Untitled Document

الحركة الإسلامية والحكم الصالح (2)

عرض المادة
الحركة الإسلامية والحكم الصالح (2)
56 زائر
08-01-2017
أ/ الطيب محمد الفكي آدم



تحدث رائد النهضة الماليزية د. مهاتير محمد في قاعة الصداقة عن حاضر ومستقبل الإسلام في العالم الإسلامي، وأرجع فشل الحكم الراشد إلى عدم التزام وإتباع المسلمين تعاليم وقيم الإسلام،

وعدم إتباع ماجاء به القرآن الكريم، ومنها إكرام إنسانية الإنسان (وكرمنا بني آدم)، وهم كل العالمين، وكل الناس؛ لأن القرآن نزل إلى كل الناس، وليس المسلمين- فقط- وإلى كل مكان وزمان– الماضي، والحاضر، والمستقبل، ومنها الحرية– حتى حرية الاعتقاد (ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، ومنها الاتحاد والوحدة وعدم التفرق (وجعلناكم أمة واحدة) أمة الإسلام، وهذا معناه ألا يتحول المسلمون إلى فرق وطوائف تتناحر وتتقاتل مع بعضها، وإن لكل فرقة وطائفةً ما تعتقده من الدين هو الأصوب والسليم والصحيح وما سواها من الفرق على خطأ في الدين، وإن كل فرقة تفسر القرآن على هواها، الأمر الذي يؤدي إلى التعسف والتشدد والتطرف والعنف، ما نراه الآن في سلوك الإنسان المسلم في كل بلاد الإسلام.
هذا الحديث هو الذي حدا بي أن أقول عن تجربة الحركة الإسلامية ما يأتي:
تحدثنا في الجزء السابق عن فشل الحركة الإسلامية في تقديم أنموذج الحكم الصالح في معترك العمل الدعوي والاجتماعي. وسنتحدث في هذا الجزء عن فشل الحركة الإسلامية في تقديم أنموذج الإسلام السياسي في معترك النشاط الاقتصادي والنشاط التعليمي والنشاط الإعلامي.
وجاء الفشل في تقديم أنموذج الإسلام السياسي في هذه المجالات والأنشطة؛ بسبب بعدها عن الفقه الديني في المعاملات والممارسات، واكتفت برفع الشعارات– تطبيق الشريعة\– ولا لدنيا قد عملنا– وهي لله لا للسلطة ولا للجاه، والجاه هو السلطة والمال.
النشاط الاقتصادي: وفي هذا الجانب يهتم الفقه الإسلامي بالفرد المسلم في تمليكه الصنعة ما يحميه من شرور الفقر والمثغبة (الصنعة أمان من الفقر)، لكن الحركة الإسلامية اهتمت بتنمية المال، ورأس المال، بل بتبني وتنمية السياسة الرأسمالية، التي تتعارض مع المفهوم الإسلامي في الاهتمام بالفرد؛ فانصب كل جهد الحركة الإسلامية الاقتصادي في تقليل الصرف والضغط لجعل كل المؤسسات والشركات العامة رابحة مع إنها أنشئت لبناء الاقتصاد مرحلياً؛ لتكون في مراحلها الأولى إعاشية لتنمية القدرات البشرية، ولمحاربة الفقر، والمرض، والجهل؛ لينطلق الاقتصاد بهذه التنمية البشرية في المرحلة الثانية للإنتاج الوفير، وحصاد الأرباح، لكن الحركة الإسلامية لحرصها على رأس المال والأرباح عملت على إفقار الفرد المسلم بتشريده من عمله بسياسات الخصخصة، وتوفيق الأوضاع، وخفض العمالة، والصالح العام، ولم تفتح فرص العمل للشباب والخريجين؛ لأنها دمرت الصناعة، وأوقفت المصانع، ودمرت الزراعة، وعطلت وأوقفت الإنتاج، ولم تنشئ مشاريع إنتاجية زراعية كبيرة، ولا مؤسسات وشركات إنتاجية صناعية كبيرة؛ لاستيعاب العطالة، والشباب، والخريجين، والتخلص من البطالة، وإيقاف زحف سونامي الفقر، فمكنت لداء الفقر أن يتفشى وترتفع معدلات البطالة، والفقر، والمرض، والجهل، والهجرة، والنزوح، فهل هذا يتفق مع الفكر الإسلامي الذي يدعو إلى محاربة كل هذه العلل الاقتصادية؛ لكي لا تفتك بالفرد المسلم بهذه السياسات الاقتصادية؟.
يتأكد فشل الحركة الإسلامية، وعدم تقديم الأنموذج والمثال الصحيح للسياسات والنشاط الاقتصادي المرتبط بالفكر الإسلامي حتى في البنوك الإسلامية؛ لأنها بنوك تتبنى وتخدم الرأسمالية العالمية، والطبقية الرأسمالية المحلية.
