Untitled Document

نبيل غالي يروي قصة حياة إنسان لـ"التيار":

عرض المادة


لم أشعر يوماً بأنني مسيحي وتفوقت في التربية الإسلامية وجاورت إمام المسجد
""""""""""""""""
أعشق الغموض وأغرمت بـ"اللص الظريف"
""""""""""""""""""""""""""""""
أصولي مصرية ووالدي (غتى قدحو)
""""""""""""""""
اتعبتني الحياة و(ادردرت) كثيراً .. و"سنار" احتضنتني صغيراً ولفظتني كبيراً
""""""""""""""""""""""
ظلمت كينونتي مرتين.. ودخلت الصحافة بالصدفة وتمنيت أن أصير نجماً لكرة القدم
""""""""""""""""""""""""""""""""""""
لست شاعراً فاشلاً ويعذبني الغناء في حنجرة بعض "المغنواتية"
""""""""""""""""""""""""""""""""
لم أندم على شبابي.. وتزوجت عن طريق صحيفة الأيام


"""""""""""""""""""""""""""""
بريشة فنان يرسم الأديب والصحفي نبيل الغالي في حواره اليوم .. لوحة فنية رائعة للتعايش الديني الذي يمتد في ربوع السودان، نبيل يروي قصة رائعة عن نبوغه في التربية الإسلامية بالمدرسة الأولية رغم أنه قبطي ويقول: لم أشعر يوماً من الأيام أنني مسيحي، نبيل حدثنا في هذه الدقائق العجلى بمهل شديد، تنقل بنا في سوح الأدب والصحافة والتاريخ، نسج ذكرياته عن سنار في صفحتنا هذه .. نبيل تحدث كما لم يتحدث من قبل. وإلى التفاصيل:


