومع فوح الطيب ومع النسيم العليل يزداد وجد محدثي وهو يرتشف فننجاناً من القهوة المظبوطة ويدندن ببعض الكلمات:
وبي سكر تملكني
وأعجب كيف بي سكر
رددت الكأس عن شفتي
لعل جمالك الخمر
(شفتها قاعدة ترقص كيف)
قالها وهو يشير لبعض الفلل و الياسمين بقربنا بعد أن تمايل بها الهواء ذات اليمين وذات الشمال في تناغم عجيب.
قطع حديثنا ذاك توقف عربة فارهة نزلت منها شابة أجنبية تمشي وكأنها بلقيس:
بلقيس كانت أجمل الملكات في تارخ بابل
كانت إذا تمشي ترافقها طواوييس و تتبعها ايائل
وسألته بلهجة مكسرة؛( بتاعة جبتو)
ليرد بسرعة وهو يعطيها فازة ذهبية الألوان وتنقده شاكرة الثمن في لحظات, ليبتسم ضاحكاً
)خواجاات كماان).
ورود في أيادي قاسية
شكرت داؤود على الوقت الذي منحني إياه, وجمعت أشيائي لأغادر المكان لمواصلة ساقية اليوم الطويل، وهنا تنهد بزفرات حري وعندما استجليته الأمر أفادني بعيون و كلمات يملؤهما الحزن:
(بسبب شغلي في الخلاء زمان بقت يدي خشنة وبحس أنو بجرح مرات زهوري, أنا ما داير زول يتألم تاني وبالذات ديل).
لقد كان محقاً فهو أكثر من يمكن أن يتحدث عن الألم والحرقة والحزن والغبن , ولكن قسوة يديه لم تمنع قلبه أن يرق, وعينيه أن تبكيا وضميره أبيضاً كما تلك الياسمينة,لقد فعل الصواب في الزمن الخطأ.
ودعته على وعد بلقاء قريب ولم أنس شكره على شتلة أهداها لي بعد أن أوصاني أن أغني لها لكي تنبت,وأنا أدير سيارتي مبتعداً وصورة بائع الورد تتباعد في المرآة شعرت بأن هناك من يغني لي برغم عدم تشغيلي للأجهزة, وعندما نظرت علمت أن داؤود بائع الورد كان على حق.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية