Untitled Document

سياسة الغابة

عرض المادة
سياسة الغابة
178 زائر
07-01-2017
اسماء محمد جمعة


عندما بدأت الحركات المُسلّحة حربها ضد الحكومة بقيادة من انشقوا منها، قلّلت من شأنها واعتبرتها مجرد عصابات ومجموعات مُتفلتة، وحين اعترفت بأنّ الأمر أكبر من ذلك كان الأوان قد فات لتبدأ رحلة شاقة مع الحركات لم تنتهِ حتى اليوم، وحين يحدث صراع قبلي أو أي حادث راح فيه ضحايا وجرحى، تُحاول أن تُقلِّل من شأنه قدر الإمكان وتصر على إقناع المُواطن بأن الوضع تحت السيطرة، هكذا تفعل مع كل الإحداث مهما كانت صغيرة أو كبيرة معيارها واحد لا تقول الحقيقية أبداً، ولكن دائماً ما تجني على نفسها من ذلك التصرف، فكثيراً ما استغتله الحركات وأحرزت فيها أهدافاً لتصبح هي دائماً في حالة تسلل ومُخالفات تنال بها الكروت الصفراء والحمراء، الغريبة لم تتب أو تتّعظ، فما زال سُلوكها هذا لا يتغيّر أبداً رغم أنها لا تحتاجه ويضرها أكثر مما ينفعها.
يوم الثلاثاء الماضي وقع حدثٌ في زالنجى، قالت الحكومة إن هناك جندياً قتل وألقيت جثته بالقرب من أحد الأحياء مما تسبب في احداث دامية وقع فيها عدد من القتلى والجرحي، واعتبرته (بوليس كيس)، ولأنّ الحكومة لم تشرح الحقيقة بصراحة، انبرت وسائل التواصل الاجتماعي تصف الحدث من خلال روايات متعددة وأعطته صورة أكثر بشاعة، وانتشرت بيانات الإدانة من الأحزاب والحركات والأفراد، أحد المسؤولين في زالنجى قال لي، نعترف إن المعارضة كانت أذكى منّا واستغلت الموقف ببراعة لصالحها مُشوِّهةً سُمعة الحكومة (الما ناقصة).
يوم الخميس تكرّر نفس السيناريو في الجنينة مع اختلاف السبب، فقد كان حادث سرقة عادي انتهى أيضاً بأحداث دامية وقع فيها عدد من القتلى والجرحى، وقامت وسائل التواصل الاجتماعي بالواجب وزيادة، وصلت الحكاية للناس بعدد من الروايات أيضاً.. الحادثتان جعلتا الحركات المسلحة تصورها مجزرة بشرية لملشيات النظام وسيّرت مسيرات إدانة في كل العواصم التي تتواجد بها في العالم.
لا شك أنّ ما حدث في نيرتتي والجنينة مجزرة بشرية، رغم أن الأسباب عادية جداً وتتكرّر في داخل الخرطوم بنفس التفاصيل، ولكن لأنّ المواطن هنا لديه إحساس إلى حد ما بالدولة وما زالت للقانون سطوة وإن كانت تنهار خلف الكواليس، ولكن لا يلجأ المواطن الى أخذ حقه بيده، لأنّه يعرف كيف يجاري القانون إلى أن تنتصر العدالة، أما في دارفور فالإحساس بالدولة معدومٌ تماماً وتغيب سطوة القانون جهراً وإن لم تأخذ حقك فوراً لن تجده، ولذلك كل ينتصر لنفسه بنفسه فأصبحت دارفور غابةً بمعنى الكلمة.
لا أدري لماذا تعتقد الحكومة دائماً أنها يجب أن تبرر لكل ما يحدث في دارفور بأنه حدث صدر من مُتفلتين ومُعتادي إجرام وعصابات وإن المواطن يجب أن يصدق ما تقول مع أنه ليس هناك سبب يجعله يفعل، فهو يعيش في غابة يَختلط فيها الحق بالباطل.
يجب أن تعلم الحكومة أنّ الثقة بين المُواطن وحكومته مطلوبة والصراحة مطلوبة ليس لسبب سوى أن هذه هي شروط الحكومة الراشدة والعادلة التي لا تفتح باب الشك أمام مواطنها وتؤكد أن للدولة هيبة وللقانون وجوداً وللحق سطوة وللمواطن الحق في أن يُنصف ظالما كان أو مظلوماً، ولكن لأنها حكومة غير طبيعية وتحمل الكثير من العُقد فهي تُبرِّر لكل حدث بنفس الطريقة إن مات فيه فرد واحد أو مائة، ولن ترتاح دارفور ما دام السودان كله يحكم بسياسة الغابة.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
برنامج وهمي - اسماء محمد جمعة
السودان بلا مصانع - اسماء محمد جمعة
اعتذارهم ما بفيدنا - اسماء محمد جمعة
إعداد مجرمين - اسماء محمد جمعة
مافي أمان - اسماء محمد جمعة
أصول لعبة المصالح
ياسين حسن بشبر
كلام الكاميرا