Untitled Document

طوكر .. الدهب المسوكر !!٧

عرض المادة


المنسي .. سلسلة تحقيقات أكشف لكم فيها سوداناً آخر غير الذي ترونه في الإعلام وتسمعون عنه في الأخبار.. السودان المنسي الذي يختفي في ظلام الإعلام ، يكابد مرارة الحال وشظف الواقع.. رحلة ما منظور مثيلا ، مشاهد ولا في الأفلام صوَّرتها لكم بقلمي وبالكاميرا التي لا تنفصل عني.. قبل قراءة التحقيق أرجوكم تأكدوا من وجود صندوق مناديل الورق بجواركم لمسح الدموع.. دموع الحسرة على وطن يقتله الشقاء، والنعيم على ظهوره محمول.
هذه المرة من ولاية البحر الأحمر.. مشروع دلتا طوكر الزراعي ..
تحقيق وتصوير: عباس عزت
الحلقة السابعة

تحدثت في الحلقات السابقة عن نشأة مدينة طوكر الحديثة بعد إزالة (الدبة) الترابية التي غطت المدينة القديمة بفعل رياح (الهبباي والايهتبيت) ، حسب ما ورد في بعض الوثائق المحفوظة بدار رابطة ابناء طوكر بمدينة بورتسودان، ولمزيد من المعلومات التي توثق لمدينة طوكر عبر تاريخها الطويل حملت أوراقي وتوجهت لزيارة المؤرخ الاستاذ هاشم الزبير بمكتبه وسط سوق بورتسودان، وهو أحد أبناء مدينة طوكر المهتمين بالتوثيق وجمع كل ما يتعلق بتاريخ طوكر ، وبعد أن عرفته بنفسي والغرض من الزيارة، استقبلني بابتسامة حائرة كأنها تبحث عن أمل، أشار بيده عليّ أن أجلس على الكرسي المحاذي لأحد طرفي مكتبه، ثم بدأ يحدثني عن ذكريات جميلة عاشها بمدينة طوكر، بدت لي كالخيال، وطفق يحدثني عن ماضٍ سعيد عاشه أهالي طوكر في رغد من العيش و الرفاهية والتحضر والرقي، وكانوا يتواصلون مع أوروبا لغرض التجارة بواسطة التلفون منذ ثلاثينات القرن الماضي، وحدثني عن الخدمات التي كانت تتمتع بها المدينة من إمداد كهربائي (شركة الكهرباء) وشبكة مياه داخلية ودار للسينما وأندية ثقافية ورياضية، وشوارعها النظيفة المضاءة ليلا، وعن فيلات أثرياء طوكر التي تحيط بها الحدائق الغناء، وحدثني عن النسيج الاجتماعي المتماسك المكون من العديد من الجنسيات الوافدة من العراق وإيران ومصر واليمن والحجاز وتونس والمغرب والذين تصاهروا مع سكان المنطقة وشكلوا نسيجا اجتماعيا متفردا، بالإضافة إلى العديد من الأرمن والأغاريق والهنود الذين ما زال بعضهم يعيش في مدينة بورتسودان بعد خراب طوكر..
ثم عرفني بنفسه قائلا: أنا هاشم محمد حامد الزبير (المحامي)، ولدت في طوكر 1940م وعشت هناك في كنف عائلتي الطوكراوية المحافظة، تلقيت مراحل التعليم الأولى والمتوسطة في طوكر والثانوي في بورتسودان الحكومية، وتخرجت من جامعة القاهرة فرع الخرطوم سنة 1979م ،وعملت فترة من الزمن بديوان النائب العام، والآن أمارس المحاماة في مدينة بورتسودان..
طوكر ..اسم جارية بني عامرية !
وذكر أن طوكر كانت في الماضي عبارة عن غابة تسمى غابة طوكر (توكر)، وتوجد بها بعض القبائل البجاوية (هدندوة – ارتيقة – كويلاب - حسناب) وجزء من البني عامر، وعن سبب التسمية يقول إنه لا يدري شيئا، فقلت له: ولكن المؤرخ محمد صالح ضرار كان قد في كتابه (تاريخ سواكن والبحر الأحمر– ط2 1988م – الدار السودانية للكتب)، ان الاسم يعود لجارية من بني عامر.. هو اسم علم لجارية بني عامرية كان يقال لها (كَر) سكنت في دبّة عالية بدلتا خور بركة وهذا الاسم تجده في كثير من الجواري وأما تُوكَر فإن حرفي التاء المضمومة والواو علامة تأنيث اسم العلم (كر) في اللغة البجاوية ولكن الحكومة تكتبها (طوكر) ، وهو خطأ يجب عدم التمسك به !!، اجابني متحفظا بأن هذا ما يقوله محمد صالح ضرار ولا علم لي به، ثم أضاف أن هذه التسمية قد تثير حفيظة البعض !!
خراب طوكر القديمة !
ثم واصل حديثه قائلا : إن الاهتمام بدلتا طوكر كمنطقة زراعية قد بدأ بعد دخول الاتراك الى السودان عام 1821م، بل يحدد التاريخ بسنة 1860م، وذلك عندما قام محافظ سواكن آنذاك ممتاز باشا بعمل تجارب لزراعة القطن في دلتا طوكر، وبالفعل نجحت التجربة ،إلا أن المشروع تعثر لأسباب سياسية عند قيام الثورة المهدية الأمر الذي جعل الأتراك يصرفون النظر عن المشروع، ويذكر أن الرقعة الزراعية كانت قد توسعت في فترة المهدية عندما طلب الخليفة عبد الله التعايشي من الأمير عثمان دقنة الذي كان يعسكر بجيشه في منطقة (هندوب) جنوب بورتسودان، أن ينتقل بعشيرته وجيشه إلى منطقة طوكر لزراعة الحبوب الغذائية لغرض الاكتفاء الذاتي لجيش عثمان دقنة ومد جيوش المهدية بالغلال، وفعلا توجه الأمير عثمان دقنة إلى مدينة طوكر القديمة وخربها وعسكر بجيشه وعسكر في منطقة (حفافيت)، جوار مقبرة الشيخ الطاهر بن الشيخ قمر الدين بن الشيخ الطيب المجذوب، ومكث فترة بالمنطقة إلى أن حضر المستعمر البريطاني مرة أخرى في يوم 7 فبراير 1891م، ودارت معركة بين جيش الأمير عثمان دقنة وجيوش الإنجليز القادمة من سواكن بعد أن عسكرت في (ترنكتات)، وانتهت المعركة بهزيمة عثمان دقنة الذي انسحب من طوكر إلى مناطق كسلا ونهر عطبرة، واحتلت القوات البريطانية طوكر..
طوكر الحديثة وسنة الكبر !
واعتقد ان مدينة طوكر الحديثة بدأت نشأتها في عهد الحكومة الثنائية سنة 1891م بعد هزيمة جيوش المهدية، واهتمام الحكومة بالزراعة، عندما أمر المفتش الإنجليزي الأهالي ب(كبر) الغابات، وذكر أن الأهالي وحتى وقت قريب يربطون نشأة طوكر بسنة (الكبر)، إذ كان أي مواطن (يكبر ) مساحة من الغابة وينظفها يمنح له امتياز الزراعة، على أن تظل الأرض ملكا للدولة، وذكر أن أكبر قبيلة استحوزت على أراضٍ زراعية هي قبيلة الأرتيقة ويليها قبائل الهدندوة وبقايا فلول المهدية (عشيرة عثمان دقنة من السواكنية وبعض قبائل النيل الشمالي)، التي وقع عليها تنظيم المدينة والزراعة والتجارة، لأنها كانت من الطبقة المستنيرة..
الإدارة الأهلية !
وعند قيام نظام الإدارة الأهلية عام 1928م قام الإنجليز بمنح كل قبيلة ادارة اهلية، وتم منح العموديات للذين رفضوا الانخراط تحت لواء قبائل المنطقة وتمسكوا ب(سواكنيتهم)، وسموها عموديات (الأغراب)، إلا أن أصحاب العموديات رفضوا هذه التسمية باعتبارهم مؤسسين للمنطقة وليسوا أغرابا، وتم تسميتها عمودية (الكسلاوية)، على اعتبار أنهم كانوا من أنصار الامير عثمان دقنة القادمين من كسلا ويحملون راية الكسلاويين التي حضرت مع جيوش الامير عثمان دقنة عند فتحه طوكر، وبعد هزيمة دقنة وانسحابه من المنطقة طاب للكسلاويين المقام بدلتا طوكر واستقروا بمنطقة (حفافيت)..
