Untitled Document

طوكر .. الدهب المسوكر !! # 9

عرض المادة


المنسي .. سلسلة تحقيقات أكشف لكم فيها سوداناً آخر غير الذي ترونه في الإعلام وتسمعون عنه في الأخبار.. السودان المنسي الذي يختفي في ظلام الإعلام، يكابد مرارة الحال وشظف الواقع.. رحلة ما منظور مثيلا، مشاهد ولا في الأفلام صوَّرتها لكم بقلمي وبالكاميرا التي لا تنفصل عني، قبل قراءة التحقيق أرجوكم تأكدوا من وجود صندوق مناديل الورق بجواركم لمسح الدموع.. دموع الحسرة على وطن يقتله الشقاء والنعيم على ظهوره محمول.
هذه المرة من ولاية البحر الأحمر.. مشروع دلتا طوكر الزراعي ..


تحقيق وتصوير: عباس عزت


الحلقة التاسعة


عندما ملأتنا الصدمة..!
مُلئت بالصدمة لوهلة عندما دخلنا مدينة طوكر وساءني ما رأيت، أتلك هي طوكر التي كانت تضج متحضرة ؟ أين تلك القصور ذات الحدائق الغناء التي أخبروني عنها ؟، وأين الأسواق الحديثة المكتظة بالبضائع الأوربية؟، أين النادي الأهلي والسينما وأين شركة النور؟، أين شبكة مياه الشرب النقية ؟، وأين الشوارع المضاءة ليلاً ؟.
عندما يسكن البؤس الوجوه..!
بدأت المدينة ساكنة من الحركة، لم أر سوى البؤس في وجوه بعض الناس الخارجين من منازل مغطاة بالرمال، وبعض أصحاب عربات الكارو يجتهدون في الحصول على الماء من إحدى الآبار القابعة جوار محطة مياه طوكر القديمة، أُصبت بالصدمة وخيبة الأمل.. بالقرب من مباني محلية طوكر وجدنا أحد المواطنين خارجاً من مباني المحلية وعندما سألناه عن المعتمد، أجابنا بأن السيد المعتمد غادر صباح اليوم إلى بورتسودان، وعندما سألته عن حال طوكر الآن !! أجابني بأن المدينة الآن في أسوأ حالاتها، وقد بدأ الإهمال منذ تولي أيلا السلطة، وأضاف قائلاً : في عهد أيلا شهدت طوكر الإهمال في كل شيء، وحتى معاش الناس ثم انصرف في حال سبيله .
ثم توجهنا إلى مستشفى طوكر..!
توجهنا صوب مستشفى طوكر للوقوف على حاله، وهل يجد المواطن الرعاية الصحية الأولية المقبولة، كما ينص دستور منظمة الصحة العالمية في الحقوق الأساسية لكل إنسان، وأن الحق في الصحة من حقوق الإنسان الأساسية التي تضمنها الدولة، كما ورد في الدستور، وهل تهيئ وزارة الصحة لمستشفى طوكر البيئة التي يمكن فيها لكل فرد أن يكون موفور الصحة ؟..هدفنا من زيارة المستشفى الدخول إلى تفاصيل أحوال المراجعين لمستشفى طوكر وكيفية تعامل هذا المرفق الوصي على صحتهم، ولكن يبدو أن الأمر ليس يسيراً عندما يتعلق الأمر بكشف حقيقة الوضع الذي تترنح تحته الصحة العامة، وليس بالأمر البسيط أن تتمكن من الحصول على صور فوتوغرافية دليلاً تحمله في حقيبتك استعداداً لكشف حقيقة هذا المرفق .
وحانت لحظة الحقيقة..!
كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهراً، تقريباً، حُرَّاس الأمن ينتشرون في أرجاء المستشفى ويحرصون على مراقبة استخدام الداخلين إليه بكاميرات التصوير أو الهواتف الذكية أكثر مما يحرصون على المرضى، لكننا تمكننا من الدخول بسهولة إلى المستشفى بعد انتحال مرافقي لصفة (مسؤول)، وذلك لنقل جزء من حقيقة هذا المستشفى الذي يعد الأكبر في منطقة جنوب ولاية البحر الأحمر.
الوجوه الشاحبة..!
قمنا بجولة سريعة في أنحاء المستشفى، مررنا بقسم الطوارئ الذي يستقبل المئات من المرضى والمرافقين، يجلسون في أوضاع صعبة على أرضيات القسم، وعدد من الوجوه الشاحبة التي تنتظر دورها لرؤية طبيب مجهد يصعب عليه الكشف على كل زواره، بينما عشرات المواطنين يتحلقون أمام نافذة صرف الدواء، وفي المقابل من النادر أن تصادف واحداً من الكوادر الطبية، وفي أحسن الحالات يجيبك أحد الممرضين باقتضاب في حال استفسرته عن أمر يتعلق بمقابلة طبيب أو الوجهة التي عليك أن تتخذها للوصول إلى قاعة العلاج، وأصعب شيء يمكن أن يحدث داخل عنابر المستشفى هو التقاط صورة للأوضاع الكارثية للمستشفى، وعندما حاولنا التقاط صور لحالة المستشفى وطوابير المرضى وجدنا أن أول من يواجهنا هم المرضى أنفسهم، فمعظمهم من النساء المنقبات.
رحلة البحث عن معلومات وشهادة للتاريخ ..!
وكان التوجه إلى مكتب المدير الطبي هو الحل للحصول على معلومات عن حال المستشفى (الآن) وتسجيل شهادة للتاريخ، عن المكان الذي يعد وجهة المرضى من جميع قرى جنوب ولاية البحر الأحمر.. أمام المكتب لاحظنا وجود عدد من المرضى في انتظار دورهم لمقابلة الطبيب، استأذناهم في السماح لنا بمقابلة الطبيب ولم ننتظر إجابة منهم وولجنا إلى داخل مكتب المدير الطبي الذي توجس قليلاً قبل أن يرد التحية، عرَّفته بنفسي والغرض من الزيارة التي أقوم من خلالها بتسليط الضوء على مشكلات المستشفى الملحة والتي ربما تجد الأذن الصاغية من أهل الخير، وبعد محاولات متكررة استطعنا إقناع أحد الأطباء بالحديث بعد تدخل شخص ثالث على معرفة بالطبيب، علمت فيما بعد أنه المدير الإداري للمستشفى.
المدير الطبي يتحدث إليكم..!
بدأ المدير الطبي حديثه قائلاً: على الرغم من أن مستشفى طوكر يعد ثاني أقدم مستشفى في السودان، بعد مستشفى أم درمان، ويضم جميع الأقسام، إلا أنه يعيش حالة من التردي في الخدمات، وأن مستشفى طوكر الذي يفترض أن يكون في حالة تأهب دائم وما يقتضيه ذلك من توفير تجهيزات كافية وأطر طبية تسمح بتغطية كل الحالات التي يستقبلها من سكان طوكر والمناطق المجاورة، يعاني مما وصفه بـالفقر الشديد في المعدات وحتى المتوفر منها يعاني من أعطال متكررة، وذكر بأن المستشفى يعمل بطاقة 2 طبيب عمومي واختصاصي نساء وتوليد زائر، وقال: إن المستشفى يعاني من نقص في الكوادر المساعدة (مساعدون أطباء وممرضون) مقابل الكثافة السكانية العالية، وقال: إن المستشفى يقدم خدماته لسكان جنوب طوكر ومحلية (عقيق)، وذكر أن عدد متوسط المراجعين للمستشفى يزيد على الـ150 مريضاً في اليوم، وذكر أن أكبر مشكلاتهم عدم انتظام الإمداد الكهربائي ما يتسبب في توقف العمل أثناء عمليات الولادة.
ضابط شرطة يقتحم المكتب..!
قبل أن يسترسل في الحديث اقتحم المكتب ضابط شرطة برتبة نقيب وطلب من الطبيب عدم التحدث إلينا، ووصف الصحفيين بأنهم يسمعون شيئاً ويكتبون شيئاً آخر مجافٍ للحقيقة، وطالبه بضرورة الامتناع عن الإدلاء بأية تصريحات للصحافة بحجة أن في ذلك إثارة للفوضى، ثم حدجه بنظرة ذات مغزى.. (كانت الشرطة قد توصلت بمعلومات تفيد بوجودنا داخل المستشفى).
شيء من المتاعب..!
ثم التفت تجاهي وسألني من سمح لك بدخول المنطقة ؟ وهل قابلت السيد المعتمد (رئيس لجنة الأمن بالمحلية)؟ .. أخبرته بأنني بداية قمت بزيارة مكتب المعتمد ولم أجده.. أطرق قليلاً ثم طلب مني مرافقته إلى قسم الشرطة للتحقيق معي عن أهداف زيارتي، وقبل أن أغادر المستشفى طلبت منه أن يسمح لي بزيارة أقسام المستشفى، نظر إليَّ ملياً ثم قال : لا تستطيع التجول في المستشفى إلا بمرافقة أحد العاملين، فطلبت مرافقة المدير الإداري الذي شعرت بأنه سوف يكون خير معين لي في جولتي، على أن ألحق به في قسم الشرطة بعد الجولة.
بنية تحتية مهترئة..!
أثناء الطريق تحدثنا مع المدير الإداري عن الوضع داخل المستشفى، وكشف لنا أن أول مشكلة يواجهها العاملون في المستشفى وطالبي العلاج هو البنية المهترئة للمستشفى، حيث أكد على أن المستشفى الذي يفترض فيه أن يستقبل المئات من المرضى يومياً في ظل الارتفاع الكبير في عدد السكان لمدينة طوكر، إضافة إلى محلية جنوب طوكر ومحلية عقيق. إن القدرة الاستعابية للمستشفى لا تكفي مطلقاً لاستقبال طالبي العلاج القادمين من هذه المحليات.
عنابر لا تصلح لعلاج الآدميين..!
كشف أن عنابر المستشفى التي بدأ العمل داخلها في عام 1924 غير صالحة وتحتاج إلى ترميمات وإعادة تأهيل، وأسرَّ لنا أن موظفي وأطباء المستشفى سبق وأن طالبوا بتصحيح بيئة العمل بالمستشفى، وأضاف: إن وزارة الصحة كانت قد وعدت في وقت سابق بوضع خطة لإعادة تأهيل المستشفى ورفده بالمعدات الأساسية المتعلقة بتقديم الإسعافات الأولية، وبالفعل فقد تم جلب بعض المعدات بواسطة الخيرين من أبناء المنطقة وتمت إعادة طلاء بعض العنابر بواسطة صندوق إعمار الشرق، إلا أن حال المستشفى لم يتحسن كما كان منتظراً، ثم أضاف قائلاً: إن الصورة التي نراها الآن قد تم تجميلها عشرة أضعاف مما كانت عليه، ولكن لا زالت العنابر خاوية على عروشها والمراوح لا تعمل وحتى مولد الكهرباء الذي تبرع به أبناء طوكر بدول المهجر تعطل عن العمل ولا يجد من يعيد إليه الحياة وبالتالي للمستشفى.
تراجيديا الشقاء..!
وأنت تتجول في عنابر المستشفى تشاهد البؤس والشقاء مثل لوحة تراجيدية لا تحجبها أسوار المستشفى ولا تصريحات المسؤولين بوزارة الصحة، فقط زيارة خاطفة تكشف المستور وتفند مشاريع وزارة الصحة، إنه واقع قطاع الصحة في السودان.
أواصل .. غداً في قبضة الشرطة !!



   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 7 = أدخل الكود