Untitled Document

نزيف الدم

عرض المادة
نزيف الدم
292 زائر
03-01-2017
فيصل محمد صالح



تريد لمرة واحدة أن نحس بأن الدم السوداني ليس رخيصاً تماماً هكذا، أن الإنسان السوداني، أياً كان، له قيمة ما عند الحكومة وعند المجتمع، لمرة واحدة نريد أن نحس بأنّ هناك أيدٍ تطبطب على كتف أهالي الضحايا، وتقول لهم بأن دم أبنائكم ورجالكم ونسائكم لن يذهب هدراً.
ما حدث في نيرتتي جزء من نزيف الدم السوداني المستمر، حصل في دارفور وأجزاء أخرى من الوطن عشرات المرات، وحصل لأبناء البجا في بورتسودان، وفي أمري، وفي جامعة الجزيرة عندما تسلم أهالي أربعة طلاب جثث أبنائهم الغرقى، وحدث لعشرات الأسر في سبتمبر 2013. وفي كل مرة يكون هناك ضحايا تعترف بهم الحكومة، ولكن ليس من جانٍ.
ليس صحيحاً أن ما حدث مجرد قضاء وقدر، لا أقصد إنكار حتمية الموت المقدر من المولى سبحانه وتعالى، لكن أقصد أنه لم يحدث بالصدفة أو نتيجة كوارث طبيعية أو مرورية غير مدبرة، في كل هذه المرات هناك قاتل فعل فعلته مع سبق الإصرار والترصد، وإن توفرت الرغبة والإرادة على كشفه، فالأجهزة الجنائية والعدلية قَادرةٌ على ذلك.
في قضية مقارعة المحكمة الجنائية الدولية، وما أسماه الاتحاد الأفريقي تدخلاً من المحكمة في الشؤون الداخلية للدول، واستهداف وقصد الدول الأفريقية، هناك جزئية يتم تغييبها عمداً وقصداً، أن ميثاق روما المنشئ للمحكمة وبروتوكولها الأساسي ينصان على سقوط ولاية المحكمة الجنائية الدولية ويحرمها الحق في التدخل، إن كان قضاء الدولة الوطنية "راغباً وقادراً على مُحاسبة الجناة".
لا تحتاج الدول لكثير جدل سياسي وقانوني مع المحكمة الدولية ولا مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة ومن خلفها المجتمع الدولي، فالمخرج من كل ذلك بسيط جداً، أن تأخذ الأجهزة العدلية وأجهزة تنفيذ القانون ملفات القضايا والجرائم والانتهاكات بيدها، وتبدأ فيها تحقيقاً شفافاً، ثم تقدم المجرمين للقضاء العادل والمستقل. بنص قانون المحكمة الجنائية الأساسي يسقط حقها في التدخل، ولا يعود لتهديدها أو الخوف منها مكان.
سقط ضحايا أبرياء في نيرتتي، سال الدم في طرقات المدينة الصغيرة الجميلة، وحكومة الولاية تتحدث عن أشخاص مسلحين هاجموا المواطنين وقوات الجيش. لا يمكن لحكومة الولاية بكل أجهزتها أن لا تعرف من فعل ذلك، لو كانت فعلاً لا تعرف فلا منطق ولا مَعنى لبقائها، وإن كانت تعرف فالواجب محاسبتها أولاً على تقصيرها وعجزها، ثم تأتي خطوة مُحاسبة الفعلة، أياً كانوا. مثل هذه الجرائم ضد الإنسانية، وضد ضحايا أبرياء، ليست فيها حصانة بنصوص القوانين الدولية والقانون الدولي الإنساني، وإنْ كانت القوانين الوطنية تعطي حصانة فمن الواجب إسقاطها.
لمرة واحدة أسقطوا سوء الظن الذي أوجدته حوادث سابقة، لمرة واحدة انتصروا للدم السوداني المراق عبثاً، لمرة واحدة اجعلوا للدم السوداني قيمة أعلى من أيِّ شخص وأية جهة. لا بد من فتح تحقيق عادل وشفّاف، ومنح الجهات الجنائية والعدلية الحق الكامل في الوصول والتحقيق والاستدعاء لكل من يثبت له صلة بالجريمة، وتقديم المُجرمين للقضاء العادل والمُستقل.
هذا هو الباب الوحيد لإثبات أنّ هناك إرادة "راغبة وقادرة" على إحقاق الحق وتثبيت العدل ومُحاسبة المجرمين، كل ما غير ذلك مجرد حرث في البحر.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
مصادر ماكو؟ - فيصل محمد صالح
جو لندن القارس - فيصل محمد صالح
رُب ضارة نافعة - فيصل محمد صالح
أغنيات الفصحى - فيصل محمد صالح
أصول لعبة المصالح
ياسين حسن بشبر
كلام الكاميرا