Untitled Document

عن أي استقلال تتحدثون؟

عرض المادة
عن أي استقلال تتحدثون؟
3047 زائر
28-12-2016
جلال الدين محمد ابراهيم


البلاد لها الآن (61 عاما) وهي تحتفل بأعياد استقلال وهمية لا قيمة لها في معنى الاستقلال والحرية الفعلية، ولم نخرج من الاستعمار الفكري الذي ألم بشعب هذه البلاد منذ عهد الثورة المهدية، وسقوط الخرطوم 1885م، والبلاد تلف في ذات الفكر، وذات المعتقدات، التي معظمها لا تنتمي حتى إلى فكرة (تكوين دولة راشدة)، ولا أقصد تكوين حكومات؛ فما أسهل عملية تكوين الحكومات، لكن ما أصعب تأسيس الدولة.
وإذا لم نصل بالبلاد إلى مرحلة (هروب الكل من التكليف بالمناصب الدستورية) فإن وضعنا سيظل تحت (خط الفكر الغبي بسنين ضوئية)، وأن تتلهف الأغلبية إلى نيل كرسي دستوري، أو منصب سياسي، بلا إنتاج، ولا نتائج تحقق منهم؛ لهو دليل وجود خلل في التربية الفكرية.
وكل الأنظمة الأيدولوجية- التي مرت على البلاد يمينية متطرفة أو يسارية أو علمانية- كلها- أو مختلطة بين كل هذه الفئات، قد فشلت في ترسيخ مفهوم (الدولة)، وفصل مؤسسات الدولة عن عبث الحكومات المتعاقبة، وخلطت الحابل بالنابل؛ فكانت نتائج الخلط تلاعب الحكومات بالدولة، وليس تنمية الدولة- كما يفترض، وظل الحديث الغبي والجاهلي عن فصل الدين عن الدولة يشغل عقول البعض، وهم في أنفسهم لا يعلمون ما معنى فصل الدين عن الدولة، ويتم النقاش والحوار، ويصل إلى مستويات الجدل البيزنطي في هذه النقطة، ويخرج الكل متزمتا بفكره، وهو لا يعلم أنه في الأصل يجب أن يركز الناس على تقوية وتعظيم صلاحيات الدولة إسلاميا ، مع تحجيم صلاحيات الحكومات؛ لتصب في صالح الدولة، وشعبها، ثم إن إسلامية الدولة أهم بكثير من إسلامية الحكومات القشرية، أو الصورية.
والثورة المهدية والإنقاذ- بالفعل- وجهان لعملة واحدة؛ لأن الاثنين اهتما بإسلامية الحكومات (القشرية)، بلا قوانين إسلامية صادقة، بينما تركوا إسلامية الدولة والمجتمعات حرة في اتخاذ ما تريد، وما تفعل، فكانت الجهوية، وكانت العصبية، والقبلية، وأفرزت لنا من بعد ذلك فسادا في فساد؛ بسبب خلط مفهوم الدولة بمفهوم الحكومات، والنتائج ماثلة بين يدينا (فقر، وجوع، وصراع على السلطة، وتكرار بعض القيادات التي لا فائدة منها غير أن تكسب المال لنفسها، والتسلط بلا إنتاج).
بالتالي السودان لم يحصل على الاستقلال الفعلي حتى اليوم، والدليل أن الفكر المتعمق والموروث ومنتشر في الساحة ما زال يفكر في إتباع بعض الرموز السياسية لشخصها وكاريزميتها وهي شخصيات ديناصورية انتهازية تحب التلميع والمال والسلطة.
إن بناء الحكومات سهل، ويستطيع أي أرعن أن يقود كتيبة من الانتهازيين، ثم يلمعهم بزخرف الإعلام، ويشكل منهم حكومة، لكن بناء الشعوب فكريا، والدول، والأوطان، والمبادئ لا يقوم بها إلا رجال لا يعرفهم العامة، بل يعرفهم القليل؛ فانظر أخي القارئ الكريم حولك (هل أنت- فعلا- مستقل استقلالا فعليا، أم أنت ما زلت ترزح تحت العبودية، ومستعبدا بفكر الآخرين غير المنتج في صالح الدولة، بل منتج- فقط- لصالح الحكومات والشخصيات- عينها- وهل عرفت ما الفرق بين الدولة والحكومة أم أتحسر على مدادي؟!.




   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
هذا خطأ يا ولاية الشمالية - جلال الدين محمد ابراهيم
الشعبي يحفر قبر الحركة الإسلامية - جلال الدين محمد ابراهيم
دموع التماسيح Crocodile tears - جلال الدين محمد ابراهيم
الكروماتوغرافيا – والـ Laughing Hyenas - جلال الدين محمد ابراهيم
مصانع البلاستيك وحل مشكلة القمامة - جلال الدين محمد ابراهيم
أصول لعبة المصالح
ياسين حسن بشبر
كلام الكاميرا