Untitled Document

الاستراحة

عرض المادة

تحقيق: أسماء ميكائيل اسطنبول

في أحد شوارع حي النزهة (العشش) سابقاً، بمنطقة الخرطوم، لفت انتباهي لافتة كبيرة علقت على أحد المباني وكتب عليها بالخط العريض (استراحة)..فعندما قرأت كلمة (استراحة) استعجبت لهذا الاسم.. وجال بخاطري كم من الأسئلة، ماذا تعني كلمة استراحة في هذا المنزل ؟ وما المقصود بها؟ هل يقصد بها لكوندة أم داخلية، وأطلق عليها اسم استراحة؟ فانتبهت إلى أعلى اللافتة فوجدت كتب بجوار كلمة (استراحة) الجمعية السودانية لأصدقاء أطفال مرضى السرطان، فسألت نفسي ما هي علاقة كلمة (استراحة) بأطفال مرضى السرطان؟ هل تعني راحتهم واستجمامهم أم ماذا ؟ ولكن لم أجد إجابة، فقادني الفضول إلى دخول هذه الاستراحة ومعرفة مابداخلها.

رسوم أطفال وتلفاز

وبالفعل عندما تقدمت نحو الباب وجدته شبه مفتوح وعلى جهة اليسار من داخل المبنى توجد عريشة مشيَّدة من الزنك الليبي وبابها فاتح من أجل مشاهدة كل من يدخل إلى الاستراحة، فطرقت بكلتا يدَيْ (صفقت) وقلت: سلام، فرد من كان بداخل العريشة وكان شاباً، قائلاً: تفضلي، حيث وجدت أكثر من سرير، فسألته: هل هذا لاستقبال؟ قال: لا، تفضلي نحو الداخل، وأشار نحو الباب، علق على حائط المبني ورق بوستر وبه بعض الرسومات والكتابة بخط صغير تدل على أنها كتابة أطفال، (تبدو جريدة حائطية) ورسوم على جدران الحائط، رسومات أطفال "ميكي وبطوط وتوم أند جري"، فكنت أنظر إلى هذه الأشياء وأنا في دهشة، حتى هذه اللحظة لم أفهم ما علاقة كلمة (استراحة) وأصدقاء أطفال مرضى السرطان والرسومات هذه، هل هي مدرسة أم رياض أطفال لمرضى أطفال السرطان؟ فعندما توغلت نحو الداخل شاهدت صالة مساحتها متوسطة وضعت عليها أكثر من ستة كراسي بلاستيك ويجلس عليها عدد من الأطفال ومنهمكين في مشاهدة شيء ما، على ما يبدو لي مسلسل أطفال من خلال سماعي للصوت، وعندما دخلت ألقيت عليهم التحية البعض رد والبعض منهمك، فالتفت خلفي وجدت شاشة تلفاز كبيرة علقت على الحائط، والكل منتبه لمسلسل الأطفال، فسألت أكبرهم أريد مقابلة شخص كبير، رد آخر: الأستاذة هنا، وقبل أن يكمل حديثه وكان يشير نحو غرفة خرجت منها آمنة، وهي إحدى المشرفات، ألقيت عليها التحية وعرَّفتها بشخصي، وقلت لها: لقد شد انتباهي اللافتة الموجودة في الخارج وكتبت عليها كلمة (استراحة) وأطفال مرضى السرطان، فأحببت أعرف ماذا يوجد داخل هذه الاستراحة، قالت: تفضلي، قادتني نحو مكتب تعرفت على المدير المالي، الأستاذة ندى، وأستأذنت لانعقاد اجتماع طارئ.

أي شيء وكل شيء

ثم قادتني المشرفة آمنة، نحو غرفة كان بداخلها ثلاثة سراير ودولاب صغير، في أثناء انتظاري حضرت إحدى المشرفات، وهي شهر زاد، وجهت لها أكثر من سؤال، قالت: سوف تجاوب لك المديرة على كل الأسئلة، ونحن مشرفات متطوعات، فسألتها على ماذا؟ قالت: على كل الأطفال، قلت: ماهو عملكم بالضبط؟ قالت: نقوم بعمل أي شيء وكل شيء من أجل راحة هؤلاء الأطفال من نظافة ورعاية وإحضار ما يلزمهم. فنحن هنا تحت أمر هؤلاء الأطفال، وبعد فترة من الزمن ودردشة طويلة جاءت المديرة العامة الأستاذة سهام عثمان، وكانت مبتسمة الوجه، قالت معتذرة عن التأخير: كنا في اجتماع، قلت لها: لقد قادتني الصدفة نحو هذا الشارع فوجدت كلمة (استراحة)، ردت قائلة: هذه الاستراحة خصيصة لأطفال مرضى السرطان وذويهم الذين يأتون من الولايات وليس لديهم أهل، غير أن ظروف المرض تحتاج لمكوث المريض فترة طويلة من الزمن، وفي هذا الزمن من الصعب أن تجد ناس يتحملون مريضاً لفترة خمس سنوات، غير أن هنالك مفهوم خاطيء لدى بعض الأسر بأن هذا المرض معدٍ، وهو غير ذلك، فكان الحل الوحيد ومن أجل مواصلة الطفل لعلاجه أن تكون هنالك حلولاً، فجاءت المبادرة من منظمة "تراحم" الطوعية التي تأسست عام 2004م، والتي انبثقت منها جمعية "تداعي"، وهي مختصة في أطفال أمراض السرطان، والفكرة جاءت من الحديث الشريف (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى). فكلمة "تراحم" اسم المنظمة و"تداعي" اسم جمعية أطفال مرضى السرطان، من أجل تقديم المساعدة لكل أطفال السرطان، لأنها فئة كبيرة وفي ذات الوقت ضعيفة، فالمساعدة من الناحية الصحية عن طريق توفير العلاج، ومن ناحية اجتماعية تقديم المساعدة من لبس وغذاء، لأن هذا المرض بيصرف كثير ويحتاج المريض لغذاء معيَّن، وهذه الاستراحة لها أم مشرفة عليها وهي ماما حليمة، وبها ثلاث غرف، كل غرفة فيها أربعة أطفال، وأيضا هنالك صالون خاص بالرجال في حالة وجود مرافق رجل.

دخلوا الجامعات من هذه الاستراحة

وواصلت المديرة حديثها: في البداية قامت الجمعية بمجموعة من المشاريع من ضمنها كفالة أربعة سراير للأطفال، ثم تأسيس عنابر أطفال بمستشفى البرج، قاطعتها سائلة من أين الدعم؟ قالت: الحمد الله كل التكلفة سواء أكانت علاجية أو اجتماعية فهي من الخيرين، قلت: وأين دور الجهات المسؤولة ؟ قالت: حقيقة الحكومة بتتكفل بالجرعة فقط، ولكن العلاج المصاحب من صور مقطعية وحقن وغيرها من الجمعية. قلت لها: متى تأسست الاستراحة؟ قالت: تأسست منذ عام 2008م، ونحن نقوم بهذا العمل الطوعي، وهنالك أطفال درسوا ودخلوا الجامعة من هذه الاستراحة، سألتها: وهل تفي عدد أطفال مرضى السرطان الوافدين من الولايات؟ ردت: الاستراحة تحوي 15 طفلاً، مع ذويهم وبالتنسيق مع المستشفيات، فهنالك جهة في المستشفى بتحدد إذا كان هذا الطفل لديه جهة أم لا، وكذلك بنسق مع الأطباء في العلاج، فهنالك أطفال ممكن لهم أن يسافروا ويأتوا بعد فترة، وآخرون ممكن أن يظلوا، فلذلك تجد الدخول بالتناوب، وحتى الأطفال البسافروا إلى ولاياتهم تذكرة السفر من الاستراحة، وهنالك أصحاب بصات تكفلوا بحق التذكرة، وحتى إذا كان السفر بالطيران بنوفر لهم حق تذكرة الطائرة. فهنالك دعومات بتأتي من الجمعيات النسوية، وهنالك أيضاً مجموعات في القروبات، وهنالك قروبات شبابية ومجموعة الجمارك ومجموعة محمود في القلب، وناس زين، ثم قالت: الحمد لله البلد مازال شبابها بخير كل المجهود القائم بفضل الشباب، فهولاء الشباب تجدهم حضوراً مع الأطفال المرضى وذويهم، وخاصة من أتوا من الولايات لأول مرة، وليس لي علم بكيف تتم الفحوصات والمقابلات والعلاجات، فكل هذه الأشياء يقوم بها هؤلاء الشباب، يظلوا مع الطفل وذويه إلى آخر لحظة حتى المبيت في المستشفى.

وجود إشكالية في توفير الجرعة

لماذا اخترتوا منطقة النزهة بالضبط ؟ نحن لم نختار هذا المنطقة، ولكن كما قال الرسول (دعوها فهي مأمورة) فدعيناها، وكان الخير في منطقة النزهة. وحقيقة أهل المنطقة دائماً واقفين مع أطفال الاستراحة. فقبل يومين توفي طفل في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً وبرغم وجود الحنوط والكفن في هذا الدولاب الصغير الذي تشاهدينه، وأشارت بيدها نحوه، إلا أن أهل المنطقة قاموا بالواجب، قاطعتها: عندما يتوفى طفل كيف تكون نفسيات بقية الأطفال ؟ قالت: نحن حريصين جداً على عدم معرفة الأطفال بوفاة رفيق لهم، ثم واصلت حديثها قائلة : نحن في الوقت الراهن بنعاني من عدم توفير الجرعة، خاصة في الشهور الأخيرة من نهاية كل عام، وهذه إشكالية كبيرة جداً يعاني منها مريض السرطان، وهي ضرورية بالنسبة له، وقد توجد في السوق، ولكن بتكلفة عالية، والعدد كبير وميزانية الدولة مابتسمح، علماً بأن علاج السرطان لم يكن ضمن التأمين الصحي، وفي الوقت الراهن جمعية "تداعي" بتوفر لحوالي أكثر من 200 أسرة تقوم بتكلفة العلاج، وكذلك الناحية الاجتماعية و حتى الأطفال الخارج الاستراحة المقيمين داخل الخرطوم مع ذويهم بنتكفل بعلاجهم، ولدينا أيضاً فرع في مدني والشمالية، غير أن جمعية "تداعي" بتدعم المستشفى يومين في الأسبوع بطبق فاكهة مع الوجبة، بالإضافة لإفطار المرافق في رمضان وحتى العاملين بالمستشفى وكسوة العيد والخبائز والحلويات، وحتى عيد الأضحية بتقوم بذبح الخراف وتقدم في شكل وجبات وتوزع على مستشفى الذرة أطفال وإبراهيم مالك ومستشفى الجلدية، ثم قالت: هذا عمل كبير بفضل الخيريين، ولكن الإعلام مامسلط عليه الضوء ومحصور على ناس معينين، ورغم ذلك نحن عملنا ماشي، وعندنا أيضاً مشاركات للأطفال مثل: سباق الماراثون من برج الفاتح حتى القصر الجمهوري، قلت: وهل يستطيع الأطفال الجري؟ قالت: مشاركتهم من أجل رفع المعنويات، وهنالك مجموعات من القروبات تعمل حملات توعية للأطفال في المدارس والجامعات، وهنالك حملات دم، وأكثر جهة بتتبرع بالدم في بنك الدم المركزي هي جمعية "تداعي"، ففي هذه الجمعية مجموعة كبيرة جداً من المتطوعين، فلذلك أسست إدارة كاملة خاصة بالمتطوعين. وسألتها أن كان هناك دعم للمتطوعين ؟ قالت : لا يوجد أدنى دعم للمتطوع. وسألتها أيضاً عن عدد الاستراحات في الخرطوم؟. ردت: واحد فقط، ولكن هنالك مجموعة "بسمات" جاءت وأخذت ذات الفكرة.

إذاً بدورنا نسأل عن دور وزارة الصحة في هذا العمل الطوعي، لماذا لا تدخل علاج مرضى السرطان تحت مظلة التأمين الصحي حتى تخفف من أعباء تكلفة العلاج؟.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية