Untitled Document

التيار تسرد قصة رحلة البحث عن الذهب في جبال الجزائر

عرض المادة

على ظهر لاندكروزر من أم درمان
التيار تسرد قصة رحلة البحث عن الذهب في جبال الجزائر


تحقيق: علي ميرغني


تخيّل أنك في سوق ليبيا ثم سمعت من ينادي : الجزائر ..الجزائر نفر.. لا تظن ان المقصود منطقة في السودان، بل هي دولة الجزائر المعلومة.. ونعم هناك خط مواصلات حاليا يربط سوق ليبيا بدولة الجزائر.. زبائن هذا الخط هم المغامرون الباحثون عن الذهب أو الذين اقتنعوا بمنطق أغنية القمر بوبا : يا غرق يا جيت حازما.. الذين يقصدون العبور إلى أوروبا .. في كل الأحوال لا تحتاج لجواز سفر أو أية ورقة ثبوتية….فقط ضع روحك في كفك وتوكّل على الله.
مشهد أول
رب صدفة أفضل من ألف وعد، هذا ما حدث لي أمس الأول، اخترت أن أشرب فنجال جبنة عند إحدى ستات الشايّ، جذبت بنبرا وقعدت وحدي أتشاغل بالواتساب ريثما يكتمل إعداد فنجان القهوة الذي يفقد أهم مكوناته ـ قلية البنّ. .
رأس خيط
تباّ للشبكة البطيئة، تركت الهاتف جانبا وتحولت لتمضية الزمن عبر مراقبة الحضور. جذبتني دردشة بين أربعة شبان، أحدهم يحكي مغامرة عن البحث عن الذهب داخل السودان ثم التحول إلى البحث عنه في كل أفريقيا.
حمدت الله على بطء شبكة الانترنت التي أتاحت لي التقاط هذا الحديث من مصدره الأول. ترددت قليلا ثم اقتحمت على الشباب الاربعة جلستهم ، وبعد السلام طلبت من المتحدث مزيد من المعلومات عن رحلته للبحث عن الذهب فيما وراء الحدود.
بعد أن عرفته بمهنتي، طلب مني إخفاء اسمه أو أي معلومة قد تقود إليه. ثم بدأ يسرد حكاية ثمانية شهور في مطاردة الذهب حتى الجزائر.. رحلة ابتدأت من سوق ليبيا بزي عسكري وانتهت في الجزائر بتهمة الإنتماء للدولة الإسلامية
سوق ليبيا البداية
قال محدثي إن الرحلة بدأت من سوق ليبيا في أمدرمان حيث يوجد سماسرة يوفرون رحلات إلى أحدث مواطن التعدين في أفريقيا، كل شيء متوفر بمقابل فوري أو مؤجل المهم قبول المخاطرة.. تسلم السمسار مبلغ مئتي جنيه عن كل مسافر، قام بدفعها صاحب السيارة أو حقيقة السيارات التي ستقل الجميع.
كاكي وكلاشنكوف
تم تجميعهم في منزل في المنطقة ثم أخبروهم بعد فترة أن التحرك سيكون الليلة عند الثانية صباحاً. في الوقت المحدد صرف للجميع زيّ عسكريّ وسلم كل واحد منهم بندقية كلاشنكوف.. نعم.. تعليمات الرحلة واضحة ..على كل فرد المشاركة في حمايتها حال حدوث مواجهة.
تحركت ثماني عشرة سيارة دفع رباعي لاند كروزر بك أب في الطريق الصحراوي انطلاقا من غربي سوق ليبيا. بكل سيارة برميلا ماء وآخر جازولين. السيارات كانت تسير ـ حقيقة كانت تطير ـ بسرعات عالية جداً وعبر طرق غير مطروقة يستخدمون أجهزة ملاحة متقدمة بما فيها الجي بي اس ومعهم أجهزة هواتف الثريا يتلقون عبرها معلومات وقتية عن حالة الطريق أمامهم

الطريق الى الفاشر
يقول بطل قصتنا إن سيارات اللاند كروزر استخدمت طرقا صحراوية إلى الفاشر. التقوا فيه بمجموعات من حركات دارفور أو حتى مجموعات نهب مسلح، لكن الأمور سارت بصورة طيبة عبر دفع المال وفي بعض الحالات الأخرى بدون مقابل ظاهر، ربما معرفة صاحب السيارات..
خيمة وسط الصحراء
في الصحراء توقفوا عند خيمة كبيرة يوجد قربها رجل خمسيني ومعهم بعض الشباب وطفل. فيما توجد بعض الجمال ايضا.. المشهد لمن لا يعرفه تفاصيله الأخرى مجرد رجل يرعى أبله في الصحراء برفقة بعض أبنائه.
لكن كل شيء كان موجوداً، الشباب مسلحون بصورة كاملة وبأسلحة ثقيلة، أحد الأطفال كان يحمل مدفع آر بي جي. ، وداخل الخيمة كانت تقف لاند كروزر محملة بمدفع دوشكا، هنا كل شيء موجود وكل شيء ممكن ومتوقع.
جوالنير
جوالنير..كلمة من ابتكاري ، محدثي قال لي إن صاحب الخيمة يملك أموالا من مختلف عملات المنطقة الجنيه السوداني، الفرنك التشادي، الجنيه الليبي وحتى الدولار واليورو، وإلى هنا يمكن أن يكون الحديث مقبولا فالمنطقة معروفة بوجود طرق ثراء كثيرة ومختلفة. لكن ماهو غير مألوف ان صاحب المال لا يحسبه بالملايين او غيرها، ببساطة عندما سألوه عن مبلغ ثروته قال إنه "خيّط خمسة شوالات"يعني أنه أكمل ملء خمسة شوالات بالأموال وخيّطها. وهنا يمكننا مجازًا أن نطلق عليه "جوالنير"او حتى شوالنير للتخفيف. ولا عزاء لخبراء الاقتصاد ومفردة كتلة السيولة
الكرم بالرصاص
الرجل صاحب الخيمة كان كريما معهم ووفر لهم الذخيرة.. الرصاص بلا عدد حتى يتدربوا على إجادة التصويب مستخدمين في ذلك المعلبات الفارغة أو حتى صناديق السجائر. وبحسب محدثي فإن الرجل ماهر جدا في الرماية لدرجة إصابة صندوق سجائر مقذوف في الهواء.
الى الطينة
من الفاشر اتجهت السيارات الثماني عشرة إلى مدينة الطينة التشادية، ثم غيّرت اتجاهها شمالا بموازاة الحدود السودانية التشادية حتى وصلت إلى الحدود الليبية حيث تم جمع الزيّ العسكري وطلب منهم ارتداء الملابس المدنية، لكن تركت البنادق الكلاشنكوف معهم. كما تغيرت طريقة السير حيث أصبحوا يقضون النهار كله تحت التّلال بينما ترجع السيارات مسافة بعيدة خلفهم وتم ترك جهاز هاتف ثريا مع الركاب حتى يتم تنسيق التقاطهم بالسيارات مساءً لمواصلة السفر.

الجنرال قروش
ثم بعد ذلك اتجهوا غربا أيضا على الحدود بين تشاد وليبيا. وأيضا كان "للجنرال قروش"قدرته العجيبة على تذليل أية مشكلة واجهتهم ثم تفادوا الدخول إلى مالي خوفا من مقابلة الجماعات المتشددة التي تنشط هناك.
الجزائر بلاد الذهب
ثم وصلوا إلى جبال الجزائر حيث أنزلتهم السيارات وتركت معهم البنادق الكلاشنكوف وجهاز هاتف ثريا كوسيلة اتصال ليتم تنسيق عودة السيارات لرحلة العودة. وصلوا إلى الجزائر منتصف اليل حيث أنزلتهم السيارات وقفلت راجعة.
الذهب الوفير
خلال شهرين تمكن محدثي من اصطياد ثلاثة كيلو جرامات من الذهب..يفكر كل ليلة بتحقيق حلمه عندما يعود الى السودان، وبحسب الاتفاق ينال كيلو جرامين اثنين بينما يأخذ التاجر الذي مول الرحلة الكيلو جرام الآخر، قسمة الانصبة اثنان إلى واحد… اصبح محدثي يملك أكثر من ستة مليارات جنيه

مفاجأة غير سارة
لكن صاحبنا والمجموعة المرافقة له تفاجأوا ذات صباح بالشرطة الجزائرية تحيط بهم. .. مجموعة من القوات الخاصة تحاصرهم والبنادق مصوبة بدقة نحوهم والأصابع على الزناد.. حكة واحدة ساذجة كانت ستكلفهم جميعا أرواحهم.. هنا لا يوجد حسن النيّة خاصة بعد أن ذاقت الشرطة الجزائرية معنى التردد في إطلاق النار عند وجود شبهة تهديد امني وشيك .
لم يبدِ محدثي ومجموعته أيّة علامة مريبة.. انخفض التهديد وطلب جنود الشرطة منهم تسليم الأسلحة فسلموها بدون أي تردد وسلموا أيضا أجهزة التنقيب وما جمعوه من ذهب.
اتهمتهم الشرطة الجزائرية بأنهم اعضاء في المنظمات الجهادية، لكنهم نفوا ذلك وأوضحوا أنهم يبحثون عن الرزق عن طريق التنقيب العشوائي عن الذهب. تم ترحيلهم إلى داخل الحظائر لمدينة لم يعرفوا اسمها. ظلوا لفترة ستة اشهر هناك ..عاملتهم السلطات الجزائرية بلطف بعد ان تأكدت من أنهم مجرد منقبين عن الذهب. ثم حضر لهم أحد موظفي السفارة السودانية، لكنه خاطبهم من خارج المعسكر الذي كانوا معتقلين فيه، ربما لأسباب أمنية. ثم أطلقت الجزائر سراحهم بعد مصادرة كل الذهب وأجهزة التنقيب.
أخلاقيات المهنة
وعلى الرغم من خسارة كل شيء إلا أن التاجر الذي موّل الرحلة التزم بأخلاقيات المهنة وقام بإرجاعهم بنفس الطريقة وذات الطريق حتى مدينة الفاشر، ثم أخطرهم بإمكانية إعادة التجربة مرة ثانية لمن يرغب في تجريب حظه مرة اخرى.
اتّجار بالبشر
سألته إن كان صادفوا تجار البشر أم لا. أجاب بأن كل شيء متاح في الصحراء الواسعة، بل إن هناك مكاتب في سوق ليبيا والفاشر توفر ترحيل البشر وأنه شخصيا دخل إلى مكتب يمارس الاتجار بالبشر في مدينة الجنينة تحت تغطية التجارة العامة
قال لي إن التاجر يخطرك بإمكانية التكفل بتكاليف الرحلة كاملة إلى ليبيا أو مالطا بمقابل مادي فوري أو مؤجل، ويشمل ذلك توفير تكلفة النقل والغذاء وحتى "حق الكيـف"على أن يتم الدفع لاحقاً من الذهب الذي يتم التنقيب عنه في ثلاثة مواقع في ليبيا ،أحدها اسمه "البوكلين". ولإقناع الضحية يعرضون عليه كمية من الذهب الخام يقولون إنه أحضرها أحد الذين سبقوه في هذا الطريق. وإذا وافق الضحية يكون قد دخل في رحلة ذات اتجاه واح، حيث يتم النقل الى الحدود الليبية ليحضر تاجر ليبي ويتم التفاوض حول سعر "الرأس"، وعادة يرتفع السعر كلما كان الانسان المعروض للبيع ضخم الجسد وقويا ومفتول العضلات. يتم البيع أمام الاشخاص. ثم ينقلون إلى سيارة التاجر الليبي الذي بعد أن ينقلهم مسافة إلى داخل الأراضي الليبية يكشف لهم عن حقيقة أنه اشتراهم وأنهم أصبحوا عبيدا له!! نعم عبيد يملكهم..ومن يرد أن يسترد حريته فعليه دفع كذا جرام من الذهب عبر العمل في التعدين عن الذهب. وقد تكون النهاية قبرا غير معلوم في الصحراء الليبية الواسعة. .
دور الدعم السريع
سألت محدثي عما إذا صادفتهم دوريات قوات الدعم السريع ؟ أجاب بأن هؤلاء فعلاً ساهموا بقوة في إزالة البوابات ـ نقاط تفتيش ـ أقامتها الحركات المسلحة وبعض عصابات النهب المسلح على الطرق بين مدن دارفور.. وأكّد أنهم يستجيبون بسرعة فور ورود أي بلاغ بحالة نهب أو وجود بوابات على اي طريق.
سألته مرة اخرى إن كان سيكرر المحاولة.. ضحك وقال انّ العمر واحد والرزق عند الله .


   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة