Untitled Document

ما مدى جودة مناهجنا التعليمية الوطنية ؟

عرض المادة
ما مدى جودة مناهجنا التعليمية الوطنية ؟
118 زائر
08-01-2017
مصعب الريح رُشاش

ما مدى جودة مناهجنا التعليمية الوطنية ؟
مصعب الريح رُشاش
Rushash72@gmail.com

تزايد الجدل مؤخراً بشأن مستوى جودة التعليم في البلاد في أعقاب صدور تقارير من دوائر عالمية مهتمة بالتعليم، احتل فيها السودان مركزاً متأخراً في القوائم التي نشرتها. فإلى جانب تدني نصيب التعليم والبحث العلمي من الموازنات الحكومية السنوية في البلاد، هناك وجه آخر للأزمة يجب النظر إليه بشيء من العمق والتركيز. ويتمثل ذلك الوجه في المناهج الدراسية التي تمثل تحدياً وعنصراً مهماً في القضية. ففي الوقت الذي يشتكي فيه الكثيرون من أن المناهج الدراسية في التعليم الجامعي بات يغلب عليها الجمود وعدم التجدد وعدم مواكبة التطور المتسارع للمعارف والعلوم، تعاني المناهج الدراسية في المراحل الأساسية من نوع مختلف من المشكلات. فقد باتت تلك المناهج تعاني ترهلاً ملحوظاً في المواد الدراسية في وقت تراجعت فيه المساحة المخصصة للمواد الأساسية مثل: الرياضيات والعلوم التطبيقية و اللغة العربية والإنجليزية والحاسوب.
وبعيداً عن التجريد فإن مقرر السنة الخامسة الأساسية فقط يتضمن مادة منفصلة للقرءان الكريم تشتمل على السور الكريمة التالية الحديد، الواقعة، الرحمن، القمر، النجم، الطور، الذاريات وسورة ( ق)، إضافة إلى دروس التجويد في ذات الكتاب. وفي ذات الوقت يتضمن المنهج كتاب الفقه وهو يمثل مادة منفصلة. كل تلك السور الكريمة الطويلة مقررة لأطفال في سن العاشرة، بينما كان مقرر القرءان لطلاب الشهادة السودانية قبل عقدين من الزمان يتكون من سورتَيْ النور والحجرات فقط .
بعيداً عن العاطفة دعونا نناقش المادة التي يدرسها طلاب الأساس من القرءان الكريم، فيما يلي من نقاط.
أولاً : إن القرءان الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسوله الكريم يحمل في طياته منهجاً متكاملاً يهدي للتي هي أقوم، وتدعو معظم آياته القارئ للتدبر والتأمل والتفكر، و بالتالي تتحقق رسالة القرءان بالفهم في المقام الأول وليس مجرد الحفظ . وعندما نقول بذلك ندرك أهمية حفظ القرءان الكريم، بل والأجر والخير الكثير الذي يصيب المرء لمجرد تلاوته، ولكننا نناقش الأمر هنا من زاوية دراسة القرءان الكريم بوصفه مادة دراسية ضمن منهج مدرسي ضاغط ضيِّق الوقت يخص أطفال صغار السن، لم يبلغوا سن التكليف الشرعي بعد. لذلك في تقديري أنه من المفيد جداً اختيار المادة القرءانية في تلك المراحل الأساسية على أسس أكثر علمية، من أهمها اختيار السور والآيات ذات المعاني الأقرب لفهم و مقدرات الأطفال العقلية.
ثانياً: يتناول القرءان الكريم مختلف الموضوعات التي تتعلق بالعقيدة، الشعائر، الشرائع في الإسلام والأديان السماوية الأخرى، قصص الأمم السابقة، مجريات الأحداث في مجتمع مكة والمدينة خلال فترة الوحي، الغزوات والشريعة الإسلامية، وغير ذلك من الموضوعات المتنوعة. وفي تقديري أنه من غير المفيد أن يدرس طلاب الأساس سور القرءان المشتملة على موضوعات الطلاق أو الميراث، مثلاً، علماً بأن الطفل نفسه في تلك السن لم يبلغ مرحلة التكليف بالدين، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ففي هذه المرحلة من المفيد أن تركز المناهج على السور والآيات التي تتناول القيم الفاضلة كالحق والخير والصدق و الأمانة والمحبة والتسامح والإيثار و التضحية والعمل واحترام الوقت و نحو ذلك من القيم. ففي تقديري أن المناهج في فترة الدراسة الأولية تستهدف التربية ابتداءً، ولذلك يجب أن نبحث في المواد التعليمية عن الموضوعات التي تركز على غرس القيم والسلوك القويم بشكل مباشر كسباً للوقت والجهد وتحقيقاً للهدف المباشر.
ثالثاً : تعاني المجتمعات المسلمة بشكل عام من اتساع الفجوة الكائنة ما بين المنهج والسلوك. فالواقع يحكي بأننا بتنا من أقل الأمم تسامحاً وأمناً وأقلها حباً للعمل والتضحية و احتراماً للوقت والآخر. وفي تقديري أن ذلك يحدث لسببين: أولهما أن المناهج يتم تقديمها للمتلقين في المراحل البنائية في شكلها الخام، بحيث يصعب هضمها وتمثيلها و بالتالي يصبح هم الطلاب منصباً على حفظها فقط، لدواعي النجاح و من ثم نسيانها تلقائياً عند تجاوزها إلى الصف التالي. والسبب الثاني يتمثل في أن الناس كثيراً ما يكتشفون القيم المضمنة في النصوص في مرحلة اليأس، حيث يكون سلوك الفرد قد تبلور في وقت سابق و بالتالي يصبح ما يكتشفه لاحقاً من القيم بمثابة ما يفضله الناس نظرياً و يعجزون عن التمثل به عملياً.
رابعاً: إن تناول القضايا العامة يؤتي ثماره إذا ما وضع نصب عينه الحقيقة الاجتماعية ولم يتجاوزها ليطعن الظل. فكل ولي أمر تلميذ عندما يدخل ابنه المدرسة يطمح إجمالاً في أن يرسم له من خلال التعليم مستقبلاً عملياً جيداً ومهنة يكسب منها عيشاً كريماً ويحقق عبرها مكانة اجتماعية طيبة. وذلك طموح مشروع وهدف سامي لا يختلف اثنان بشأنه، فلماذا يصر ولاة الشأن العام على تقليص مساحة المواد التعليمية التي تمهد الطريق إلى تحقيق المستقبل المهني الذي يصبو إليه الطلاب وأسرهم على سواء؟ لماذا الإصرار على الحط من شأن مثل هذه العلوم التي تمثل مفاتيح شفرات تقدم الأمم وقوتها ورفعة شأنها بين الأمم؟. في تقديري أنه ليس ثمة من يقدم إجابة ضافية عن مثل تلك التساؤلات، ولكن الواقع يفيد بأن الكثير من كبار المسؤولين في الدولة وأصحاب الثروات أخذوا يهربون علناً بأبنائهم من مدارسنا التقليدية ويلحقونهم سراً بمدارس أجنبية تدرس مناهج مختلفة عن مناهجنا السودانية.
خامساً : لقد ظل المجتمع السوداني التقليدي يؤدي دور الموئل الأبرز للقيم فالأطفال يكتسبون مفاهيمهم وسلوكهم من الأسرة والمجتمع بشكل أساسي، بيد أن ذلك النمط التقليدي بقى عاجزاً عن تزويد الأجيال بالقيم التي تدعم الحياة المعاصرة. ففي حين ترسم المنظومة القيمية التقليدية للفرد الطقوس الاجتماعية المختلفة والتقاليد التي يجب عليه أداءها، تعجز تلك المنظومة عن تحفيز الأفراد على التعامل مع النظام البيئي، مثلاً. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الدين على أن إماطة الأذى عن الطريق تمثل أدنى شعب الإيمان البالغة بضع وسبعون شعبة، تمتلئ طرقاتنا بالقمامة و نعيش في أكثر البيئات الحضرية تلوثاً واتساخاً على مستوى العالم.
لذلك في تقديري يجب أن تركز المادة التعليمية الدينية على تلبية حاجة المجتمعات لمثل هذه القيم التي ستسهم بشكل كبير في تحسين الأوضاع المعيشية والإنسانية ورسم صورة لمجتمع مستنير آمن متسامح نظيف البيئة. وهذه القيم موجودة قطعاً في النصوص القرءانية و الأحاديث الشريفة، فقط يحتاج الأمر إلى جهد عقلي كبير في اختيار المناهج الدينية وتجنب الزخم والكم الهائل الذي يأتي على حساب الكيف والمعاني.
//
حسن

ما مدى جودة مناهجنا التعليمية الوطنية ؟
مصعب الريح رُشاش
Rushash72@gmail.com

تزايد الجدل مؤخراً بشأن مستوى جودة التعليم في البلاد في أعقاب صدور تقارير من دوائر عالمية مهتمة بالتعليم، احتل فيها السودان مركزاً متأخراً في القوائم التي نشرتها. فإلى جانب تدني نصيب التعليم والبحث العلمي من الموازنات الحكومية السنوية في البلاد، هناك وجه آخر للأزمة يجب النظر إليه بشيء من العمق والتركيز. ويتمثل ذلك الوجه في المناهج الدراسية التي تمثل تحدياً وعنصراً مهماً في القضية. ففي الوقت الذي يشتكي فيه الكثيرون من أن المناهج الدراسية في التعليم الجامعي بات يغلب عليها الجمود وعدم التجدد وعدم مواكبة التطور المتسارع للمعارف والعلوم، تعاني المناهج الدراسية في المراحل الأساسية من نوع مختلف من المشكلات. فقد باتت تلك المناهج تعاني ترهلاً ملحوظاً في المواد الدراسية في وقت تراجعت فيه المساحة المخصصة للمواد الأساسية مثل: الرياضيات والعلوم التطبيقية و اللغة العربية والإنجليزية والحاسوب.
وبعيداً عن التجريد فإن مقرر السنة الخامسة الأساسية فقط يتضمن مادة منفصلة للقرءان الكريم تشتمل على السور الكريمة التالية الحديد، الواقعة، الرحمن، القمر، النجم، الطور، الذاريات وسورة ( ق)، إضافة إلى دروس التجويد في ذات الكتاب. وفي ذات الوقت يتضمن المنهج كتاب الفقه وهو يمثل مادة منفصلة. كل تلك السور الكريمة الطويلة مقررة لأطفال في سن العاشرة، بينما كان مقرر القرءان لطلاب الشهادة السودانية قبل عقدين من الزمان يتكون من سورتَيْ النور والحجرات فقط .
بعيداً عن العاطفة دعونا نناقش المادة التي يدرسها طلاب الأساس من القرءان الكريم، فيما يلي من نقاط.
أولاً : إن القرءان الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسوله الكريم يحمل في طياته منهجاً متكاملاً يهدي للتي هي أقوم، وتدعو معظم آياته القارئ للتدبر والتأمل والتفكر، و بالتالي تتحقق رسالة القرءان بالفهم في المقام الأول وليس مجرد الحفظ . وعندما نقول بذلك ندرك أهمية حفظ القرءان الكريم، بل والأجر والخير الكثير الذي يصيب المرء لمجرد تلاوته، ولكننا نناقش الأمر هنا من زاوية دراسة القرءان الكريم بوصفه مادة دراسية ضمن منهج مدرسي ضاغط ضيِّق الوقت يخص أطفال صغار السن، لم يبلغوا سن التكليف الشرعي بعد. لذلك في تقديري أنه من المفيد جداً اختيار المادة القرءانية في تلك المراحل الأساسية على أسس أكثر علمية، من أهمها اختيار السور والآيات ذات المعاني الأقرب لفهم و مقدرات الأطفال العقلية.
ثانياً: يتناول القرءان الكريم مختلف الموضوعات التي تتعلق بالعقيدة، الشعائر، الشرائع في الإسلام والأديان السماوية الأخرى، قصص الأمم السابقة، مجريات الأحداث في مجتمع مكة والمدينة خلال فترة الوحي، الغزوات والشريعة الإسلامية، وغير ذلك من الموضوعات المتنوعة. وفي تقديري أنه من غير المفيد أن يدرس طلاب الأساس سور القرءان المشتملة على موضوعات الطلاق أو الميراث، مثلاً، علماً بأن الطفل نفسه في تلك السن لم يبلغ مرحلة التكليف بالدين، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ففي هذه المرحلة من المفيد أن تركز المناهج على السور والآيات التي تتناول القيم الفاضلة كالحق والخير والصدق و الأمانة والمحبة والتسامح والإيثار و التضحية والعمل واحترام الوقت و نحو ذلك من القيم. ففي تقديري أن المناهج في فترة الدراسة الأولية تستهدف التربية ابتداءً، ولذلك يجب أن نبحث في المواد التعليمية عن الموضوعات التي تركز على غرس القيم والسلوك القويم بشكل مباشر كسباً للوقت والجهد وتحقيقاً للهدف المباشر.
ثالثاً : تعاني المجتمعات المسلمة بشكل عام من اتساع الفجوة الكائنة ما بين المنهج والسلوك. فالواقع يحكي بأننا بتنا من أقل الأمم تسامحاً وأمناً وأقلها حباً للعمل والتضحية و احتراماً للوقت والآخر. وفي تقديري أن ذلك يحدث لسببين: أولهما أن المناهج يتم تقديمها للمتلقين في المراحل البنائية في شكلها الخام، بحيث يصعب هضمها وتمثيلها و بالتالي يصبح هم الطلاب منصباً على حفظها فقط، لدواعي النجاح و من ثم نسيانها تلقائياً عند تجاوزها إلى الصف التالي. والسبب الثاني يتمثل في أن الناس كثيراً ما يكتشفون القيم المضمنة في النصوص في مرحلة اليأس، حيث يكون سلوك الفرد قد تبلور في وقت سابق و بالتالي يصبح ما يكتشفه لاحقاً من القيم بمثابة ما يفضله الناس نظرياً و يعجزون عن التمثل به عملياً.
رابعاً: إن تناول القضايا العامة يؤتي ثماره إذا ما وضع نصب عينه الحقيقة الاجتماعية ولم يتجاوزها ليطعن الظل. فكل ولي أمر تلميذ عندما يدخل ابنه المدرسة يطمح إجمالاً في أن يرسم له من خلال التعليم مستقبلاً عملياً جيداً ومهنة يكسب منها عيشاً كريماً ويحقق عبرها مكانة اجتماعية طيبة. وذلك طموح مشروع وهدف سامي لا يختلف اثنان بشأنه، فلماذا يصر ولاة الشأن العام على تقليص مساحة المواد التعليمية التي تمهد الطريق إلى تحقيق المستقبل المهني الذي يصبو إليه الطلاب وأسرهم على سواء؟ لماذا الإصرار على الحط من شأن مثل هذه العلوم التي تمثل مفاتيح شفرات تقدم الأمم وقوتها ورفعة شأنها بين الأمم؟. في تقديري أنه ليس ثمة من يقدم إجابة ضافية عن مثل تلك التساؤلات، ولكن الواقع يفيد بأن الكثير من كبار المسؤولين في الدولة وأصحاب الثروات أخذوا يهربون علناً بأبنائهم من مدارسنا التقليدية ويلحقونهم سراً بمدارس أجنبية تدرس مناهج مختلفة عن مناهجنا السودانية.
خامساً : لقد ظل المجتمع السوداني التقليدي يؤدي دور الموئل الأبرز للقيم فالأطفال يكتسبون مفاهيمهم وسلوكهم من الأسرة والمجتمع بشكل أساسي، بيد أن ذلك النمط التقليدي بقى عاجزاً عن تزويد الأجيال بالقيم التي تدعم الحياة المعاصرة. ففي حين ترسم المنظومة القيمية التقليدية للفرد الطقوس الاجتماعية المختلفة والتقاليد التي يجب عليه أداءها، تعجز تلك المنظومة عن تحفيز الأفراد على التعامل مع النظام البيئي، مثلاً. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الدين على أن إماطة الأذى عن الطريق تمثل أدنى شعب الإيمان البالغة بضع وسبعون شعبة، تمتلئ طرقاتنا بالقمامة و نعيش في أكثر البيئات الحضرية تلوثاً واتساخاً على مستوى العالم.
لذلك في تقديري يجب أن تركز المادة التعليمية الدينية على تلبية حاجة المجتمعات لمثل هذه القيم التي ستسهم بشكل كبير في تحسين الأوضاع المعيشية والإنسانية ورسم صورة لمجتمع مستنير آمن متسامح نظيف البيئة. وهذه القيم موجودة قطعاً في النصوص القرءانية و الأحاديث الشريفة، فقط يحتاج الأمر إلى جهد عقلي كبير في اختيار المناهج الدينية وتجنب الزخم والكم الهائل الذي يأتي على حساب الكيف والمعاني.
//
حسن








مصعب الريح رُشاش
Rushash72@gmail.com

تزايد الجدل مؤخراً بشأن مستوى جودة التعليم في البلاد في أعقاب صدور تقارير من دوائر عالمية مهتمة بالتعليم، احتل فيها السودان مركزاً متأخراً في القوائم التي نشرتها. فإلى جانب تدني نصيب التعليم والبحث العلمي من الموازنات الحكومية السنوية في البلاد، هناك وجه آخر للأزمة يجب النظر إليه بشيء من العمق والتركيز. ويتمثل ذلك الوجه في المناهج الدراسية التي تمثل تحدياً وعنصراً مهماً في القضية. ففي الوقت الذي يشتكي فيه الكثيرون من أن المناهج الدراسية في التعليم الجامعي بات يغلب عليها الجمود وعدم التجدد وعدم مواكبة التطور المتسارع للمعارف والعلوم، تعاني المناهج الدراسية في المراحل الأساسية من نوع مختلف من المشكلات. فقد باتت تلك المناهج تعاني ترهلاً ملحوظاً في المواد الدراسية في وقت تراجعت فيه المساحة المخصصة للمواد الأساسية مثل: الرياضيات والعلوم التطبيقية و اللغة العربية والإنجليزية والحاسوب.
وبعيداً عن التجريد فإن مقرر السنة الخامسة الأساسية فقط يتضمن مادة منفصلة للقرءان الكريم تشتمل على السور الكريمة التالية الحديد، الواقعة، الرحمن، القمر، النجم، الطور، الذاريات وسورة ( ق)، إضافة إلى دروس التجويد في ذات الكتاب. وفي ذات الوقت يتضمن المنهج كتاب الفقه وهو يمثل مادة منفصلة. كل تلك السور الكريمة الطويلة مقررة لأطفال في سن العاشرة، بينما كان مقرر القرءان لطلاب الشهادة السودانية قبل عقدين من الزمان يتكون من سورتَيْ النور والحجرات فقط .
بعيداً عن العاطفة دعونا نناقش المادة التي يدرسها طلاب الأساس من القرءان الكريم، فيما يلي من نقاط.
أولاً : إن القرءان الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسوله الكريم يحمل في طياته منهجاً متكاملاً يهدي للتي هي أقوم، وتدعو معظم آياته القارئ للتدبر والتأمل والتفكر، و بالتالي تتحقق رسالة القرءان بالفهم في المقام الأول وليس مجرد الحفظ . وعندما نقول بذلك ندرك أهمية حفظ القرءان الكريم، بل والأجر والخير الكثير الذي يصيب المرء لمجرد تلاوته، ولكننا نناقش الأمر هنا من زاوية دراسة القرءان الكريم بوصفه مادة دراسية ضمن منهج مدرسي ضاغط ضيِّق الوقت يخص أطفال صغار السن، لم يبلغوا سن التكليف الشرعي بعد. لذلك في تقديري أنه من المفيد جداً اختيار المادة القرءانية في تلك المراحل الأساسية على أسس أكثر علمية، من أهمها اختيار السور والآيات ذات المعاني الأقرب لفهم و مقدرات الأطفال العقلية.
ثانياً: يتناول القرءان الكريم مختلف الموضوعات التي تتعلق بالعقيدة، الشعائر، الشرائع في الإسلام والأديان السماوية الأخرى، قصص الأمم السابقة، مجريات الأحداث في مجتمع مكة والمدينة خلال فترة الوحي، الغزوات والشريعة الإسلامية، وغير ذلك من الموضوعات المتنوعة. وفي تقديري أنه من غير المفيد أن يدرس طلاب الأساس سور القرءان المشتملة على موضوعات الطلاق أو الميراث، مثلاً، علماً بأن الطفل نفسه في تلك السن لم يبلغ مرحلة التكليف بالدين، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ففي هذه المرحلة من المفيد أن تركز المناهج على السور والآيات التي تتناول القيم الفاضلة كالحق والخير والصدق و الأمانة والمحبة والتسامح والإيثار و التضحية والعمل واحترام الوقت و نحو ذلك من القيم. ففي تقديري أن المناهج في فترة الدراسة الأولية تستهدف التربية ابتداءً، ولذلك يجب أن نبحث في المواد التعليمية عن الموضوعات التي تركز على غرس القيم والسلوك القويم بشكل مباشر كسباً للوقت والجهد وتحقيقاً للهدف المباشر.
ثالثاً : تعاني المجتمعات المسلمة بشكل عام من اتساع الفجوة الكائنة ما بين المنهج والسلوك. فالواقع يحكي بأننا بتنا من أقل الأمم تسامحاً وأمناً وأقلها حباً للعمل والتضحية و احتراماً للوقت والآخر. وفي تقديري أن ذلك يحدث لسببين: أولهما أن المناهج يتم تقديمها للمتلقين في المراحل البنائية في شكلها الخام، بحيث يصعب هضمها وتمثيلها و بالتالي يصبح هم الطلاب منصباً على حفظها فقط، لدواعي النجاح و من ثم نسيانها تلقائياً عند تجاوزها إلى الصف التالي. والسبب الثاني يتمثل في أن الناس كثيراً ما يكتشفون القيم المضمنة في النصوص في مرحلة اليأس، حيث يكون سلوك الفرد قد تبلور في وقت سابق و بالتالي يصبح ما يكتشفه لاحقاً من القيم بمثابة ما يفضله الناس نظرياً و يعجزون عن التمثل به عملياً.
رابعاً: إن تناول القضايا العامة يؤتي ثماره إذا ما وضع نصب عينه الحقيقة الاجتماعية ولم يتجاوزها ليطعن الظل. فكل ولي أمر تلميذ عندما يدخل ابنه المدرسة يطمح إجمالاً في أن يرسم له من خلال التعليم مستقبلاً عملياً جيداً ومهنة يكسب منها عيشاً كريماً ويحقق عبرها مكانة اجتماعية طيبة. وذلك طموح مشروع وهدف سامي لا يختلف اثنان بشأنه، فلماذا يصر ولاة الشأن العام على تقليص مساحة المواد التعليمية التي تمهد الطريق إلى تحقيق المستقبل المهني الذي يصبو إليه الطلاب وأسرهم على سواء؟ لماذا الإصرار على الحط من شأن مثل هذه العلوم التي تمثل مفاتيح شفرات تقدم الأمم وقوتها ورفعة شأنها بين الأمم؟. في تقديري أنه ليس ثمة من يقدم إجابة ضافية عن مثل تلك التساؤلات، ولكن الواقع يفيد بأن الكثير من كبار المسؤولين في الدولة وأصحاب الثروات أخذوا يهربون علناً بأبنائهم من مدارسنا التقليدية ويلحقونهم سراً بمدارس أجنبية تدرس مناهج مختلفة عن مناهجنا السودانية.
خامساً : لقد ظل المجتمع السوداني التقليدي يؤدي دور الموئل الأبرز للقيم فالأطفال يكتسبون مفاهيمهم وسلوكهم من الأسرة والمجتمع بشكل أساسي، بيد أن ذلك النمط التقليدي بقى عاجزاً عن تزويد الأجيال بالقيم التي تدعم الحياة المعاصرة. ففي حين ترسم المنظومة القيمية التقليدية للفرد الطقوس الاجتماعية المختلفة والتقاليد التي يجب عليه أداءها، تعجز تلك المنظومة عن تحفيز الأفراد على التعامل مع النظام البيئي، مثلاً. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الدين على أن إماطة الأذى عن الطريق تمثل أدنى شعب الإيمان البالغة بضع وسبعون شعبة، تمتلئ طرقاتنا بالقمامة و نعيش في أكثر البيئات الحضرية تلوثاً واتساخاً على مستوى العالم.
لذلك في تقديري يجب أن تركز المادة التعليمية الدينية على تلبية حاجة المجتمعات لمثل هذه القيم التي ستسهم بشكل كبير في تحسين الأوضاع المعيشية والإنسانية ورسم صورة لمجتمع مستنير آمن متسامح نظيف البيئة. وهذه القيم موجودة قطعاً في النصوص القرءانية و الأحاديث الشريفة، فقط يحتاج الأمر إلى جهد عقلي كبير في اختيار المناهج الدينية وتجنب الزخم والكم الهائل الذي يأتي على حساب الكيف والمعاني.



























   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية