Untitled Document

طوكر .. الدهب المسوكر !!

عرض المادة


المنسي .. سلسلة تحقيقات أكشف لكم فيها سوداناً آخر غير الذي ترونه في الإعلام وتسمعون عنه في الأخبار.. السودان المنسي الذي يختفي في ظلام الإعلام، يكابد مرارة الحال وشظف الواقع.. رحلة ما منظور مثيلا، مشاهد ولا في الأفلام صوَّرتها لكم بقلمي وبالكاميرا التي لا تنفصل عني، قبل قراءة التحقيق أرجوكم تأكدوا من وجود صندوق مناديل الورق بجواركم لمسح الدموع.. دموع الحسرة على وطن يقتله الشقاء والنعيم على ظهوره محمول.
هذه المرة من ولاية البحر الأحمر.. مشروع دلتا طوكر الزراعي ..
تحقيق وتصوير: عباس عزت
الحلقة الثامنة
في طوكر كانت لنا أيام..!
كانت انطلاقتنا من مدينة بورتسودان باتجاه مدينة طوكر التاريخية عبر طريق بورتسودان – هيا، برفقة المواطن (علي أكد) - أحد أبناء طوكر – والأخ صالح (سائق عربة الأجرة)، حيث كان yقرارنا أن تكون رحلتنا لطوكر سياحة قصيرة، نسبة لظروف عمل مرافقي ببورتسودان، وصعوبة المبيت بطوكر، خوفاً من هطول الأمطار التي قد تؤدي إلى قطع الطريق لعدة أيام، كما يحدث سنوياً في مثل هذا التوقيت.. كانت الرحلة من بورتسودان إلى طوكر قاسية، ورغم أن المسافة بينها وبورتسودان لا تزيد عن (180) كيلو متراً، إلا أننا قطعناها بعربة الأجرة (آكسنت) خلال ثلاث ساعات تقريباً. مررنا أولاً بميناء "هوشيري" وأطلال مدينة سواكن ثم انحرفنا تجاه الجنوبي الشرقي لمدينة سواكن، سالكين طريق سواكن – طوكر الساحلي المؤدي إلى دلتا طوكر. أثناء الرحلة حدثني مرافقي بحسرة عن حال طوكر الآن، وهو يقول : (طوكر التي كانت تعد أغنى مدينة في السودان وفي المنطقة العربية والأفريقية، لامتلاكها أخصب أرض زراعية في العالم بعد كالفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تنتج أجود أنواع القطن طويل التيلة في العالم، الآن تشهد إهمالاً مريعاً في الكثير من الخدمات، فقد تدهورت الصحة وشحت المياه وانتشر المسكيت في المشروع وغطى مساحات واسعة).
طوكر أرض البني عامر.!
وعندما سألته أحد سكان طوكر الأصلييين أجابني قائلاً : طوكر هي أرض البني عامر التاريخية، حيث كان يرأس مجلس المنطقة المحلي إبان فترة الاستعمار الثنائي العم الزعيم (أكد موسى) عمدة البني عامر، وفي فترة لاحقة قدم للمنطقة عدد من القبائل الأخرى، وهي تمثل وجهة تاريخية لكل قبائل البجا، وهي أول حاضرة مدنية، وأول مشروع إنتاجي في السودان، ثم أردف قائلاً : طوكر قدمت من النواب للبرلمان ومنهم على سبيل المثال الزعيم موسى حسين ضرار والزعيم التاريخي في منطقة (عدوبنا) جنوب طوكر ورجل المهدية بالمنطقة وأحد أبرز قياداتها الحكيمة وهو الشيخ إدريس أكد، وطوكر قدمت للسودان المؤرخ الأستاذ ضرار صالح ضرار، طوكر بها كل التنوع الإثني والثقافي، ولكنها تمثل حاضرة قبيلة البني عامر التاريخية، وهي القبيلة صاحبة الأرض الأكبر في المشروع الزراعي، وكان بها عمنا الأستاذ (وسوك) وهو أول أمين عام لاتحاد المزارعين بدلتا طوكر، وهو أيضاً من البني عامر، وكانت طوكر تمثل وجهة تاريخية لكل من يبحث عن الاستقرار في شرق السودان.
وذكر أن بداية التردي كانت في العام 1997م، عندما اندلعت الحرب، واستمرت حتى عام 2003م، فتحولت المدينة المنتجة إلى منطقة عسكرية، ووجد المسكيت ضالته في الانتشار ليتوقف أكبر مشروع زراعي كان بإمكانه أن يدر على البلاد الكثير من العملات الصعبة، ثم زاد الإهمال في حقبة الوالي السابق محمد طاهر أيلا، الذي أهمل المدينة وإنسانها، ولم تحظ طوكر في عهده ولو بالقليل مما شهدته مدن الولاية الأخرى.
مشهد لافت للانتباه..!
وأثناء سير العربة على طريق طوكر- سواكن لفت نظري مشهد لقرية أنموذجية حديثة على الجانب الغربي للطريق، وعندما سألته عنها، أخبرني بأنها إحدى القرى التي شيَّدها والي البحر الأحمر السابق محمد طاهر أيلا قبل سنوات لتجميع العرب الرحل والتجمعات السكنية الصغيرة في هذه القرى وترك نمط معيشتهم المتمثل في رعي المواشي والتجول بها، حيث تتوفر الأمطار والكلأ، واتخاذ أنماط أخرى من وسائل كسب العيش، ولكن موقعها وسط الصحراء وعدم وجود طريق يربطها بطريق الأسفلت أدى لعزوف الناس عنها علاوة على تصميم المنازل ذات المساحات الصغيرة التي لا تناسب إنسان المنطقة الذي اعتاد على (الحيشان) الواسعة لتربية الأغنام، وعندما طلبت من سائق العربة أن ينحرف باتجاه الغرب لمشاهدة هذه القرية الأنموذجية، أخبرني بأنه لا يستطيع النزول من الأسفلت لوعورة وهشاشة التربة التي ربما ابتلعت العربة.
ثم سرنا على الأقدام..!
نزلنا ومرافقي علي، وقطعنا مسافة 3 كلم تقريباً، سيراً على الأقدام حتى بلغنا القرية، وكانت عبارة عن مساكن صغيرة الحجم، مشيَّدة بنظام الـ(3 دي بنل) مكونة من (الفلين) و(الاكسبندة) المغطاة بطبقة خفيفة من الأسمنت والرمل، وقد بدأت مبانيها في التصدع بفعل عوامل الزمن والمناخ، وأصبحت مجرد مباني مهجورة وسط الصحراء تحيط بها أشجار المسكيت، ولا أثر للحياة فيها، لفت نظري أن معظم هذه المنازل خالية من السكان رغم الأموال الطائلة التي صرفت في تشييدها، والتي كان من الأولى صرفها في إعادة تأهيل مشروع دلتا طوكر حتى يكتفي الناس من الغذاء، فكيف للناس أن يسكنوا في القرى الأنموذجية وهم يعانون من الجوع ؟.
ثم عدنا أدراجنا..!
عدنا أدراجنا حيث ينتظرنا الأخ صالح، صعدنا إلى العربة واستأنفنا مسيرنا تجاه طوكر، سلكنا الطريق الساحلي بمحازاة البحر الأحمر وسط غابات المسكيت الكثيفة، وبعد مسيرة ساعتين وصلنا قرية (اشت) البائسة التي تحيط بها مظاهر الفقر، وعند توقفنا لأخذ قسط من الراحة بأحد المقاهي المطلة على الطريق السفري، استرعى انتباهي وجود عدد من اللواري التجارية العاملة في نقل الفحم تتكدس خلف المقاهي، وعندما سألت أحد سائقي هذه اللواري عن سبب تكدسهم في هذه المنطقة ؟، أجابني بأنهم في انتظار قرار المحلية في السماح لهم باستئناف ترحيل الفحم المستخلص من أشجار المسكيت إلى الميناء لغرض تصديره إلى خارج السودان، وذكر أن هنالك قراراً كان قد صدر من المحلية بمنع تصدير الفحم، بعد أن قام الأهالى بجمع كميات كبيرة منه، وأكد لي بأن فتح باب تصدير الفحم قد يساهم في القضاء على المسكيت الذي أصبح من أهم المشكلات التي تواجه مشروع دلتا طوكر، ثم تساءل قائلاً : لماذا لا يتركون المواطنين يصطادون عصفورين بحجر، وذلك بقطع غابات المسكيت التي تمتص المياه غير الموجودة أصلاً وتحويلها إلى فحم وتصديره للخارج لجلب الدولار.. وفي ختام حديثه طلب مني أن أرفع صوتهم لجهات الاختصاص للنظر في قضيتهم بعين العناية والاعتبار وتعطيل القرار القاضي بمنع ترحيل الفحم من المنطقة التي تكدست بها ملايين الأطنان من الفحم، لماذا يمنعون تصدير الفحم ولمصلحة من يتم ذلك ؟.
وانتصبت بنايات المستعمر..!
عند نهاية طريق الأسفلت المتجه إلى طوكر، انتصبت مباني ذات طابع استعماري، ومع اقترابنا منها لم نجد سوى أطلال تروي تاريخ مشروع عظيم وتحمل هوية العراقة للمستعمر البريطاني.. توقفنا أمامها وأخبرني مرافقي بأن هذه الأطلال كانت تضم قسم وقاية النباتات والإرشاد الزراعي لمشروع دلتا طوكر الزراعي، وكان القسم يضم عدداً من المهندسين والمرشدين الزراعيين، بالإضافة لمخازن المبيدات ومدرج لطائرات الرش التي كانت تعمل على مدار الموسم الزراعي في عهد الإنجليز، الآن لم يتبق منها سوى هذه المباني الصامدة في وجه رياح الهبباي وبعض من روائح المبيدات الحشرية الملتصقة بالجدران .. يا إلهي .. لماذا دمرنا كل ما تركه لنا المستعمر من بنية تحتية ومشاريع عملاقة ؟، كان يفترض بنا المحافظة عليها على أقل تقدير إذا لم نقم بتطويرها.
وانصرفنا ما عرفنا كلنا يمشي وحيداً باكياً قلباً وجفناً..!
تركنا الأطلال خلفنا والحسرة تملأ قلوبنا قاصدين مدينة طوكر، وعلى مسافة ليست بعيدة من أطلال وقاية النباتات لاحت لنا مبانٍ ضخمة متعددة الطوابق، وعندما سألت مرافقي أخبرني بأنها مدينة طوكر الجديدة التي رفضها أهالي المدينة القديمة، وذكر أنها تتكون من مستشفى ضخم ومبانٍ فخمة لرئاسة محلية طوكر الجديدة وكلية زراعة تابعة لجامعة البحر الأحمر، وعن سبب رفض الأهالي لهذه المدينة الحديثة ؟ أجابني قائلاً : إن فكرة هذه المدينة الجديدة كانت بمثابة الطامة الكبرى التي وقعت على إنسان طوكر، فعندما تولى محمد طاهر أيلا مقاليد السلطة العام 2005، سعى لطرح عدد من مشاريع التنمية التي شملت جميع محليات الولاية، وكانت رؤية أيلا لتنمية المنطقة تتمثل في نقل مدينة طوكر من موقعها التاريخي إلى منطقة تبعد حوالى 17 كيلو متراً شمالاً، وإنشاء مدينة بديلة، إلا أن سكان طوكر القديمة رفضوا فكرة التهجير وقدموا عدداً من المبررات، أهمها بعد الموقع الجديد عن الأراضي الزراعية بدلتا طوكر، إذ يصعب عليهم الإشراف على نظافة الأراضي ومتابعة المحاصيل الزراعية والعناية بها، بالإضافة لعدم تقديم حكومة أيلا لتعويضات مجزية للمواطنين الذين سوف يتم تهجيرهم، ولكن الحكومة لم تبال برفض المواطنين فقط، بل شرعت في إنشاء المدينة الجديدة مما خلق حالة عداء بين حكومة أيلا ومواطني طوكر الذين يرى بعضهم أن حكومة أيلا عملت على عرقلة إنفاذ بعض المشروعات التنموية التي جاءت من خارج الولاية (صندوق إعمار الشرق وبنك التنمية الإسلامية)، حتى تجبرهم على مغادرة المنطقة. ويقول البعض الآخر: إن مدينة طوكر أصبحت مستهدفة من قبل حكومة أيلا، وأن انعدام الخدمات الأساسية في منطقتهم كان نتيجة عدم تنفيذهم لأوامر أيلا، الأمر الذي جعلها مصنفة بأنها معارضة.
وكانت المفاجأة..!
وكم كانت المفاجأة عندما وجدنا مبنى ضخم كتب عليه رئاسة محلية طوكر الجديدة ويقع جنوبه مبنى مستشفى طوكر الجديدة الذي يضاهي كبريات المستشفيات بالخرطوم، تحيط به أشجار المسكيت من كل الاتجاهات.. يا إلهي.. لماذا ينفقون كل هذه المليارات على مبانٍ في منطقة غير صالحة للسكن، ويشرب أهلها من الحفائر والآبار الملوثة ؟. لماذا لاينفقون كل هذه الأموال في إعادة تأهيل مشروع دلتا طوكر الذي سيسهم في درء الفقر عن ولاية البحر الأحمر، وسيعمل على حل مشكلة الغذاء في المنطقة، بل وجلب العملات الصعبة من فائض التصدير، والاستغناء عن منظمات الإغاثة بأجندتها المختلفة؟.
على طول الطريق من طوكر الجديدة وحتى طوكر القديمة، لاحظت انتشاراً كثيفاً لأشجار المسكيت التي لم تترك شبراً وإلا غزته، كما لاحظت بقايا شارع من الأسفلت في مدخل المدينة كان يربط طوكر بمدينة سواكن، وهو أول شارع أسفلت في السودان، إلا أن الأتربة دفنت أجزاء كبيرة منه واندثر بسبب الإهمال، وعند اقتراب وصولنا لبوابة المدينة اصطدمت عيناي بخيمة يكسوها الغبار، عبارة عن نقطة ارتكاز للشرطة على مدخل المدينة، فقلت لنفسي قد تكون تلك هي المنطقة العسكرية لطوكر وليست طوكر نفسها.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 4 = أدخل الكود