Untitled Document

طوكر .. الدهب المسوكر !!

عرض المادة



المنسي .. سلسلة تحقيقات أكشف لكم فيها سوداناً آخر غير الذي ترونه في الإعلام وتسمعون عنه في الأخبار.. السودان المنسي الذي يختفي في ظلام الإعلام، يكابد مرارة الحال وشظف الواقع.. رحلة ما منظور مثيلا، مشاهد ولا في الأفلام صوَّرتها لكم بقلمي وبالكاميرا التي لا تنفصل عني، قبل قراءة التحقيق أرجوكم تأكدوا من وجود صندوق مناديل الورق بجواركم لمسح الدموع.. دموع الحسرة على وطن يقتله الشقاء والنعيم على ظهوره محمول.
هذه المرة من ولاية البحر الأحمر.. مشروع دلتا طوكر الزراعي..
الحلقة الرابعة
الحسرة والخوف والألم
بعد أن استمعت لحديث الذكريات الذي أثار شجون محدثي الدكتور بدوي الطاهر أحمد بدوي، وزميله الدكتور مصطفى حسين سالم (التبريزي)، والذي أتى على هيئة وجع وحسرة على انهيار مشروع دلتا طوكر.. عملاق الشرق الذي هوى، بفعل الإهمال وسوء الإدارة، شكرتهم على وقتهم، صافحتهم وشعرت حينها أن بعض الذكريات قد تكون أفضل من كل ما يمكن أن يحدث ثانية، خرجت من مباني كلية الآداب بجامعة البحر الأحمر قاصداً زيارة دار رابطة أبناء مدينة طوكر ببورتسودان، فقد أجد ما يعينني في جمع قدر من المعلومات لربط ماضي طوكر الزاهر بحاضرها البائس ومستقبلها المظلم.
رفوف الصور والوثائق
تحت سقف دار رابطة أبناء طوكر بمدينة بورتسودان، تقبع صفوف من الأرفف التي تحوي العديد من الصور والوثائق، تم إنقاذها من وسط ركام المنازل المهجورة بمدينة طوكر، فعلى مدار عقدين من الزمان جمع متطوعون من أبناء الرابطة بعضاً من الصور والوثائق البريطانية حول تأسيس مشروع دلتا طوكر وملحمة إعادة تشييد مدينة طوكر بعد أن طمرتها الرمال في ثلاثينات القرن الماضي.
يقول الأستاذ أحمد جبران مسؤول الإعلام والعلاقات العامة بالرابطة : ظللنا في الرابطة ومنذ تأسيسها في العام 1987م، نهتم بجمع الوثائق المتعلقة بمدينة طوكر ودراستها واستجلاء خلفياتها سعياً لكتابة التاريخ الوطني لطوكر، فقد ظلت الوثيقة التأريخية ولا تزال مصدراً أساسياً للمعلومات التي ترتكز عليها الدراسات والبحوث العلمية المختلفة، وكما هو معلوم بأن الأمم التي تولي وثائقها وتراثها الإنساني أهمية كبيرة هي أمة فعالة وحاضرة على مر العصور، لما للوثائق والمخطوطات من أهمية كبيرة، حيث تعتبر الزاد الحقيقي للشعوب، لما لها من أثر إيجابي على المجتمع الذي يستمد منها قيمه وأخلاقه وهويته على مر الأجيال، ومن هذا المنطلق تولي رابطة أبناء طوكر اهتماماً كبيراً للمخطوطات والوثائق والروايات الشفهية المتناقلة من الأجيال السالفة باعتبارها شاهداً تاريخياً يحاكي الماضي والحاضر، ومن هذا المنطلق تهتم الرابطة بجمع الوثائق والمخطوطات والحفاظ عليها، وذلك بهدف إنشاء وتكوين رصيد وثائقي يتيح للباحثين والدارسين الإطلاع عليها والاستفادة منها في مختلف البحوث، ليكون هذا الإرث التاريخي الذي تزخر به طوكر، ذاكرة للأمة والوطن ومرجعاً تاريخياً وثقافياً لهذا الجزء العزيز من الوطن.
أحداث تاريخية
ويضيف جبران : تمحورت اهتماماتنا منذ البداية في مرحلة التأسيس على جمع الوثائق القديمة، وقد بذلت الرابطة جهوداً جبارة في سبيل جمعها وتحقيقها وتحليلها لفهم أحداث تاريخية كثيرة لا يمكن إدراك أبعادها ما لم يتم الاعتماد على تلك الوثائق، وتشمل الوثائق التي تحصلنا عليها معلومات مهمة تتعلق بنشأة مشروع دلتا طوكر ونشأة المدينة، ثم دفع لي ببعض الوثائق التي تحدثت عن مشروع دلتا طوكر من الألف إلى الياء وأخرى تحدثت عن قصة (دبة ترابية) أدت لتخطيط مدينة عصرية.
دلتا طوكر من الألف إلى الياء
وتذكر الوثيقة الأولى أن منطقة طوكر تقع في الجزء الشرقي لولاية البحر الأحمر، وتبعد حوالي 160كلم، جنوب شرق بورتسودان، ويعتبر مشروع طوكر من أقدم المشاريع الزراعية في السودان، حيث كانت البداية عندما أدخل ممتاز باشا زراعة القطن عام 1867م، ويعتبر مشروع دلتا طوكر أكبر وأهم مشروع في ولاية البحر الأحمر، إذ أنه يمثل المصدر الأساسي لتوفير المحاصيل الغذائية وعلف الحيوان، وقد بلغت المساحة الكلية للمشروع حوالي 419 ألف فدان، مقسمة إلى 3 أقسام هي : الدلتا الشرقية بمساحة 125000 فدان، الدلتا الوسطى 167000 فدان والدلتا الغربية بمساحة 128000 فدان، تتميز دلتا طوكر بعدة عوامل طبيعية سنأتي على ذكرها في الأسطر التالية.
رياح (الايتهبيت)
وهي رياح ترابية عنيفة جداً، عالية السرعة وتهب من الجنوب الغربي في الفترة من منتصف شهر يوليو، وهي تبدأ عادة في الصباح الباكر ولا تتوقف إلا في المساء، وأحياناً تستمر طوال الليل، وتؤدي هذه الرياح إلى ترحيل الكثبان الرملية من موقع إلى آخر، وتعمل على إزالة التربة القديمة تمهيداً لاستقبال الطمي (أساس التربة الجديدة)، وبالرغم من عنف هذه الرياح وشدتها، إلا أنها تبشر مواطن المنطقة بالخير، لأنها مقرونة بفترة الفيضان، وكلما أشتدت الرياح، كلما توقع فيضاناً أكثر.
رياح (الهبباي)
هي رياح شمالية شرقية، تبدأ من منتصف شهر أكتوبر وتستمر إلى حين هطول الأمطار الشتوية في منتصف شهر ديسمبر، وفي حالة عدم هطول الأمطار تستمر هذه الرياح حتى شهر فبراير وتؤدي إلى جفاف أوراق النباتات وتتسبب في إتلاف جزء من المحصول، كما تتعرض النباتات الصغيرة للردم بالأتربة التي تحملها رياح الهبباي.
مطر الشتاء
يتوقع هطولها من منتصف نوفمبر، وقد تستمر إلى شهر يناير وفبراير، ولا تتعدى كمياتها في المتوسط الـ50 ملم، في السنة، وتساعد هذه الأمطار في تدعيم ري المحاصيل المزروعة.
وعن نظام الري تقول الوثيقة: يتم الري بواسطة مياه فيضان خور (بركة) الذي ينبع من الهضبة الأريترية، وتقدر المساحة المغذية لخور بركة من الهضبة الأريترية بحوالى 25 ألف كلم مربع، حيث يبلغ متوسط الأمطار بها 640 ملم، في السنة، وبعد دخول خور بركة الأراضي السودانية يلتقي بخور (لانقنيب).
مطر الصيف
يصل متوسط الأمطار الصيفية في منطقة خور لانقنيب 230 ملم، في السنة، أما داخل الدلتا فإن الأمطار الصيفية معدومة تماماً.. وذكر في الوثيقة أن فيضان خور بركة يبدأ عادة خلال الأسبوع الثاني من شهر يوليو من كل عام، وتصل مياه الفيضان على شكل دفعات متصلة أو متباعدة حسب ظروف الفيضان في الموسم، ويستمر الفيضان حتى أوائل سبتمبر، وأحياناً تصل دفعات متأخرة من المياه بعد هذا التاريخ، وتقدر كميات الطمي التي يحملها المتر المكعب من مياه الفيضان بحوالي 10 كجم، الأمر الذي يجعل تربة الدلتا عالية الخصوبة ومتجددة سنوياً، ونسبة لأن بعض أراضي الدلتا غير صالحة للزراعة لوجود أشجار أو مرتفعات أو ملاحات، يستدعى الأمر العمل على توجيه مياه الفيضان سنوياً لري الأراضي الصالحة للزراعة، ويتم ذلك بإنشاء السدود والجسور الترابية والحدافات على الخيران الرئيسة في أعالي خور بركة لتوجيه المياه لأواسط الدلتا. ومن أهم الجسور بمنطقة خور بركة : جسر تومساي، جسر مكيف، جسر كرمبت، وجسر براميو القفر.
ملكية الأرض
تعتبر الأرض في دلتا طوكر ملكاً للحكومة، وللمزارع الحق في الاستفادة منها، ولا يحق له البيع، ولكن يمكنه أن يورثها أو يهبها، ولقد كان في الماضي يوجد قانون النزع الذي بموجبه تنزع الأرض من المزارع الذي لا يعتني بها، ولكن تم تعطيل هذا القانون منذ مدة طويلة.
أنواع أراضي المشروع
أرض (ضمن): وهي مسجلة باسم شخص محدد يستفيد منها هو وأولاده.
أرض (قبيلة): مسجلة باسم القبيلة، ويقوم العمدة بتحديد أفراد القبيلة الذين لم ترو أراضيهم ليوزعها عليهم في هذا الموسم على أن توزع في الموسم القادم لمجموعة أخرى.
أرض (غير مسجلة): وهي أراضي حكومية توزع بتصاريح موسمية لمن لم ترو أراضيهم. ويذكر أحمد جبران أن النوعين الثاني والثالث أصبح لا وجود لهم الآن، لأن معظم المساحات بالدلتا غطتها غابات المسكيت، المحاصيل الزراعية.
القطن .. الذهب الأبيض
يعتبر القطن المحصول الرئيس بدلتا طوكر، ويكون شراكة بين المؤسسة والمزارع، ويزرع في الأراضي ذات الري الجيد التي يصدر بها إعلان في بداية كل موسم ليعلم المزارعين الذين تقع أراضيهم في نطاقها ليشرعوا في استلام البذرة اعتباراً من الأسبوع الأول من سبتمر، وكثيراً ما يحدث وبعد اكتمال زراعة القطن، أن تصل دفعات متأخرة من مياه الفيضان في أواخر سبتمبر وخلال شهر أكتوبر الأمر الذي يؤدي إلى إتلاف الزراعة بالأراضي التي تغمرها المياه مما يترتب عليه إعادة زراعة هذه المساحات، وينطبق ذلك على المحاصيل الأخرى، كما تزرع الذرة والدخن والخضروات، ويتم ذلك دون دورة زراعية محددة مسبقاً، لأن نوعية الري هي التي تحدد المحصول الذي يزرع في الموسم باستثناء المساحات القريبة من خور بركة التي تخصص للدخن، لأنها ذات تربة رملية.
الذرة والدخن
هي محاصيل خاصة بالمزارع، وتبدأ زراعتها في أواخر شهر أغسطس وأوائل سبتمبر في المناطق المخصصة لها، إلى جانب زراعتها في صفوف داخل أراضي القطن مصدات رياح لحماية محصول القطن من رياح الهبباي، وتتم الزراعة بالطريقة التقليدية عن طريق السلوكة، وعادة يحصل المزارع على تقاويه بطريقته الخاصة، لذلك تزرع عدة أصناف من الذرة أهمها: الحجيري، الزريزيرة، وود أحمد، وتتراوح المساحات المزروعة ذرة ودخناً بين الـ 25 -60 ألف فدان، حسب ظروف الموسم، وتبدأ عمليات الحصاد غالباً في في منتصف يناير وحتى منتصف فبراير، ويكون للطيور في بعض المواسم أثراً على تقليل إنتاج الذرة، إلا أن ديدان الساق لا تشكل خطراً على المحصول على الرغم من وجودها.
الخضروات
تزرع بدلتا طوكر العديد من الخضروات المختلفة أهمها: الطماطم، البامية، البازنجان، الفلفلية، البطيخ، وجميع أنواع القرعيات، وتبدأ زراعة الخضروات ابتداءً من أول سبتمبر، كل نوع حسب الموعد المحدد له، وتزرع الخضروات في مساحة تتراوح بين 1000 – 2000 فدان حسب ظروف كل موسم، ويسمح للمزارع الراغب في زراعة الخضروات بزراعة 1/10 من المساحة المخصصة للقطن، ويتم ري الخضروات بواسطة آبار تحفر سنوياً لشرب المزارعين والعمال الذين يسكنون الدلتا في فترة الموسم الزراعي، وكل مجموعة مزارعين تساهم فيما بينها لحفر بئر تخدم مساحة تتراوح ما بين 50- 100 فدان، وتمتاز الدلتا بتوفر المياه السطحية مما يجعل تكلفة حفر البئر وتجهيزه منخفضاً.
أواصل

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 7 = أدخل الكود