وفشلت الحركة الإسلامية ومؤتمرها الوطني في تقديم الأنموذج والمثال الصحيح في مجال التعليم المرتبط بالفكر، والفقه الإسلامي، فجاءت بالمنهج، والسلم التعليمي للتعليم العام والعالي العاجز عن تقديم المعرفة علمياً، ومهنياً، وبعد ربع قرن من التعليم الفاشل الخالي من المعارف، والمدمر- بتدمير مراكز التدريب– معاهد تدريب المعلمين، التمريض، البريد والبرق، الإدارة والخدمة المدنية، إكثار البذور، وورش النقل الميكانيكي، والورش الهندسية المختلفة، والبيطرية، وكنا نصدر كل هذه المهن إلى دول الجوار العربي والأفريقي، الآن فقدنا كل هذه المهن، وفقدنا تصديرها، وبعد مرور كل هذه السنين بدأنا نبحث عن التدريب، وننشئ مراكز التدريب للشباب والخريجين، فالخريج يتخرج بشهادة تعليم نظري- فقط- ولا يصاحبها التعليم العملي للتدريب في الورش، والمعامل، فإذا كنا نحتاج إلى تدريب الخريج فلماذا لا نقدمه له ضمن المنهج التعليمي؟، كل هذا يؤكد فشل الحركة الإسلامية في تقديم الأنموذج والمثال في النشاط التعليمي غير مرتبط بالفقه والفكر الإسلامي (الصنعة أمان من الفقر)، حتى الأمثال لا تعتبر بها (لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد)، فنهج الحركة الإسلامية في مجال الاقتصاد الرأسمالي، ونهج التعليم الذي لا يقدم المعرفة العلمية والمهنية، أدى إلى خلق طبقتين- الأولى لديها المال، والعلم، واكتساب المعرفة العلمية، والمهنية، والثانية لديها الفقر والجهل، والمرض، ومتخرج يبحث عن الوظيفة لا عن المهنة.
وفشلت الحركة الإسلامية في تقديم الأنموذج والمثال للعمل والنشاط الإعلامي باتجاه الابتعاد عن الفكر والفقه الإسلامي، واستخدمته لخدمة مصالحها، وكأن الإعلام ملك حصري لها لتحقيق سياستها، وتمرير برامجها الخاصة بالتبشير، والترويج، والتهليل، والتكبير، وتمجيد سياسات محاربة الفقر، والحد منه، وتشغيل الشباب، ودعم الخريجين، والتمويل الأصغر، ودعم الأسر الفقيرة، والدعم الاجتماعي، وكل هذا مجرد طبول إعلامية- فقط- فلا فقراً حاربت، ولا شباباً شغلت، ولا خريجاً فتحت له فرصة عمل، ولا تمويلاً أثمر، ولا دعماً أفاد!.
مارست الحركة الإسلامية- تعمداً وتجاهلاً- مصادرة حقوق الإنسان المواطن السوداني الإعلامية في نيل حقه من الإعلام القومي، وحرية الرأي، والكلمة، ومارست النشاط الإعلامي بالظلم، وسلب حقوق الفرد في الرأي والرأي الآخر، وفكره وثقافته بالقهر التسلطي؛ بحجر الكلمة، والكتابة، والندوات، والتظاهرات، والاجتماعات، والتجمعات.
ونحمد للحركة الإسلامية، وجناحها السياسي المؤتمر الوطني إقامة البنى التحتية، والاستثمار، وإنفاق الأموال في بناء وإنشاء المطارات، والطرق الأسفلتية، والغابات الأسمنتية، والكباري، والجسور، والخزانات، وزيادة الإنتاج الكهربائي، ومد الكهرباء إلى معظم أنحاء البلاد بالتمويل من القروض الخارجية، ولم تطلب القروض من الخارج لإنشاء المشاريع الزراعية الكبرى، أو الشركات والمؤسسات الصناعية الكبرى؛ للحد من العطالة، وفتح فرص العمل، وزيادة الإنتاج، ونمو اقتصاد البلاد، إن كل هذه الإنجازات، والبنى التحتية لا تمثل أولويات البناء الاقتصادي، ولا تسهم في علاج القضايا الملحة لإنسان السودان، وما حققت، ولن تحقق العيش الكريم لإنسان السودان، ولم تجلب له الاستقرار المعيشي، فهو- الآن- مضروب بالفقر، والغلاء، وانخفاض سعر الجنيه، والتضخم، وارتفاع الأسعار، والبطالة، وعدم الحصول على مصادر الكسب، والإنتاج، دفعه كل ذلك إلى الهجرة والنزوح من الريف إلى المدينة، والهجرة خارج السودان إلى المجهول (يا غرق يا جيت حازما)، أو ربما لم يأت.
كل هذا الفشل يؤكد فشل الحركة الإسلامية في تقديم الأنموذج والمثال لتجربة الإسلام، والحكم الصالح، وفشل أنموذج الإسلام هو الحل؛ ولذلك تتحمل الحركة الإسلامية المسؤولية، ووزر الفشل، والأخطاء الفاحشة في حق الإسلام والمسلمين السودانيين إلى يوم الدين

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 9 = أدخل الكود