عمودية الكسلاوية !
ويقول الاستاذ هاشم إن عمودية الكسلاويين كانت أقوى العموديات باعتبار أن عناصرها كلها من خارج السودان يمنيين وحضارمة وحجازيين ومغاربة ومصريين وعراقيين وتوانسة وايرانيين وأكرادا ، وكلهم من الطبقات المتعلمة والمستنيرة ، وذكر أن أول من تولى عمودية (الكسلاوية) هو العمدة أحمد بدوي وكان ذلك في عام 1928م وتلاه في العمودية ابن أخته عبد المجيد عجبين، ثم بيومي محمد من صعايدة الفيوم، ثم حسين بيومي، وبعد اندثار الإدارة الإهلية في طوكر كما حدث في بقية أنحاء السودان ..
حسرة على عهد الاحتلال !
شهدت طوكر في عصر الاحتلال ، للأسف، ازدهارا ليس له مثيل ويكفي أننا كنا نشرب في الأربعينات المياه المثلجة في حين لم تكن بورتسودان تعرف الثلج ، وكان بها شركة كهرباء تمد المدينة بالكهرباء عندما كانت الكهرباء نادرة في السودان ، وكان بها سوق عامر، وأتذكر عندما كنت طالبا بجامعة القاهرة فرع (الخرطوم)،في سبعينات القرن الماضي دعاني بعض الاصدقاء لزيارة أم ضوا بان في أحد الاعياد، وهناك قمنا بزيارة خلاوي الشيخ يوسف، وفي احدى الخلاوي تعرفت على احد سكان ام ضوا بان واسمه أبوبكر خاطر على ما اذكر، وهو من خريجي جامعة الخرطوم وكان متحدثا لبقا، وعندما عرف أنني من ابناء طوكر، (كنت ارتدي الزي السواكني)، تهللت أساريره وأخبرني بفخر شديد بأنه أول من فتح مكتبا للتلغراف بطوكر،وكان ذلك في العام 1928م وكان يقوم باستقبال رسائل لندن وأسعار البورصة العالمية للقطن ليقوم بتسليمها لباشمفتش الزراعة في لحظة جلوسه على تربيزة دلالة القطن لتبدأ عملية البيع والشراء حسب أسعار بورصة لندن، ثم تساءل ابوبكر قائلا: أين نحن الآن؟؟ واضاف موجها حديثه لهاشم : من المؤسف أنه في عهد الاحتلال تستطيع طوكر ان تتصل بأوروبا، والآن لا توجد وسيلة اتصال بين سواكن وطوكر !! ..
مساهمة فعالة !
ويقول الاستاذ هاشم ان مدينة طوكر ساهمت مساهمة فعالة في تأسيس مدينة بورتسودان، وكان الإنجليز يشجعون تجار طوكر على الاستثمار في بورتسودان وكانوا يبيعونهم سعر المتر المربع ب(4 أو 5) قروش، فاستجاب بعضهم وشيدوا معظم مباني سوق بورتسودان، وذكر منهم (عبدالله صالح الخضري) و(أوهاج حسين) و(باكاش) و(شنقراي) وأحفاد (باعشر) القادم من كسلا مع جيوش عثمان دقنة في فترة التركية السابقة، ويذكر أن باعشر الأول كان قد توفى عام 1917م ودفن بطوكر.
بداية الانهيار !
ويقول الاستاذ هاشم إن طوكر بدأت في الانهيار منذ اوائل السبعينات وفقدت كل شيء كان قائما بها وفقدت مصنع الثلج وشركة الكهرباء وتدهورت شبكة مياه الشرب وحتى الأراضي الزراعية التي غزاها (المسكيت)، وقال إن الانجليز كانوا يجبرون صاحب الارض على نظافة أرضه من القش والأعشاب الضارة في شهر يونيو من كل عام، وكان المفتشون الانجليز يمرون بصفة يومية في جولاتهم التفتيشية، وكانت الدلتا مقسمة لقطاعات وكل قطاع تحت إشراف مفتش، وكان المفتشون يركبون الدواب في جولاتهم ويتركون عربة (الكومر) للشرطة، وكان المفتش إذا وجد أرضا غير نظيفة يقوم بانتزاعها من صاحبها، لذلك كان الأهالي لا يتوانون في نظافة أراضيهم حتى يجدد لهم حق المنفعة.
علاقات الإنتاج !
وقال هاشم: أذكر أنه عند قيام اتحادات المزارعين في السودان، نادى بعض السياسيين بإنشاء اتحاد لمزارعي طوكر..رفضنا الفكرة جملة وتفصيلا، لأن هذا الاتحاد لا يناسب مزارعي طوكر، إذ يشترك في الزراعة صاحب الضمن ومزارع النصف ومزارع الربع، فأي واحد تختار؟ لأن كل واحد منهم مصلحته التي تختلف عن الآخر، و كان الإنجليز قد نظموا الزراعة وقننوها بالاعراف السائدة بالمنطقة، فاذا كنت تزرع بالنصف، تأخذ نصف المحصول، واذا كنت تزرع الربع تأخذ الربع وهكذا، والباقي يذهب لصاحب (الضمن) – الارض، وكانت علاقات الانتاج متكافئة، وكانت ادارة الانجليز ناجحة جدا بعكس الحكومات الوطنية التي أهملت كل مشروع تركه الإنجليز ناجحا ليتدهور في عهد الحكومات الوطنية، التي تنادي الآن بإعادة طوكر سيرتها الأولى ولكنه مجرد كلام في الهواء !!
الحباب والبني عامر !
كانت الأيدي العاملة تأتي من دولة اريتريا من (قبائل الحباب والبني عامر)، لغرض الزراعة فقط في موسم الشتاء ويعودوا إلى ديارهم بعد انتهاء موسم الحصاد، وكانوا يخرجون في قوافل من الجمال وهم محملون بخيرات الموسم من حبوب غذائية وأموال طائلة جنوها من بيع القطن،وكانوا يقيمون الكرنفالات في طريقهم إلى أريتريا بصحبة عوائلهم، وكان الانجليز يشجعون الأريتريين على العمل في دلتا طوكر ويسهلون دخولهم بفتح الحدود بين الدولتين، ولكن الأريتريين كانوا لا يرغبون في البقاء بطوكر بعد انتهاء الموسم الزراعي، وعندما تخصب أراضي أريتريا في بعض المواسم يقل عدد العمال الأريتريين..
سنة الجابونا !
وذكر هاشم انه في عام 1946م ، حدثت ندرة في عدد العمال الاريتريين لأن بلدهم اخضرت، فقامت الحكومة بجلب أعداد كبيرة من العمال من جبال النوبة، بواسطة القطارات وأدخلوهم في المشاريع الزراعية، ولكن سكان طوكر لم يقبلوهم لانهم كانوا عنيفين في التعامل مع أهل المنطقة، ويقال ان بعضهم دخل السوق في أحد الأيام وهاجموا المطاعم وأكلوا كل (السلات) الموجود بالمطاعم وشربوا اللبن ورفضوا دفع الحساب ،مما أدى لوقوع اشتباك بينهم وأصحاب المطاعم المنهوبة، وتدخل الأهالي ووقفوا بجانب أبناء المنطقة المتضررين ودارت معركة بين الطرفين أدت لتدخل الحكومة التي قامت بترحيل الوافدين الجدد إلى مناطقهم بواسطة نفس القطارات التي أحضرتهم، وأصبح الناس يؤرخون لتلك الفترة ويسمونها سنة(الجابونا)، نسبة للعمال الذين كانوا يرددون كلمة نحن (الجابونا) الإنجليز من جبال النوبة!!
عودة الروح وملكية الأرض !
ويقول إن المشروع يمكن أن يعود لسابق عهده إذا خلصت النوايا وتضافرت الجهود، ولكن قبل رجوعه يحتاج إلى ترتيب مسألة ملكية الأراضي وعلاقات الإنتاج بين المزارع وصاحب (الضمن)، ولو نجحوا في ذلك يمكن أن يرجع مشروع طوكر كمشروع قومي. ويمكن أن يخصص جزء منه لزراعة الخضروات والبستنة التي تستوعبها السعودية التي لا تبعد عن طوكر أكثر من 6 ساعات بواسطة الباخرة،وقال إن السعودية ودول الخليج تجلب هذه المنتجات من أوروبا البعيدة، وبينها وبين طوكر البحر الأحمر فقط !!
غدا أحدثكم عن حال مدينة طوكر الآن !!



   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 6 = أدخل الكود