أجراه : عطَّاف عبد الوهاب


*أنت من مواليد سنار.. ما الذي ذهب بوالدك إلى هناك ؟.
حقيقة.. جدنا في الأصل كان يعمل في خزان سنار، وهناك أنجب والدنا.. تحديداً في سنار (التقاطع).. ثم تزوج بوالدتي وهي في الأصل (أسيوطية).. أتى بها من مصر، واستقر به المقام في سنار.
*وما الذي ذهب بأبيك أصلاً إلى أسيوط؟.
هي على قرابة مع والدي .. ولم يعش بأسيوط .. تزوَّج بها وأتى بها إلى سنار.
*أنت من أصول مصرية ؟.
يمكن أن نقول كذلك، أنا من أصول مصرية أسيوطية.. لكن جدنا خرج مبكراً واستقر به المقام بسنار.
*هل زواج والدك كان بمثابة (غتي قدحك) ؟.
نعم .. الزواج قديماً كان كذلك .
*عيناك رأت النور في 17 / 12 / 1949 .. كما تقول وثائقك وتختلف عن أبناء جيلك في حفظك للتاريخ .. يعني ما مواليد 1 / 1 كالعادة ؟.
والدنا في المنزل كان يهتم بالجانب التوثيقي خاصة بالنسبة للشهادات، وكان محتفظاً بجميع شهادتنا، ووالدتي أرشدتني على القابلة التى أخرجتني إلى النور والحياة.
*أنت (نمرة كم) في أخوانك؟.
أنا (البكر) ولديَّ ثلاثة أخوان وأختين، وجميعنا ولدنا في سنار، كبير الأبناء يجد نفسه دائماً أقرب إلى الأب بالنسبة لإخوانه.
*هل تحملت المسؤولية مبكراً ؟.
أنا تعبت كثيراً.. وهذه الحياة أنا (ادردرت فيها)، فبعد أن أكملت المرحلة الثانوية توفي والدي.. هذه الوفاة كان لها تأثير كبير في مجرى حياتي.
*وفاة طبيعية ؟.
نعم.
*دفن بسنار ؟.
نعم، دفن بمقابر الأقباط بسنار بجانب والده.. جدي.
*البعض يقول إن نبيل غالي كان بطبعه قلق إلى أي مدى تصح هذه المقولة ؟.
نعم.. كنت قلقاً جداً، وكنت أتنقل من مهنة إلى مهنة، وربما أكون جئت إلى الصحافة بالصدفة، عملت في الصحافة، مهنة مع الانتفاضة سنة 1986م.
*وما قبلها ؟.
كنت مراسلاً لجريدة الأيام بسنار.
*كان مرتبك مجزياً حينها ؟.
لم أكن استلم مرتباً.
*ما هي المهن التي تنقلت فيها وأيهما كانت شاقة لنبيل ؟.
في بداية السبعينات وأنا في عز الشباب عملت في الاتصالات السلكية واللاسلكية، وقد تحصلت على دورة تدريبية في معهد الاتصالات وأحببت هذا المكان لأنه جمعني بعدد من الشعراء المميزين، وأثناء عملي بالاتصالات كان لديَّ دكان صغير أشبه بالقهوة وفي الفترة التي لا أعمل بها في الاتصالات - العمل ورديات - غالباً ما كنت أعمل مساءً - في الفترة الصباحية أتوجه نحو القهوة، كنت أساهم مع بقية إخوتي كأخي جميل غالي.
*لم تدخل إلى الجامعة ؟.
لا .. أقصى تعليمي فترة معهد الاتصالات.
*ماذا تعني لك سنار ؟.
سنار سلطنة وسلطان في آن واحد.. ولنا بها صلة (صرة مدفونة بها) ارتبط كثيراً بسنار إلى درجة العشق .. لم أكن أسمح لشخص أن يتحدث بصورة سالبة عن سنار بأي شكل من الأشكال، ولذلك اتخذت قراراً بأنه لابد أن تكون سنار موجودة على لسان عدد من المواطنين في جميع أنحاء السودان .. هناك خزان سنار وفرح ود تكتوك .. فقمت مع عدد من الزملاء بإنشاء رابطة سنار الأدبية.
*أي المعالم في سنار أحبها نبيل غالي ؟.
أحسب أن من معالم سنار التي أحببتها أشجار الجميز والتفاح الجبلي، إضافة إلى (السمك)، والذي كنا نشتريه بـ(تراب القروش)، أذكر أنه كان ما بين منزلنا، ونحن أطفال، وجارنا (نفاجاً) وهذا الجار كان إماماً لمسجد سنار الكبير، وكان أغلب أو معظم وقتنا نقضيه مع أسرة الإمام أو بالأحرى بناته اللاتي كن أمهات لنا، لا أذكر أننا قد طرقنا باب هذا الجار لأن النفاج كان هو صلتنا الوثيقة.
*هل تحن إلى سنار الآن؟.
مثلما أحن إلى قهوة أمي، حسب عنوان قصيدة محمود درويش، فإنني كذلك أحن إلى (الجروف) بعد أن تنحسر عنها مياه بحيرة خزان سنار، إذ كنا نأكل منها العجور وهو ما زال طازجاً ونصطاد الطيور بـ( سبيب) أذناب الحصين التي كنا نقتلعها منها ولا نخشى أن (ترفسنا). ونحن نقترب من الشيخوخة قد (رفستنا) سنار، وياللمفارقة.
*كيف وجد نبيل الغالي نفسه أديباً ؟.
كما كان التلاميذ في السابق يدرسون في الأولية.. كانت هناك مكتبات غنية بالكتب، كنت أميل إلى كتب الأبراشي واستمتع بها لأنه كان يوصل الصورة لي بشكل مبسط .
*ألم تكن هذه الكتب عصية عليك وأنت في المرحلة الأولية؟.
نعم، كانت عصية، لكننا كنا نريد أن نعرف.. هو شيء أقرب إلى الطفولة . *وأنت طفل تريد أن تتعرف على أي شيء ما الذي رسخ في ذاكرتك ؟.
كنت أقرأ الكتب البوليسية لأجاثا كريستي وآرسين لوبين "اللص الظريف" وكانت من الكتب المنتشرة في ذلك الوقت.. كنا نحب الغموض في تلك الفترة، وكانت الإثارة بعيداً عن السينما.
*هل كنت تحب السينما ؟.
نعم، أحبها وأحفظ أيام الأفلام أيهما الأمريكي والمصري وغيرها، وحتى الأفلام الهندية لدرجة أنني كنت أحفظ الأغاني بها.
*لماذا في رأيك فشلت السينما السودانية؟.
لأنه ليست لدينا هناك صناعة، السينما محتاجة إلى صناعة ولم تتوفر لها، صحيح هناك ممثلين ممتازين وكتاب سيناريو ومخرجين .. لكن الصناعة غير متوفرة.
*من كان يعجبك من الممثلين؟.
مكي سنادة وإبراهيم حجازي والفاضل سعيد.
*أنت مقل في إنتاجك الأدبي لكنك مكثر في النقد .. هل وجدت نفسك ناقداً قبل أن تكون قاصاً ؟.
اتجهت إلى النقد عندما وجدت أننا عندما ننتج قصصاً أو عملاً أدبياً أو غيره لم نجد نقاداً، على أساس أن يقدموا لنا ما يستطيعوه، فالتفت للنقد، ولديَّ محاولات نقدية لنقد زملائي، ولقد استهواني النقد جداً.
*لماذا ؟
في بداية السبعينات كانت تصلنا مجلة الآداب البيروتية، وهي شهرية لصاحبها سهيل إدريس، وكانت تأتي على رأس كل شهر بانتظام في سنار ويتخطفها الزملاء، ولفت نظري إليها باب (قرأت العدد الماضي)، وكان هذا الباب يقدم نقداً للقصص والقصائد التي نشرت في العدد الذي قبله، وبالنسبة للنقاد في المجلة كانت هناك أسماء لامعة، وكنت أقرأ مجلة الآداب من باب ( قرأت العدد الماضي) ولم أكن أقرأ القصة أو الشعر .. اهتممت بالجانب النقدي وهذا ما غرس فيني بذرة نقد.
*منتوجك مجموعة قصصية (يتيمة) بعنوان "اتكاءة تحت عيون حبيبتي".. كيف رأت النور ؟.
ذهبت حينها إلى المجلس القومي للآداب والفنون وجدت فيه الأستاذ الراحل المغربي، وأخذت إليه المجموعة باعتبار أنني أديب إقليمي، وقام بالاحتفاء بها لكنه وضع شرطاً، أن هذه المجموعة لابد من الإشراف عليها في فترة الطباعة، ومن حسن حظي كان هناك الأستاذ الراحل (على المك)، وهو قامة سامقة وأبدى رغبة بالإشراف .
*عدد المنتوجات الأدبية الآن منذ قيام الإنقاذ فاقت ما قبلها.. إلى ماذا تعزي الأمر ؟.
هذه ملاحظة دقيقة.. فما نتج وصدر في الإنقاذ يوازي ما بعد كل الفترة الماضية من الستينات إلى الثمانيات يوازيها ما صدر في مرحلة الإنقاذ، وذلك لتوفر مسألة المطابع، فقديماً كان لدى الناس مشكلة في المطبعة..الأديب الآن لديه الحماس بأن يقوم بطباعة نصوصه سواء كانت نقدية أو إبداعية، وقديماً لم تكن موجودة، لدينا نصوص قصية من السبعينات والثمانينات ولم تنشر .. الآن شباب في مقتبل العمر تجد لديهم منتوجات مطبوعة.. توفر الناشرين والطباعة هو الذي أدى إلى هذا الزخم.
*(كل ناقد ناجح هو شاعر فاشل) إلى أي مدى تعتقد أن هذه النظرية متسقة ؟.
غير متسقة نهائياً باعتبار أن الناقد الناجح هو مبدع ناجح سواءً كان قاصاً أو شاعراً.
• "اتكاءة تحت عيون حبيبتي" هذا اسم مجموعتك فمن هي الحبيبة التي اتكأت تحت عيونها ؟.
هي ملامح من عدد من الحبيبات بمن فيهن سنار .. ليست كائنات إنسانية وبس.
*هل كنت تحب كثيراً في شبابك ؟.
أبداً.. لم أكن مهتماً بحكاية الحب خالص .وفترة شبابي لست نادماً عليها، لأنني انصرفت نحو القراءة.
*هل زواجك كان تقليدياً أم قصة حب ؟.
ليس تقليدياً ولم يكن قصة حب، زوجتى كانت معجبة بكتاباتي قبل أن تلتقيني كانت تقرأ لي في جريدة الأيام.
*يعني زواجك كان سببه جريدة الأيام؟.
نعم.
*زوجتك قارئة جيدة ؟.
لا أستطيع أن أجزم بذلك، لكنها تقرأ كتاباتي جيداً .وهي كانت موجودة في سنار .. كانت زوجتي تأتي إلى منزلنا .. وكنت أذهب إليهم في المنزل في الأعياد، ولاحظت اهتمامها الكبير عندما آتي .. حينها أبديت رغبتي بالزواج بها ووافقت مباشرة.
*كنت وجيهاً جداً في شبابك يا أستاذ ؟.
الوجاهة في تلك الأيام كانت نسبية، ويبدو أنها لم تكن مهتمة بباب الوجاهة بقدر ما كانت مهتمة بالوجاهة الأدبية، ربما رأت أن هذا الرجل لديه نجومية.. احتمال عجبتها النجومية، أهل سنار ككل يشيرون إلى نبيل.
*كم لديك من الأبناء ؟.
لديَّ ابنة واحدة ولديَّ حفية منها (مريم).
*يقولون : "أحب الولد ولد الولد".. كيف ترى هذه المقولة في حفيدتك مريم ؟.
صحيح .. والله صحيح.. ربما كنت قديماً أظن أنه كلام في (الهوا ساكت)، لكن عندما أنجبت لي (مريم) شعرت أن هذه المقولة هي قلب الصدق.
*كيف تنظر إلى التعايش الديني الموجود في السودان ؟.
متسعة جداً.. لم أشعر يوماً من الأيام أنني مسيحي، الوسط الذي نشأت فيه بسنار كان فيه كمية كبيرة من التسامح الروحي، ومن الأشياء التي أذكرها أنني في المدرسة طلَّعني من حصة التربية الإسلامية، ذهبت إلى والدي وأخبرته. والدي أتى معي إلى مدير المدرسة وأخبره فاستدعى المدير الأستاذ وسأله لماذا أخرجت نبيل من الحصة ؟ فرد الأستاذ، لم أكن أريد أن أفرض عليه حصة التربية الإسلامية. ظننت أن لديهم تربية مسيحية فاعتقدت أنه من الأولى أن يستفيد من هذا الوقت ويدرِّسها.
*تفهم الوضع ؟.
نعم، تفهمنا الوضع، لكن بعد ذلك والدي أصر على أن أدرس التربية الإسلامية في المدرسة الأولية.. وفعلاً درَّستها، وكنت شاطر جداً في الإسلاميات، ولم يكن لدينا حساسية في الأسرة.
*لمن يستمع نبيل غالي في فننا السوداني ؟.
كنت عاشقاً لأغاني المطرب الكبير محمد الأمين، وعلمت أمي بعشقي هذا، وحينما أكون بعيداً عن (الراديو) وهو يبث أحد أغاني أبو اللمين تناديني بصوت مرتفع يكاد يسمعه الجيران : يا ولدي ود الأمين بغني)، كان ذلك إبان شبابي، وأنا الآن في هذه السن المتقدمة ما زلت متيماً بأغنيات هذا الموسيقار الهرم، فيا لهوان الأغنية السودانية في حناجر بعض (المغنواتية) من الشباب.
*ما الذي كان يتمناه نبيل الغالي ولم يحققه ؟.
تمنيت أن أصبح لاعب كرة قدم، ولكن هذه الأمنية كادت أن تفقدني ساقي اليمنى ..ففي إحدى المباريات التي كانت تجري بساحة الحي الذي نقطنه في عصرية فابتعدت كرة الشراب نحو باب منزل بذاك الحي وجريت خلفها وخرج كلب من ذاك الباب وداهمني وعقر ساقي، وكان الجرح غائراً وما زالت آثاره موجودة إلى الآن بساقي، واكتفيت في شبابي بأن أصبح المشرف الثقافي بنادي الموردة الرياضي بسنار، وأصبحت مدمناً لمشاهدة المباريات بإستاد سنار حتى في عز الخريف.. الآن أشجع المريخ بالرغم من أنني أجهل أسماء اللاعبين به.
*خلال مسيرتك في الحياة هل شعرت أن أحدهم ظلمك ؟.
ظلمت نفسي حين اخترت أن أكون أديباً، وظلمتها مرة أخرى حين اخترت أن أكون صحفياً.
لو استقبلت من أمرك لاستدبرت ؟.
لظلمت نفسي مرة أخرى

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة