Untitled Document

لعنةُ الموارد: دورُ النفط في انفصال جنوب السودان 2 - 3

عرض المادة
لعنةُ الموارد: دورُ النفط في انفصال جنوب السودان 2 - 3
33 زائر
05-01-2017
د. سلمان محمد أحمد سلمان



1
تعرّضنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات عن "لعنة الموارد" لدور النفط الذي تمَّ اكتشافه في السودان عام 1978، إبان فترة حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري، في اقتصاد ومستقبل السودان. وأوضحنا أن اكتشاف النفط في جنوب السودان قد أدّى، مع عوامل أخرى، إلى ميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان، وبدء الحرب الأهلية الثانية عام 1983.
كما أوضحنا أيضاً بروز، والازدياد المتواصل لديون السودان الخارجية بسبب استخدام النفط، منذ سنوات حكم نميري، ثم بواسطة حكومة الإنقاذ، كضمانة لتلك الديون الخارجية. وقد أشرنا إلى أن هذه الديون، والتي بلغت تسعة مليار دولار عند نهاية حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1985، ثم وصلت ثلاثة عشر مليار عند استلام الإنقاذ للسلطة إثر انقلاب 30 يونيو عام 1989، تقترب الآن بسرعة من خمسين مليار دولار. ويشمل هذا المبلغ حوالي المليارين وربع المليار دولار هي ديون السودان الواجبة السداد لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
سوف ننتقل في هذا المقال والمقال القادم لمناقشة الدور الكبير الذي لعبه النفط في مفاوضات نيفاشا بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان في الفترة من عام 2002 وحتى عام 2005، وخلال الفترة الانتقالية، وكيف أدّى النفط إلى انفصال جنوب السودان عام 2011.
2
شهد عام 1999 أحداثاً جِسام ومتفاوتة في السودان وعن السودان، شملت الحزب الحاكم في الخرطوم، وأحزاب المعارضة المنضوية تحت مظلّة التجمع الوطني الديمقراطي، وكذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان.
فقد انشقّت الحركة الإسلامية الحاكمة إلى حزبين – المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي – يناصب إخوة الدين والأمس فيهما العداء والخصومة لبعضها البعض. وانهارت في ذلك العام اتفاقية السلام من الداخل (اتفاقية الخرطوم) التي وقّعتها حكومة الإنقاذ عام 1997 مع الحركات الجنوبية المنشقّة عن الحركة الشعبية، وغادر مساعد رئيس الجمهورية الدكتور رياك مشار الخرطوم، وعاد إلى جنوب السودان منضمّاً إلى قواته التي لم يكن قد تم استيعابها في الجيش السوداني بعد. وكانت حكومة الإنقاذ قد استثمرت الكثير من الجهد والمال والإعلام والوقت في اتفاقية الخرطوم.
من الجانب الآخر غادر حزب الأمة التجمع الوطني الديمقراطي بعد توقيع الحزب اتفاق جيبوتي مع حكومة الإنقاذ في نوفمبر عام 1999. ثم انشقّ حزب الأمة نفسه بين أبناء العمومة - من واصل الوفاق والتصالح مع الإنقاذ وأصبح جزءاً من حكومتها، ومن قرّر البقاء في منطقة الشفق، أو المنزلة بين المنزلتين.
وبرزت بوادر خلافٍ بين الحركة الشعبية الأم والتجمع الوطني الديمقراطي بسبب المبادرة الليبية المصرية التي قبلها التجمع بينما تحفّظت عليها الحركة الشعبية. فالمبادرة الليبية المصرية كانت ستعطي التجمع مقعداً على طاولة التفاوض، على عكس مبادرة الإيقاد التي حرمت التجمع من ذلك الدور. من الجانب الآخر فقد هدّدت المبادرة الليبية المصرية بنسف مبدأ حق تقرير المصير الذي كانت الحركة الشعبية قد انتزعته من جميع أحزاب الساحة السودانية، ومثّل انتزاع ذلك الحق قمّةَ الانتصارات للحركة الشعبية. وقد خلتْ المبادرة الليبية المصرية من أيّة إشارة إلى حق تقرير المصير، وانبنتْ على قيام مؤتمرٍ جامع للأحزاب والمنظمات السودانية لمناقشة قضايا السودان. ومن هنا جاء تحفّظ الحركة الشعبية على المبادرة الليبية المصرية، وقبول التجمع لها.
وكانت حكومة الإنقاذ قد نجحت في شهر أغسطس من عام 1999 في البدء في تصدير النفط الذي كان اكتشافه قد تمّ عام 1978 إبان سنوات نميري في الحكم. غير أن الحركة الشعبية كانت قد نجحت في وقف العمليات في مناطق استخراج النفط، وأجبرت شركة شيفرون الأمريكية على مغادرة السودان في شهر فبراير عام 1984، بعد أشهر قليلة من قيام الحركة الشعبية.
ويجادل البعض أن اكتشاف النفط والبدء في تصديره عام 1999 كان أحد الأسباب لانشقاق الحركة الإسلامية الحاكمة، وأيضاً إلى انهيار مشروع السلام من الداخل.
3
بعد مفاوضاتٍ مكثّفة مع حكومة الإنقاذ وافقت شركة شيفرون في منتصف التسعينيات على التخلّي عن امتيازها في مواقع النفط في جنوب السودان. وبدأت الشركات الصينية والماليزية والكندية والسويدية والهندية العمل في هذه المواقع، وإنتاج وتصدير كمياتٍ محدودة من النفط، لكنها متزايدة، في أغسطس عام 1999. وقد مثّل بدءُ تصدير النفط في السودان نقطةَ تحوّلٍ كبيرة في المفاوضات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان.
4
بات واضحاً أن حكومة الإنقاذ كانت على أتمّ العلم بصعوبة المسائل الأمنية لحقول النفط في الجنوب. وكانت الحكومة تتوقّع أن تقوم الحركة الشعبية بالهجوم على هذه المواقع مثلما فعلت بنجاح عام 1984، وتنسف أحلامها التي بنتها على إنتاج وتصدير النفط من جنوب السودان. ولا بُدَّ أن حكومة الإنقاذ كانت قد وصلت إلى قناعةٍ أن حماية آبار النفط، وزيادة الإنتاج، تحتاج إلى السلام، وليس إلى جيوشٍ وأسلحةٍ إضافية.
ومن المؤكّد أيضاً أن تلك الوصفة، ومعها الكثير من الضغوط، أتتْ من شركات النفط العاملة وقتها في جنوب السودان. فقد كانت تلك الشركات على درايةٍ تامة بتجربة شركة شيفرون الأمريكية وما صرفته من مالٍ وجهد في نفط جنوب السودان قبل أن تُرغِمها الحركة الشعبية على مغادرة جنوب السودان عام 1984، تاركةً وراءها كلَّ استثمارتها الضخمة في نفط جنوب السودان.
ويبدو أيضاً أن الحكومة كانت تتوقّع أن يفتح السلامُ البابَ على مصراعيه للشركات الغربية – خصوصاً الشركات الأمريكية – بتقانتها المتقدّمة وإمكانياتها المالية الواسعة، للاستثمار في نفط جنوب السودان، خصوصاً وأن الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا قد دخلتا حلبة الوسطاء في النزاع السوداني في عام 2000، إثر التوقيع على اتفاقٍ بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية يخصُّ منطقة جبال النوبة، رعته هاتان الدولتان. عليه فقد رأت الحكومة السودانية ضرورة العودة لطاولة التفاوض على أمل الوصول لاتفاقٍ مع الحركة الشعبية يحمي انتصارها الاقتصادي والسياسي الكبير المتمثّل في استخراج وتصدير النفط، ويساهم في زيادة ذلك الإنتاح.
5
من الجانب الآخر كانت الحركة الشعبية على أتمّ العلم بالتطورات في مسألة النفط. وكانت الحركة ترى في العودة لطاولة التفاوض بارقةَ أملٍ في الوصول لاتفاق سلامٍ يضمن قسمة عادلة لعائدات نفط الجنوب بين الشمال والجنوب، ويقلّل فرصَ الخرطوم في استخدام عائدات النفط لتسليح جيوشها ومليشياتها ودفاعها الشعبي للحرب في الجنوب، ويعطي جنوبَ السودان قدراً من الموارد المالية لإعادة بناء بنيته التحتية.
عليه فقد أصبح النفط، والذي كان سبباً رئيساً لإعادة اندلاع الحرب الأهلية عام 1983، عاملاً فاعلاً وحافزاً قوياً عام 2002 لعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، ولدفع المفاوضات تجاه الاتفاق والسلام.
6
بدأت اللقاءات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان تحت رعاية الإيقاد في نيروبي في كينيا في منتصف مايو عام 2002، ثم انتقلت إلى ناكورو في الأسبوع الأخير من شهر مايو من ذاك العام، ثم إلى مشاكوس في شهر يونيو عام 2002.
كانت تلك هي حلقة التفاوض الثالثة بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية التي رعتها منظمة الإيقاد. فقد بدأت الحلقة الأولى في مارس عام 1994 وانتهت بعد أربع جولاتٍ في سبتمبر عام 1994، بعد أن صدرت مبادئ الإيقاد التي تضمّنت حق تقرير المصير لجنوب السودان. وقد رفضت حكومة الإنقاذ مبادئ الإيقاد، وانتهت بذلك الحلقة الأولى من حلقات التفاوض.
ثم دارت الحلقة الثانية عام 1997، وانتهت بعد أربع جولاتٍ أخرى بلا نتائج عام 1999. وبدأت الحلقة الثالثة من مفاوضات الإيقاد في شهر مايو عام 2002.
تحوّلت تلك اللقاءات إلى مفاوضاتٍ رسمية بعد أن انتقلت السكرتارية وأطراف التفاوض جميعاً إلى منتجع مشاكوس في 17 يونيو عام 2002، بعيداً عن أضواء نيروبي ومؤسساتها الدولية وإعلامها ودبلوماسييها الأجانب وصحافييها المتعطشين للأخبار. وشارك في المفاوضات شركاءُ الإيقاد ممثلين بمجموعة الثلاثة أو الترويكا (النرويج والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا)، مع عددٍ كبيرٍ من الفنيين والقانونيين من عدّة دول من بينها جنوب أفريقيا وسويسرا.
وتم في 20 يوليو عام 2002 التوقيع على بروتوكول مشاكوس الذي وافقت بمقتضاه حكومة الإنقاذ على منح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير في استفتاءٍ شعبي يتم عقده بعد ستِّ سنواتٍ من الفترة الانتقالية. وشمل البروتوكول خياري شعب جنوب السودان - الوحدة والانفصال.
وكما ذكرنا أعلاه فقد ساهمت عوامل كثيرة، من بينها النفط، في الوصول لبروتوكول مشاكوس.
7
كانت التوقّعات بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس في 20 يوليو عام 2002، وحسم معضلتي تقرير المصير والدين والدولة، أن لا تأخذ القضايا المتبقّية وقتاً طويلاً أو جهداً كبيراً. فقد كانت هاتان القضيتان هما محور التفاوض في جولات مفاوضات الإيقاد الثمانية الأولى، خلال حلقتي التفاوض الأولى والثانية، في الأعوام 1994 – 1999. لكن برزت مجموعة من القضايا الخلافية بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس، وتراكمت فوق بعضها البعض لتبني طوقاً ضخماً من التعقيدات في طريق التفاوض، ولتخلق حالةً كبيرة من الإحباط وسط فريق الوساطة.
أولى تلك القضايا هي منطقتا النيل الأزرق وجنوب كردفان. كان هناك إحساسٌ مفعمٌ بالمرارة والغضب بين قادة هاتين الولايتين أن الحركة الشعبية قد باعت قضيتهم مقابل تقرير المصير لجنوب السودان، لأن بروتوكول مشاكوس لم يشمل كلمةً واحدة عن هاتين المنطقتين.
وكانت هناك أيضاً مشكلة أبيي. فقد خلق تضمين قضية المنطقة في اتفاقية أديس أبابا عام 1972 بين العقيد جعفر نميري والسيد جوزيف لاقو قناعةً بأن حلَّ الاستفتاء بموجب تلك الاتفاقية يمثل الحدَّ الأدنى الذي يجب أن لا تتنازل عنه الحركة الشعبية. من الجانب الآخر، كانت الحكومة مصرّةً على قدسيّة حدود عام 1956 بين الشمال والجنوب، وأن أيّة مناطق تقع شمال هذه الحدود هي خارج أجندة التفاوض لأنها مناطق شمالية.
كانت هناك أيضاً مسألة قوات الجيش الشعبي التي كانت الحركة مصرّةً على بقائها وحدةً قائمةً بذاتها، ومنفصلةً عن الجيش الحكومي خلال الفترة الانتقالية، ولها حق التسليح، وهو ما لم تكن الحكومة موافقةً عليه.
كانت هناك قضايا اقتسام السلطة، بما في ذلك الصلاحيات التي ستؤول لحكومة الجنوب، والوظائف السياسية في الحكومة المركزية التي ستُمنح لقيادات الحركة.
وقد زادت مسألةُ اقتسام الثروة، خاصةً تخصيص عائدات النفط بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية خلال الفترة الانتقالية، ومطلب الحركة الشعبية إصدار عملة جديدة، والعودة إلى الجنيه السوداني بدلاً عن الدينار الذي أدخلته حكومة الإنقاذ، وأبرزته كعملةٍ إسلامية، من هذه التعقيدات والتشابكات. وكان النفط حتى تلك الأسابيع من التفاوض هو الكرت الخفي، والضمير المستتر لطرفي التفاوض.
8
كثّف الوسطاء من جهودهم. وأخيراً تمّ، نتيجة تلك الجهود، التوقيع في نيفاشا في 25 سبتمبر عام 2003 على اتفاق الترتيبات الأمنية. وأصبح ذلك الاتفاق هو الثاني في سلسلة الاتفاقيات بين الطرفين، والتي شكّلت فيما بعد اتفاقية السلام الشامل.
أزال اتفاق الترتيبات الأمنية الكثير من العقبات والخلافات في وجه التقدّم في التفاوض. عليه فقد تواصل التفاوض بعد التوقيع على الاتفاق بصورةٍ أكثر سرعةٍ من ذي قبل. وفي 4 يناير عام 2004، أي بعد حوالي الأربعة أشهر من اتفاق الترتيبات الأمنية، تمّ التوقيع على اتفاق اقتسام الثروة. وكان هذا الاتفاق الثالث اختراقاً آخر وإنجازاً كبيراً للوسطاء.
9
تضمّن الجزء الأول من الاتفاق مبادئ موجّهة بشأن اقتسام الثروة بين الحكومة المركزية وحكومة الجنوب وأقاليم السودان الأخرى. وشمل الاتفاق مواد مفصّلة عن الأراضي والموارد الطبيعية، وخاصةً النفط. أوضحت هذه المواد أن المجتمعات المحلية التي تُباشَرُ في أراضيها تنمية الموارد الطبيعية من باطن الأرض لها الحق في المشاركة من خلال الولاية /الإقليم في مفاوضات التعاقد على استغلال تلك الموارد، وأن الأشخاص الذين يتمتّعون بحقوق ملكية في أرض لهم الحق في التعويض العادل في حال استيلاء الحكومة على الأرض، أو تنميتها لاستخراج الموارد الطبيعية من باطن الأرض.
وتضمّن الاتفاق إنشاء مفوضية الأراضي القومية، ومفوضية أراضي جنوب السودان، والمفوضية القومية للبترول، ومفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات العامة، والصندوق القومي للإعمار والتنمية، وصندوق الإعمار والتنمية لجنوب السودان.
10
وأشار الاتفاق إلى أن يقوم برئاسة المفوضية القومية للبترول رئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب. وتضم المفوضية أربعة أعضاء من الحكومة المركزية وأربعة أعضاء من الجنوب، وأعضاء غير دائمين بما لا يتجاوز ثلاثة أشخاص يمثّلون الولاية/ الإقليم المنتج للبترول الذي تجري تنميته. وتشمل مهام المفوضية إعداد السياسات العامة والموجّهات المتعلّقة بتنمية وإدارة قطاع البترول، والتفاوض لإبرام كل عقود استكشاف وتنمية البترول في السودان، والتأكّد من توافقها مع مبادئ وسياسات المفوضية ومبادئها الموجِّهة.
وأشار الاتفاق إلى أنه بالنسبة لعقود البترول التي تمّ التوقيع عليها بواسطة حكومة الإنقاذ فإن هذه العقود لا تخضع لإعادة التفاوض. وإذا رُؤي أن العقود تشتمل على ما يتسبّب في مضار بيئية واجتماعية أساسية، تتخذ حكومة السودان الإجراءات العلاجية اللازمة تجاه تلك المضار.
واتفق الطرفان على أن تعيِّن الحركةُ الشعبية عدداً محدوداً من الممثلين لبحث كل عقود البترول الراهنة، وللممثلين الحق في الاستعانة بخبراء فنيين. ويُوقّع كل أولئك الذين يحقّ لهم الاطلاع على العقود اتفاقاتٍ بالتزام السرّية، وعدم الإفصاح إطلاقاً بمضمون تلك العقود.
11
أوضح الاتفاق أن صافي الدخل من البترول الذي يتمُّ إنتاجه في جنوب السودان تتمُّ قسمته مناصفةً بين الحكومة المركزية وحكومة جنوب السودان، بعد خصم 2% لحساب تثبيت إيرادات البترول، و2% للولاية المنتجة للبترول.
كانت الحركة الشعبية قد طالبت عند بدء المفاوضات بـ 90% من صافي دخل بترول جنوب السودان، ثم عادت وخفّضت ذلك الرقم إلى 70%. وقد رفض الوفد الحكومي هذه الأرقام، مشيراً إلى التكلفة العالية التي تكبّدتها الحكومة لاستخراج البترول وبناء خط الأنابيب والمصفاة والبنية التحتية لتصدير البترول عبر ميناء بورتسودان.
وكانت المفاوضات قد تعسَّرت في هذه المسألة، وأوشكت أن تعصف بالمفاوضات نفسها. لكن بعد تدخُّل الخبراء من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وعرضهم لاتفاقاتٍ مشابهة في دول أخرى، وافق الطرفان على قسمة صافي الدخل من بترول جنوب السودان مناصفةً بينهما، بعد خصومات 2% لصالح لحساب تثبيت إيرادات البترول، و2% للولاية المنتجة للبترول.
12
تجدر الإشارة هنا إلى أن اتفاقية الخرطوم للسلام التي وقّعتها حكومة الإنقاذ مع الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية في 21 أبريل عام 1997 كانت قد وزّعت عائدات النفط كالآتي: 25% النسبة الاتحادية، 35% نسبة التنسيق، و40% نسبة الولاية. ويبدو أن الوفدين لم يكونا متحمسين لأن تؤول 40% من عائدات النفط للولاية المنتجة للنفط.
وقد اتفق الطرفان فيما بعد على قسمةٍ شبيهةٍ باتفاق اقتسام الثروة للنفط في منطقة أبيي. فقد نصّ بروتوكول حسم النزاع في منطقة أبيي على تقسيم صافي عائدات البترول من أبيي خلال الفترة الانتقالية إلى ستة أقسامٍ كالآتي: الحكومة القومية 50%، حكومة جنوب السودان 42%، ولاية بحر الغزال 2%، ولاية غرب كردفان 2%، ودينكا نقوك 2%، والمسيرية 2%. وقد حسم قرار محكمة التحكيم الدولية مسألة حدود أبيي، وأوضح مواقع النفط التي تقع داخل المنطقة.
13
يُلاحظ أن الحركة الشعبية قد سارت على درب حكومة الإنقاذ فيما يتعلّق بسرّية عقود النفط. فقد وافقت الحركة على مطلب حكومة الإنقاذ أن يوقّع كلُ أولئك الذين يحقّ لهم الاطلاع على العقود، من مفاوضيها، على اتفاقاتٍ بالتزام السرّية. وقد أدهش ذلك النص الكثير من أصدقاء وحلفاء الحركة الشعبية الذين كانوا يتوقّعون قدراً كبيراً من الشفافية والمساءلة فيما يتعلّق بعقود وعائدات النفط، ومصادرها والبنود التي تمّ ويتمّ صرف العائدات عليها.
وقد نتج عن عدم الشفافية النقاش الذي دار وما يزال دائراً حول العائد الحقيقي للسودان من مبيعات النفط خلال الفترة من أغسطس عام 1999، وحتى انفصال جنوب السودان في يوليو عام 2011، وأين ذهب كل ذلك العائد.
14
تلى التوقيع على بروتوكول اقتسام الثروة الاتفاق والتوقيع على ثلاث اتفاقيات أخرى في يوم 26 مايو عام 2004، أي بعد أربعة أشهرٍ من اتفاق تقاسم الثروة. كانت الاتفاقية الأولى عن اقتسام السلطة، والثانية عن ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، والثالثة عن النزاع في منطقة أبيي.
أكمل الطرفان في 31 ديسمبر عام 2004 الاتفاق على تفاصيل تنفيذ البروتوكولات الستة في ملحقين. شمل الملحق الأول تفاصيل دقيقة تختصُّ بتنفيذ الترتيبات الأمنية ووقف إطلاق النار. وشمل الملحق الثاني تفاصيل تنفيذ بقية البروتوكولات الخمسة الأخرى. وتمّ إضافة الملحقين إلى البروتوكولات الستة لتكوّن جميعها اتفاقية السلام الشامل. وتم التوقيع على الاتفاقية، والتي أصبح اسمها اتفاقية نيفاشا أيضاً، في التاسع من يناير عام 2005 في مدينة نيروبي في كينيا.
15
أغضبت المناصفة بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لعائدات نفط جنوب السودان الكثير من أبناء الجنوب. فقد رأوا فيها ظلماً كبيراً لجنوب السودان الذي يحتاج في رأيهم إلى الكثير من العون ليعيد بناء مدارسه ومستشفياته وقراه التي دمرتها الحرب.
وقد كانت هذه القسمة لصافي بترول جنوب السودان حافزاً للانفصال، وساهمت مع أسباب أخرى، على التصويت بما يشبه الإجماع للانفصال في التاسع من يناير عام 2011، فالانفصال سيعطي جنوب السودان كل صافي الدخل من البترول المنتج هناك، كما سنناقش في المقال القادم والأخير من هذه السلسلة من المقالات عن لعنة الموارد.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 1 = أدخل الكود