Untitled Document

طوكر.. الدهب المسوكر!! الحلقة الأولى

عرض المادة


المنسي.. سلسلة تحقيقات أكشف لكم فيها سوداناً آخر غير الذي ترونه في الإعلام وتسمعون عنه في الأخبار.. السودان المنسي الذي يختفي في ظلام الإعلام، يكابد مرارة الحال وشظف الواقع.. رحلة ما منظور مثيلا، مشاهد ولا في الأفلام صوَّرتها لكم بقلمي وبالكاميرا التي لا تنفصل عني، قبل قراءة التحقيق أرجوكم تأكدوا من وجود صندوق مناديل الورق بجواركم لمسح الدموع.. دموع الحسرة على وطن يقتله الشقاء والنعيم على ظهوره محمول.

تحقيق وتصوير: عباس عزت



عملاق الشرق الذي هوى..!
عملاق هذه المرة من ولاية البحر الأحمر.. مشروع دلتا طوكر الزراعي.. عملاق الشرق الذي هوى، والذي كان يعد من أنجح المشاريع الزراعية بالسودان، لتميُّزه بخصوبة الأراضي وجودة المحاصيل التي لا تحتاج مطلقاً للأسمدة الكيماوية، مما جعل منتجاته الزراعية مرغوبة في كثير من دول العالم، وتقع مدينة طوكر في الجزء الجنوبي الشرقي لولاية البحر الاحمر وتبعد حوالي 160 كلم، جنوب شرق مدينة بورتسودان، ويعتبر مشروع دلتا طوكر من أقدم المشاريع الزراعية في السودان، حيث كانت البداية عندما أدخل ممتاز باشا زراعة القطن في السودان سنة 1867م، إبان الحكم التركي للسودان.
الشرف الباذخ..!
عرف مشروع دلتا طوكر الزراعي تاريخياً بإنتاج أجود أنواع القطن في العالم، والذي كان يصدَّر من طوكر لأكبر مصانع الغزل والنسيج في العالم، حتى أن تجار القطن في البورصات العالمية كانوا يتعاملون مباشرة مع مزارعي القطن في دلتا طوكر عبر التلفون، وقد تدهور المشروع الذي تبلغ مساحته 406 ألف أفدنة، كثيراً في الآونة الأخيرة بفعل العوامل الطبيعية التي أثرت على المساحات المزروعة في الدلتا، والمتمثلة في انتشار أشجار المسكيت التي غطت حوالى 153 ألف فدان، من جملة المساحة الكلية للمشروع، وتردي إدارة المشروع وإهمال تنفيذ خطة الري السنوية بالدلتا لتوزيع فيضان خور بركة المصدر الرئيس لري الدلتا بشكل متوازن وسليم، بالإضافة إلى عدم تفعيل ومراجعة قوانين ومحاسبة المزارعين وأصحاب الأراضي الزراعية الذين يهملون في نظافة أراضيهم الزراعية كما كان يفعل المستعمر الإنجليزي .
عن (طوكر) نحكي ليكم..!
كثير من أبناء الشعب السوداني قد تكون معرفتهم متواضعة بمشروع دلتا (طوكر) الزراعي، وعن الأدوار التي لعبها طوال مسيرته التي بدأت قبل أكثر من (150) عاماً، وقد تكون غائبه عنهم كثير من المعلومات والحقائق عن المشروع وإنسانه وما آلت إليه أحوال الزراعة بالمشروع، والأوضاع الاقتصادية والمعيشة والاجتماعية التي يعيشها اليوم سكان مشروع دلتا طوكر، وفي هذا التحقيق سأحاول أن أضع القارئ أمام بعض الحقائق عن ماضي المشروع وأوضاعه الراهنة والعوامل والمهددات والمخاطر التي أدت إلى إنهياره وربما زواله من الوجود، إذا لم تلتفت له الدولة الآن، وبأعجل ما تيسر .
ويممت وجهي شطر (طوكر)..!
ومن أجل التعرف أكثر على هذا الجزء المنسي من السودان، حزمت أغراضي وحملت كاميرتي التي لا تفارقني أبداً، قاصداً مدينة بورتسودان حاضرة ولاية البحر الأحمر وأقرب المدن لمشروع دلتا طوكر، باحثاً عن تاريخ مدينة طوكر لدى أبنائها ومثقفيها، وبرغم قلة المصادر التاريخية عن هذه المنطقة، إلا أنني وجدت العديد من الطرق للتعامل مع سبر أغوار ذلك المشروع المندثر من خلال بحثي المضني على مدى أكثر من أسبوع، حيث التقيت عدداً من أبناء مدينة طوكر الذين طاب لهم المقام بمدينة بورتسودان بعد انهيار مشروع دلتا طوكر وتدهور تلك المدينة العريقة، وتحدثوا عنه بحسرة لأتفاجأ أن هذا المشروع كان يشكِّل العمود الفقري للاقتصاد السوداني منذ إنشائه في العام 1871م، وحتى أواخر ستينات القرن الماضي، وذلك من خلال دوره الحيوي في توفير الأمن الغذائي لأبناء المنطقة والإسهام في البناء الاقتصادي والتنمية بكافة ضروبها في ولاية البحر الأحمر ومدينة بورتسودان، ورفد الخزينة العامة للدولة بالعملات الصعبة من ناتج عمليات تصدير القطن إلى مصانع (لانكشير) البريطانية.
علم في سماوات القارة العجوز ..!
وبداية يقول الدكتور بدوي الطاهر أحمد بدوي - عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة البحر الأحمر ورئيس قسم التاريخ الحديث -: (ما أن تذكر طوكر إلا وذكر مشروع دلتا طوكر، ذلك العملاق الذي هوى بعد أن كان يعتمد عليه سكان المدينة، كما كان يعتمد عليه اقتصاد السودان في أزمان سابقة جعلت من اسمه علماً في سماوات "القارة العجوز" أوربا، من خلال محصوله من أقطانه التي نسجتها مصانع (لانكشير) البريطانية في عشرينات القرن الماضي، ومن ذاك التاريخ ظلت تلك المدينة سبَّاقة في كل شيء، فهي الأولى التي عرفت زراعة القطن في السودان، وأول من عرفت بورصة الأقطان، وكذلك كانت لها خطوط اتصال مع مصانع النسيج في بريطانيا قبل أكثر من مائة عام، وكانت أسعار القطن تحدد في بورصة طوكر أولاً ثم تعلن مباشرة عبر (الخط الساخن) في بورصة لندن ليحدد سعر القطن عالمياً، وكانت دلتا طوكر تغذي مصانع (لانكشير) ببريطانيا بأجود أنواع الأقطان عبر ميناء بورتسودان بعد حلجها بمدينة سواكن)، ثم أضاف قائلاً : نحن نتمنى أن تكون هناك بحوث قيمة وهادفة تعطي إضاءات حقيقية لتاريخ السودان في بدايات العصر الحديث وما قبله في العصور الوسطى، وهذا يشكِّل فتحاً جديداً في المعرفة للأجيال الجديدة حتى تعرف أن هناك أجزاء منسية من السودان، كان لها مساهمة فاعلة ودور واضح في الاقتصاد السوداني، بعد قيام المشاريع التي أنشأها المستعمر البريطاني في السودان، مثل: طوكر وجبال النوبة.
وكانت (طوكر) الأولى ..!
كانت طوكر أول هذه المشاريع، لأنها بدأت منذ العهد التركي في زراعة الأقطان، عندما اكتشف ممتاز باشا دلتا طوكر وجرَّب فيها زراعة القطن طويل التيلة الذي وجد نجاحاً باهراً، الأمر الذي شجع قبائل (الارتيقة) سكان المنطقة الأصليين في زراعة القطن، ومن ثم وفدت بعد نجاح التجربة، القبائل المختلفة من شتى بقاع السودان لممارسة زراعة القطن، ونتيجة لهذا النشاط الزراعي، حدث فيها ازدهار تجاري واقتصادي جذب الكثير من الجاليات من مختلف الجنسيات، فقد وفد إليها في ذلك الزمان الهنود والأرمن والأغاريق والحضارم والحجازيين، وظهرت فيها طبقة من الأثرياء الذين شيَّدوا القصور والفلل، وقامت بها خدمات الكهرباء من خلال (شركة النور)، أول شركة كهرباء في السودان، وشبكة مياه تمد منازل المدينة بالمياه العذبة، وسوق حديث مزدهر مكتظ بالبضائع الأوربية، وقامت بها دار للسينما وأندية ثقافية ورياضية، ومكتب للبريد والبرق والهاتف، وحركة اجتماعية نشطة، بالذات في فترتي الستينات وحتى منتصف السبعينات .. وماذا حدث بعد ذلك؟ تابعوا الأسطر التالية..
الإهمال يضرب المؤسسة..!
بدأ الإهمال يضرب مؤسسة دلتا طوكر الزراعية، وحصل تدهور كبير في المشروع الذي كان يشكِّل العمود الفقري للمنطقة، بل السودان كله، ونزح السكان من طوكر إلى بورتسودان والخرطوم، وبدأ التدهور في المدينة تدريجياً إلى أن وصلت إلى ماهي عليه الآن، بالإضافة لانهيار الحزام الواقي لمدينة طوكر، والذي كان يتشكَّل من حزام أخضر يحيط بطوكر مصدات للهواء والأتربة في موسمي (الهبباي والايتيبيت)، وهذا الحزام حصل له تعدٍ من السكان لعدم وجود إشراف من الدولة عليه، وكان سبباً لخراب طوكر، وتعرضت شوارعها لتراكم كثبان الرمال التي أصبحت تعيق حركة المواطنين، ودفنت العديد من المباني والمرافق الخدمية تحت كثبان الرمال، وذكر مثالاً لذلك المدرسة الوسطى التي كانت من أوائل المدارس الوسطى بالمنطقة، وكان فيها خيرة المدرسين، الآن اندثرت بفعل الرياح وغطتها كثبان الرمال.
أواصل
/

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 8 = أدخل الكود