Untitled Document

البركل جبل التأريخ المهمل

عرض المادة

البركل جبل التأريخ المهمل
أرض الحضارات والتأريخ والنيل والنخيل


عشرة أيام في حضرة حنية أهلنا الشوايقة.. عشرة أيام حيث جبل البركل يقف يحكي عن تأريخ ملوك صالوا وجالوا حتى وصلوا مصر.. عن كنداكات قدمن أروع أنموذج للحكم الإنساني.. عشرة أيام من الحرقة والدموع على الآثار المهملة، والبؤس الذي يعيشه إنسان الشمالية رغم الموارد المكتنزة في تلك البقعة الطيبة.. عشرة أيام من الكرم الدفاق الذي ينساب كما النيل، رغم ضيق ذات اليد، وهم يجسدون ما قاله إسماعين حسن: "يكرموا الضيف حتى انكان مصيرن جوع!".
البركل: نصر الدين عبد القادر
قومية البركل
مهرجان جبل البركل كان فرصة للوقوف على تأريخ عظيم، يحكي عنه الجبل نفسه؛ حيث معبد آمون، وأسطورة إيزيس، وابنها حورَص وترهاقا.. كانت فرصة لذرف الدموع دما على قبر بعانخي، وشباكا، وشبكتو، وتانوتامَني، حيث دمرت أهراماتهم، وسرقت جثثهم التي ترقد داخل تلك الغرف منذ (2800) سنة، وبقيت آثارهم في ذلك المكان حجارة منقوشة، ورسومات على جدران الغرف، وكما قال حميد على لسان الزين ود حامد مخاطبا زوجته ست الدار "فِضْلت في آثار، ما خموها الجونا قبُلْكُم؟.. شن خلولنا بلا حُجَّار"، نقف هنا لنفسح مساحات أوسع لذلك التأريخ، وتلك الحضارة المهملة في الأيام القادمة، ريثما يمتلئ القلم بالقصائد والدموع.
أما المهرجان فكان يمثل قومية التراث السوداني الأصيل عبر معارضه، ولياليه الغنائية، فامتزج التراث الكردفاني بتراث شرق السودان ودارفور.. بالرغم من الهنات الكثيرة في التنظيم خاصة في المعارض، حيث شكا أصحاب المعارض من سوء الوجبات، وحصر المعارض في خيمة واحدة، الأمر الذي أحدث تزاحما وتدافعا بين جمهرة الناس الزائرة إلى الجبل.. لكن كل هذا يتناساه الناس بمجرد صعود الفنان المعين إلى حفلة المساء.
المهرجان بعيون الفنانين
بالرغم من برودة الطقس القارس إلا إن الفنانين الذي مثلوا غناء الطمبور، وأغنيات الوسط، وكردفان، والشرق ألهبوا حماس الجماهير، وأدخلوا الدفء في قلوب الجماهير المتعطشة للإبداع؛ حيث شارك في تناوب على ليالي المهرجان التسع عبد القيوم الشريف، وجعفر السقيد، وعبد الرحيم البركل، وحافظ الباسا، وميرغني النجار ممثلين لغناء الطمبور. ثم تومات مدني، وصلاح وِلِّي، وعصام محمد نور، وحمد الريح، ومحمود الكردفاني، وغيرهم ممن مثل أغنية الوسط وكردفان، والفرقة النوبية، والفنان سيدي دوشكا الذي تغنى للكل بالبجاوية، والعربية، والفنان محجوب كبوشية الذي تمنى أن يكون مهرجان ولاية نهر النيل بذات التنظيم والإبداع، وأن تعم فكرة المهرجان كل ولايات السودان، وكان هناك عدد من شعراء الطمبور، يتقدمهم شاعر العبرات، والشاعرة نضال حسن الحاج.
هناك حيث قال الفنان سيدي دوشكا: "إن المهرجان يعكس التنوع، والتعدد الثقافي؛ وما يميزه هو التظيم الجيد، ولجان الخدمات، قائلا: "نتمنى مهرجان البحر الأحمر ينحو ذات النحو"، أما الفنان الصاعد صلاح ولي فعبّر عن امتنانه لجمهور البركل، والتأريخ العريق الذي يحفل به السودان.
من جانبه قال الفنان حافظ الباسا: إن المهرجان فرصة للفنانين لعكس إبداعاتهم.
الأرخبيل المهمل
عندما يكون الحديث عن أرخبيل الولاية الشمالية فإنه حديث عن واحدة من عجائب الله في الأرض؛ حيث سلسلة جزر الكاسنجر تمثلها تسعٌ وتسعون جزيرة على النيل ربما لم يسمع بها كثير من أهل السودان، وربما للإهمال، أو الاهتمام بأشياء أخرى لا تغني من جوع، وهي جديرة أن تكون مساحتها مفردة في الأيام القادمات.
بلاد ناسا تكِرْم الضيف
بالرغم من البؤس، وضنك العيش الذي جعل من ولاية الشمالية بلادا طاردة يهاجر أبناؤها على رأس كل ساعة حتى أن عدد سكانها بلغ في آخر تعداد سكاني (700) ألف نسمة) ما يعادل نصف عدد سكان الحاج يوسف، لكنهم بالرغم من كل ذلك تجد الكرم سيماهم التي هي سيما أهل السودان.. "بلاد ناساً تكرم الضيف.. حتى الطير يجيها جعان.. من أطراف تقيها شبع".
حزن النخيل
أغلب المناطق التي قمنا بزيارتها وجدنا النخيل فيها حزينا، لكنه ما زال يقاوم العطش، وهو على بعد أمتار من النيل؛ حيث ترتفع تكلفة الري بالديزل، وأهلها طوال حياتهم يناشدون بتوفير الطاقة الكهربائية، حتى جاء سد مروي، وأتم الناقص بأن غير المناخ الذي أصبح رطبا في كثير من مناطق الشمالية، فقرر أهلها التوجه إلى زراعة المحاصيل البستانية كالمانجو، والبرتقال، ونحوها، الأمر الذي ربما يهدد مستقبل النخيل الذي كان عصب حياة أهلنا في الشمال.
تبارى سكان الشمالية في إكرامنا؛ فكان سكان تنقسي في أبهى صور الكرم؛ حيث دعوة الأستاذ زاهر الكندري للصحفيين رفقة الفنان عوض الجرف، الذي أمطرنا طربا تحت ظلال النخيل، فوجدنا كم أن أهلها متضامنون مع بعضهم؛ فعبدوا الطريق الموصل إليها على مسافة سبعة عشر من الكيلومترات بدعوة واتساب، فكان الوتساب ملاذهم، ودار ندوتهم، ومثلما كان الواتساب سببا في زوال أنظمة وسقوط رؤوس، كان أيضا رافدا للتماسك المجتمعي في تنقسي، فجمعوا نحو نصف المليار من الجنيهات في زمن وجيز؛ لإصلاح الطريق الذي هوّن عليهم الوصول.
ثم كانت زيارة أهل أوسلي الذين يمثلون امتدادا للكرم رغم البؤس والشقاء، وهم يمنون النفس أن يساهم مشروع أوسلي الزراعي في الهجرة العكسية لأبناء البلد.
فرص الاستثمار في الولاية الشمالية
الذي لا شك فيه هو أن الشمالية مكتنزة بكل ما هو صالح للاستثمار.. لكن.. تظل التقاطعات الإدارية، والصلاحيات بين وزارة الاستثمار، والصناعة، والسياحة، والمحليات التي تفرض رسوما إضافية على المستثمر باعتراف الوزير جعفر عبد المجيد نفسه، وتعطيل الإجراءات، الأمر الذي جعل كثيرا من فرص الاستثمار الوطني تهاجر كما الطير المهاجر، لكن الوزير بشّر بأن تعطيل الإجراءات والتقاطعات أصبح من الماضي، وكل وزارته تحت خدمة المستثمرين، الأمر الذي نرجو أن يثمر للسودان من خيراته. هناك مشاريع أجنبية بإمكانيات ضخمة، خاصة مشروع الراجحي الزراعي، الذي قاربت تكلفته المئة وثلاثين مليون دولار (130مليون$)، ومصنع تعليب الخضر والفاكهة بشراكة مع المستثمر السعودي القحطاني، وشركة جياد، والولاية الشمالية التي تدخل بنسبة (15%).
المهمل من الحضارة السودانية
كل ما ذكر سلفا هو مقدمة لسلسلة من التحقيقات الصحفية عن المهمل من الحضارة السودانية، المتمثلة في آثارنا، وتأريخنا، ومواردنا، وموروثاتنا، والبؤس الذي يعيشه إنسان الولاية الشمالية، بالرغم من كل ما يملك من موارد، وهو يعيش ترديا في الصحة والخدمات.. وهو موعدنا في الحلقات القادمة من سلسلة "المهمل من الحضارة السودانية".

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة