Untitled Document

تدمير الآثار..

عرض المادة



إذا ساقتك الخطوات إلى جبل البركل أو المكان المقدس، فإنك تشعر بالفخر بتاريخ أجدادك العظيم.. هنالك حيث معبد آمون وأسطورة سيزيس وابنها حوْرَص.. تتجلى الصور المنقوشة على جدران المعبد والملك ترهاقا يقدم ابنه لآمون.. تدهشك ملامح المدخل حيث الخراطيش الكبيرة التي كانت تحمي المواليد الجدد كما في قصة سيزيس.. ثم إذا ذهبت إلى الكرو سترقص طرباً على أنغام أجدادك (بعانخي، تانوت امني، شباكا، شبكتو...) وغيرهم من عظماء الحضارة الإنسانية التي دونها التاريخ قبل ما يقارب الثلاثة آلاف سنة.. زهوك هذا سرعان ما ينقلب إلى أسىً ودموع دون أن تشعر للإهمال الكبير لتلك الموروثات.. ستعض على أناملك من الغيظ على آثارنا التي سُرقت أو دُمِّرت.. وربما تجد من يقول إنّ الذين سرقوا آثارنا ستكون أكثر أماناً عندهم.. خنقتني العبرات عندما رأيت الحسرة في عيني السفير الماليزي حجي مصطفى وهو يتساءل لماذا لا يستفيد السودان من كل هذا الإرث؟؟ هي فقط جولة ربما تكون قصيرة، لكنها ملهمة لكثير من المعاني التي سأوردها هاهنا ومستقبلاً ليرى القاريء السوداني كم أن تاريخه عظيم وحضارته شكلت ملامح الحضارة الإنسانية في العالم.. وكيف أن حضارة كرمة هي أولى الحضارات في وادي النيل؟!
تحقيق: نصر الدين عبد القادر
الآثار في القرآن الكريم
الآثار في القرآن الكريم ورد ذكرها في مواضع كثيرة لأهميتها التي يعلمها الله سبحانه وتعالى لننظر إليها ونتفكر في حياة الأقدمين.. حيث يقول في كتابه العزيز: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا). وفي إشارة بينة ولفتة مُدهشة يحض فيها القرآن الكريم إلى النظر في آثار الذين سبقونا لنأخذ العبر والعظات ونستلهم منها الحكم. وفي لفتات أكثر إدهاشاً يحدثنا القرآن الكريم عن تاريخ وحضارات أمم خلت فجاء بقصة قوم هود وصالح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقصة الطوفان وإبراهيم ويوسف وموسى والأسباط وبني إسرائيل وكيف كانت حياتهم وعاداتهم.. وفي هذا دلالة واضحة على علم الآثار في القرآن الكريم، لكن بعض المسلمين يرى أن علم الآثار هو احتفاء بالأمم السابقة وفيه تمزيق للأمة. هذا الكلام يجافي نصوص القرآن الكريم البينة التي تحض على الاهتمام بآثار السابقين. يقول تعالى في الآية 12 من سورة يس: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).
تعريف علم الآثار بأنّه كل ما أنتجه الإنسان من تاريخه الحضاري.
ومن المُسلمين من يعرفه من منظور حضاري إسلامي متناولاً بأن ليس دين فقط، بل هو دين وحضارة، وهذا يتفق مع التعريف أعلاه.
نحن بصدد آثارنا وحضاراتنا السودانية التي سبقت كثيراً من الحضارات، وكيف دمرت.

آثارنا في العراء تطفو عليها النفايات..

بداية رحلتنا كانت من جبانة الكَرُو تضم ثلاثاً وثلاثين مدفناً منهم ملوك وملكات المملكة النوبية العظيمة قبل الميلاد. كان برفقتنا المرشد السياحي عثمان خلف الله الذي طوَّف بنا حول آفاق تاريخنا العظيم، بالرغم مما كان يبدو على المنطقة الأثرية من إهمال واضح بوجودها في العراء، إلاّ أنّ الواحد كان يشعر بالزهو والمرشد يحدثنا عن عظمة المكان، فيقول إن أساليب الدفن ظلت في تطور بتطور الحضارة النوبية التي تفننت في أساليب دفنها خاصة الملوك الذين ظلت بداية أعمالهم بعد التنصيب بصورة بروتوكولية هو تجهيز مدافنهم واختيار مواضعها، ثم تُبنى الغُرف مُزيّنة بالرسومات في حياة الملك الذي سيأخذ معه ثروته وأمتعته من الذهب والحلي استعداداً للحياة الأخرى كما في معتقدهم ذلك الحين. يمضي عثمان في سرده فيقول: تطور شكل الدفن من شكل دائري إلى حدوَة الحصان، ثم إلى شكل الهرم، وهنالك خمسة مدافن، اثنان منها بحالة جيدة منها مدفن الملك "تانوت امني ووالدته كلهاتا" شمال شرق الموقع.. ثم مقبرة الملك بعانخي والملك شباكا والملك شبكتو، إضافة إلى معبد (تانوت آمون 758ق.م)ـ ويضيف بأن هنالك مقبرة للخيول، ومقبرة للملكات بالجهة الشمالية وهنالك هرم كبير لا تزال الدراسات تُجرى حوله تقوم بها بعثة أمريكية برئاسة عالم الآثار جيف، إضافةً إلى كلية الآداب والدراسات الإنسانية قسم الآثار بجامعة دنقلا، وهي السنة الثالثة للبعثة بالدعم القطري. أما الكلية فتعمل بالأهرامات، وجيف يعمل في المعبد الذي قام باكتشافه وسور منطقة الكُرو.
مشاهد بالدموع..!
دمعت عيناي حسرةً وألماً عندما رأيت مقبرة أحد ملوك بلادي الذين ابتدروا معنى الحضارة حينما لم تكن هنالك حضارات، وأرسوا مكارم الأخلاق التي جاء نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم ليتممها.
إنه قبر الملك بعانخي الذي شَغل العالم بصولاته وجولاته وانتصارته العظيمة قبر حيث دكَ عرشه ودمرت الغرفة التي كان بداخلها، ونهبت الجثة ومقتنيات الملك وكنوزه ولم يتبقَ غير المسطبة التي كان يرقد عليها الملك قبل 2800 سنة تقريباً.
قبر هذا الملك العظيم أصبح قبلة للأوساخ والأكياس وكأن تاريخنا لا يعني لنا شيئاً، وكأنه جَاءَ من أرض غير هذه الأرض.. شَعرت بأننا لا نستحق شَرف الانتساب إلى حَضارته والتغني والمُفاخرة به كما فعل وردي وظللنا نردد من خلفه، ومثله بقية الملوك كل مدافنهم التي كانت بنيانا مرصوصا هُدمت لأجل عملية نهب وسرقة كنوزهم.. ضاعت الملامح وسيضيع معها مجد وتاريخ عظيم، رغم ذلك لم تزل الفرص مواتية لتدارك ما تبقى، وثمة مدفنان بصورة جيدة، وغرفتا الدفن بصورة جيدة منقوشة على جدرانهما بعض الرسومات التي توضح طبيعة الحياة في ذلك العهد، وهي غرفة تانوت آمون التي بداخلها المعبد وغرفة والدته كلهاتا.
ويحكي مرشدنا في تلك الرحلة خريج الآثار عثمان خلف الله قائلاً: وبعد أن آل الحكم إلى ملوك الأسرة (25) التي على رأسها ترهاقا وبقية الملوك أصبح هنالك مدافن جديدة بنوري.
عندما قام المرشد بذكر منطقة نوري، تذكّرت المُراسَلَة بين الزين ود حامد وست الدار بت أحمد بلسان حمّيد حيث يتحسّر وهو يردِّد:
"فِضْلَتْ في آثار..
ما خموها الجونا قبلكم..
شن خلولنا بلا حُجّار"
واللهْ بكيت يا ست الدار، ولم نك أشجع من الزين ود حامد ليكن بيدنا غير الدموع والقلم الذي نفرغ به آلامنا على صفحات الجرائد دون أن تخف سطوته بالدواخل.
الولاية تستكثر غرفة وحماماً لحراس الموقع..!
من المُخجل والمحزن معاً أن تستكثر حكومة الولاية الشمالية غرفة وحماماً للذين يحرسون الموقع الأثري العظيم بتكلفة لا تتجاوز نثرية سفر وزير من الولاية إلى العاصمة، حيث يحكي أحد المجاورين للمكان والمُهتمين بالآثار والتاريخ والحضارة السودانية بأنّ الذي يريد قضاء حاجته من السائحين إلاّ أن يطرق باب أحد المنازل المجاورة وقلما يكون ذلك.
ثم يضيف رئيس قسم الآثار بجامعة دنقلا الأستاذ محمد فتح الرحمن أحمد إدريس في إفادته التي أوردها بألم الغيور على الآثار والحضارة السودانية بأن موقع الكُرو يتبع للهيئة القومية للآثار والمتاحف، وهؤلاء الشباب المرشدون وحراس الموقع لهم ثلاث سنوات يحتاجون إلى غرفة ملحق بها حمام حتى يقوموا بعملية حماية الموقع ولا يوجد، وعندما يأتي زمان المهرجان تنصب لهم تلك الخيمة البعيدة وعندما يولي المهرجان دبره ليست هنالك حراسة للمكان. ويتساءل بكل أسى: ماذا ستكلف الولاية الشمالية غرفة وحمام لهؤلاء الشباب؟ وكانت إجابته حاضرة: هي لا تكلف الكثير لكنها تعمل الكثير.
ثم يمضي أستاذ الآثار مفذلكاً بداية التنقيب في الموقع ليتبيّن الإهمال الواضح لآثارنا حيث يقول: أول من قام بالتنقيب في هذا الموقع عالم الآثار الأمريكي رايزنر في العام 1919م، ولم يكن هنالك عمل لما يقارب المائة عام منذ العام 1919م، بعثة جامعة ويتشيجن الأمريكية لإعادة الحفريات، ثم عاد العمل في العام 2014م وأصبح هنالك تعاون مشترك بين الجامعة الأمريكية وجامعة دنقلا قسم الآثار للعمل في الموقع ضمن البعثات الممولة من المشاريع القطرية لتأهيل المواقع الأثرية في السودان، مضيفاً أن جامعة دنقلا تقدمت بمشروع لتأهيل الموقع وتسويره.
واستمر عملنا موسمي 2014 و2015م وتعثر في العام 2016م، لكن الآن عدنا لمباشرة العمل.
مجهود يُذكر فُيشكر..!
من المجهودات التي تستحق الشكر هو ما قامت البعثة من نظافة لكل المقابر والمدافن الموجودة وعملت لها بعض الحماية، والآن البعثة تعمل في إزالة "الرديم والأكوام" التي أخرجها رايزنر عندما عمل في الموقع 1919م كما ذكر الأستاذ محمد.
ويضيف: الآن المقابر بشكلها الحالي أصبحت مقبولة على أقل تقدير. ومن ضمن أهداف المشروع عمل تسوير كامل للموقع وحمايته وتوعية الجمهور وسكان المنطقة حول الموقع بأهميته وكيفية التعامل معه، وكيف يصبح هذا الموقع جاذبا وسياحيا ويدر للناس الخير ويُستفاد منه ومن إمكانياته الموجودة. ومن ضمن الأهداف أيضاً إنشاء مركز معلومات بالنسبة للسائح عندما يأتي ومن أين يبدأ بمسارات واضحة ومعلومات للموقع نفسه قبل الوصول إليه وبناء غرفة لتأمين الموقع وحمامات وهنالك مقترح لكافتيريا هذه أهداف المشروع، لكن أن تتم أو لا فالعلم عند الله. نتمنى أن تتم وعندما تأتي المرة القادمة ستجد الموقع مسورا ونظيفا ويستقبل مجموعة من السواح الأجانب والمحليين.
من داخل غرفة الملك تانوت آمون..!
ثم دخلنا غرفة الملك تانوت آمون حيث المعبد الذي تدل النقوشات التي على جدرانه على تدين الملوك النوبيين، وبحثهم عن حقيقة الوجود. شعور متداخل الفكرة، وسؤال ألح في تلك اللحظة والزهو يغمرنا.. هل هؤلاء هم أجدادنا وهذه حضارتنا؟ الصور ربما تكون في بعض الأحيان أكثر بلاغةً، لكن ذلك الشعور لا يصيب إلاّ من دخل ذلك المكان كفاحاً.
هذا جزء أول من حكاية حضارة مُهملة.. وآثار لا نستحق أن نملكها ونعجز حتى عن بناء غرفة وحمام.
في الجزء الثاني سنقرأ معاً جبل البركل حيث التاريخ المُهمل.. والمعابد والغارات التي شنها فراعنة مصر عليه ولا تزال آثار الحريق الذي أشعله الملك الفرعوني باسمتيك الثاني في حملة تدميره للمعابد قبل الميلاد.
في الجزء القادم نرى مَن المسؤول عن تدمير آثارنا؟؟

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية