Untitled Document

الموت الدماغي .. جدلية الفقه والعلم..

عرض المادة



!

لا حد يجهل الموت .. لكن نحن هنا نتساءل أتدرون ماهو الموت الدماغي؟ وهل يتخيل أحدكم بإنه قد يصبح أحد ضحاياه! تلجمنا الدهشة لمعرفة ذاك الموت!
ومما استوقفنى كلمة أطلقها د.طارق الهادي من خلال مؤتمر الطب العدلي العالمي الأول للطب العدلي والعلوم الطبية العدلية بالخرطوم خلال تقديمه لورقة حول الطب الحرج بقوله " أنا كطبيب ممكن ملاحقتي جنائياً إذا نزعت جهازاً عن مريض توفى دماغياً، لاستوقفه ومن ثم أبدأ البحث في الموت الدماغي والمخاطر التي يواجها الأطباء مع أنهم ليسوا مجرمين حتى يصبح القانون الحد الفاصل بينهم والتطور العلمي العالمي على الرغم من تطور مجال الطب إلاّ أن بلادي لا تزال في الحقبة الماضية معتمدة على نبضات القلب لتسمية الإنسان ميتاً ولا أدري لماذا لا يغَّير القانون ليساير التطور العلمي؟ ليبقى السؤال إلى متى يظل الجدل بين الأطباء والفقهاء والقانونيين؟ ومن المستفيد؟
تحقيق: حمد سليمان الخضر
تعريف الموت الإكلينيكي
الموت الإكلينيكي أو الموت السريري هو موت الدماغ وحقيقة الموت الدماغي طبياً هو توقف وظائف الدماغ توقفاً لا رجعة فيه، بينما اختلف أهل الاختصاص الطبي في تحديد هذا التوقف على رأيين حيث أشار الرأي الأول وهو رأي المدرسة الأمريكية إلى أن موت الدماغ هو توقف جميع وظائف الدماغ (المخ ، المخيخ، وجزع الدماغ) توقفاً نهائياً لا رجعة فيه، بينما الرأي الثاني وهو رأي المدرسة البريطانية يشير إلى أن موت الدماغ يعني توقف وظائف جزع الدماغ فقط توقفاً نهائياً لا رجعة فيه .
فذلكة تاريخية حول الموت الدماغي
لم يكن معروفاً الموت الدماغي إلاّ بعد اكتشافه من قبل المدرسة الفرنسية عام 1959 وقامت بتحديد مواصفات محددة تتحدث عن موت الدماغ وتمت تسميته بـ(مرحلة ما بعد الإغماء) (Coma depasse)، وبدأ الأطباء الفرنسيون يحددون بعض المعالم لموت الدماغ، بينما القلب لا يزال ينبض، والدورة الدموية لا تزال سارية إلى جميع أجزاء الجسم ما عدا الدماغ. ومن ثم ظهرت المدرسة الأمريكية المتمثلة في اللجنة الخاصة من جامعة هارفارد (Ad Hoc Committee) عام 1968، والتي قامت بدراسة موضوع موت الدماغ، ووضعت مواصفاتها الخاصة له تتمثل في الإغماء الكامل وعدم الاستجابة للمؤثرات، وتوقف الحركة أي (تلاحظ الجثة لمدة ساعة على الأقل)، وعدم التنفس (عند إيقاف المنفسة)، مع عدم توفر أي من الأفعال المنعكسة، وغياب نشاط المخ عند نتائج الرسم كهربائياً (Flat E.E.G)، ثم قامت مجموعة مينيسوتا (عام 1971)، بتقديم مواصفات مشابهة مع اختلاف في التفاصيل لتشخيص موت الدماغ، ودرست الجمعية الطبية الدولية المنعقدة في سيدني بأستراليا عام 1968 موت الدماغ، كما درسه في نفس العام المؤتمر العالمي المنعقد في جنيف في 13 ــ 14 يونيو 1968، بينما قامت الكليات الملكية البريطانية للأطباء بتكوين لجان خاصة لدراسة موت الدماغ، وأصدرت توصياتها، وتعريفاتها لموت الدماغ عام 1976 وعام 1979.
نماذج للموت الدماغي
عدد من الأشخاص ماتوا دماغياً ورغم المحاولات لأبقائهم على الحياة فشلت ومن ضمن تلك النماذج وفاة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، أرييل شارون، حيث استمرت غيبوبته مدة 8 سنوات بعد إصابته بسكتة دماغية، وبعدها تمت إذاعة وفاته، من ضمن النماذج أيضاً وفاة الأمير الوليد بن خالد بن طلال آل سعود، بعد غيبوبة استمرت 11 عاماً، إثر تعرضه لحادث سير في العاصمة البريطانية لندن بعد رفض الأمير خالد بن طلال ، فصل الأجهزة عن نجله بعد أن أعلن الأطباء يأسهم من تحسّن حالته، بعد تأكدهم من موته دماغياً.
مواقف بعض المجامع الفقيه في العالم الإسلامي
بدأ الجدل الديني حول الموت الدماغي منذ السبعينيات وبداية الثمانينيات ففي العالم الإسلامي بدأت المحافل والمجامع الفقهية تناقش هذه القضية الحيوية باجتماعات مطولة مشتركة بين الأطباء والفقهاء، حيث بادرت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالتباحث في الأمر وتم عقد ندوة (الحياة الإنسانية، بدايتها ونهايتها) في 24 ربيع الآخر 1405هـ/ 15 يناير 1985 في مدينة الكويت، وباشتراك مجموعة من الأطباء والفقهاء، ومن ثم ناقش مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذه القضية في دورته الثانية المنعقدة بجدة (10 ـ 16 ربيع الثاني 1406هـ/ 22 ـ 28 ديسمبر 1985)، وبعد مناقشات مستفيضة قرر تأجيل البت في هذا الموضوع إلى الدورة التالية، والتي عقدت في عمان (الأردن) (8 ـ 13 صفر 1407هـ/ 11 ـ 16 أكتوبر 1986) وأصدرت القرار (رقم 5) بشأن أجهزة الإنعاش حيث قرر المجمع: (أن الشخص قد مات، وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعًا على الوفاة إذا تبينت فيه توقف قلبه وتنفسه توقفًا تامٌّا، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه وتعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائيٌّا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل.
أما المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بحث الموت الدماغي في دورتيه الثامنة والتاسعة وأصدر قراره في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة (1408هـ) وأجاز رفع الأجهزة بيد أنه لم يُعدّ الشخص ميتًا من الناحية الشرعية، ولا تسري عليه أحكام الموت إلا بعد توقف قلبه ودورته الدموية، وبعد موافقة رأي الدين للموت الدماغي بلغت حالات الوفاة المسجلة في المملكة العربية السعودية منذ نهاية عام 1986 (عندما صدرت الفتوى في أكتوبر 1986) وحتى نهاية (2001) 2.255 حالة وفاة دماغية.

الأطباء ما بين القصاص والسجن
تحدث اللواء حقوقي بابكر الصائم بابكر موضحاً لـ(التيار) موقف القانون السوداني في الأمر وتابع بالقول:"عرف القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م القتل في المادة 129 بالآتي (القتل هو تسبيب موت إنسان حي عن عمد أو خطأ) وعرفت المادة 130 من نفس القانون القتل العمد بإنه (يعد القتل قتلا عمداً إذا قصده الجاني أو إذا قصد الفعل وكان الموت نتيجة راجحة لفعلة) وبذلك إعتبر القانون أن مجرد علم الفاعل أن الموت سيكون نتيجة راجحة لفعله ولو لم يقصده لذاته فإنه يكون قاتلاً متعمداً ، وبذلك فإن رفع الأجهزة عن مريض لازال على قيد الحياة ولو كان الموت متوقعاً له ويعلم أن ذلك سيترتب عليه موت ذلك المريض يعتبر قتلاً متعمداً له، ومن وصف فعله بإنه يريد إنقاذ حياة مريض آخر متوقع استفادته من الأجهزة يصبح تحت طائلة حكم المادة 15 من نفس القانون التي تنص على (لا يعد مرتكباً جريمة الشخص الذي ألجأته إلى الفعل حالة ضرورة لوقاية نفسه أو عرضه أو ماله أو نفس الغير من خطر جسيم محدق لم يتسبب هو فيه قصداً ، ولم يكن في قدرته اتقاؤه بوسيلة أخرى بشرط ألاّ يترتب على الفعل ضرر مثل الضرر المراد اتقاؤه أو أكبر منه على أنه لا تبيح الضرورة القتل إلاّ في أداء الواجب). مما تقدم يتضح أن رفع الأجهزة عن المريض مع علم أن ذلك قد يؤدى إلى موته يعتبر قتلاً عمداً يعاقب عليه في القانون السوداني بالقصاص أو السجن في حالة سقوط القصاص".
القانون المدني السوداني يدين الطبيب
وأوضح الصائم بأن القانون المدني فيه مساءلة مدنية حول الأمر بموجب قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م وتابع :"المادة 22(8) تقرأ : لكل من وقع عليه اعتداء غير مشروع في حق من الحقوق الملازمة لشخصيته أن يطلب وقف هذا الاعتداء مع التعويض عما يكون قد لحقه من ضرر" وتابع بابكر كذلك "المادة 142(1) وتقرأ : كل فعل سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض ولو كان غير مميز، أما المادة 142(1) وتقرأ: الضرورات تبيح المحظورات ولكنها تقدر بقدرها، كذلك المادة 143 وتقرأ: يختار أهون الشرين فإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضرراً بإرتكاب أخفها، ويزال الضرر الأشد بالضرر الأخف ولكن الإضرار لا يبطل حق الغير إبطالاً كلياً، بينما من أضطر إلى أن يلحق ضرراً بالغير ليتفادى ضرراً أكبر محدقاً به أو بغيره لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً وعادلاً ، أما المادة 146 وتقرأ أن يكون المتبوع مسئولا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بفعله الضار متى كان واقعاً منه في حالة تأديته عمله أو بسببه، فيما تقوم رابطة التبعية ولو لم يكون المتبوع حراً في اختيار تابعه متى كانت له عليه سلطة فعلية في رقابته وفي توجيهه. والمادة 158وتقرأ: يقع باطلاً كل شرط أو نص يقضي بالإعفاء من المسئولية المترتبة على الفعل الضار"
القانون السوداني لا يجيز إزالة الأجهزة
وتابع الصائم:" من خلال هذه النصوص يتضح أنه ولو افترضنا إعفاء الفاعل من المسئولية الجنائية فإن هناك مسئولية مدنية على الفاعل والجهة المخدمة لا يجوز الإتفاق على الإعفاء منها فقاعدة دفع الضرر الأشد بالأخف المنصوص عليها في المادة 28(5) من نفس القانون لا تعفي من المسئولية وإنما تخففها، وعليه من خلال ما تم ذكره ورغم الأهمية الطبية والمسئولية العظمى التي تقع على عاتق الطبيب من خلال ما ورد في الأوراق المقدمة يتضح أن القانون السوداني لا يجيز إزالة الأجهزة عن مريض بغرض إنقاذ آخر ، وبما أن كل مسير في المجتمع يتم تنظيمها وفق ما خطه القانون فيتوجب أن يتم توفيق الضرورات الطبية حتى لا يكون الطبيب عرضة للمساءلة القانونية " وأوصى بابكر في الختام بقوله :" أوصي بإعداد مقترح لتعديل القانون الجنائي السوداني وقانون المعاملات المدنية بحيث يتيح إزالة الأجهزة عن المريض الميئوس من حالته للضرورة وفق الضوابط الشرعية والطبية"
الموت الدماغي
جدلية الفقه والعلم..!


لا غرابة أن نموت، لكن الغريب أن يكشف العلم تعريف للموت عكس ما كنا نعتقده، ومع ذلك يظل الكثيرون لا يصدقون بلا حجة علمية تناقض ما تم إثباته، وعندما تصيب أحدنا علة يذهب للطبيب ليأتمنه على حياته مع أمل الشفاء، ويكشف موطن الداء دون تردد، هكذا هم الأطباء ومع أنهم يتقاسمون الأنين مع مرضاهم ويتحسسون أوجاعهم، بينما يظل أحدهم موضع شك إذا أثبت بأن المريض لا يأمل في شفائه، وقد توفى دماغياً.
تحقيق: حمد سليمان الخضر
مابين موت القلب والدماغ
ابتدر استشاري الباطنية والطب الحرج بمستشفى سوبا الجامعي د. إيهاب بابكر طراوة، حديثه لـ(التيار) معرفاً الفرق بين توقف القلب والموت الدماغي، وتابع بالقول :"أحياناً الوفاة الدماغية تكون قبل وفاة القلب، وأحياناً وفاة القلب تكون قبل الدماغ، وتوقف التنفس والقلب لفترة ما لم يحدث الانعاش خلال أربع أو خمس دقائق، ومع الاستمرار لفترة عشر دقائق تحدث وفاة الدماغ ومن ثم الموت".
مراحل حدوث الوفاة
أشار طراوة إلى أن الوفاة تحدث في مراحل ولو توقف التنفس العادي ليست هناك إشكالية نسبة لوجود الأجهزة الصناعية التي تقوم بدور التنفس ويحدث التبادل العادي، ومع ذلك يظل المريض يتعاطى الأدوية والعقاقير، لطالما أنه في عناية الطبيب وتحت الأجهزة، فالأدوية تقوم بتنشيط القلب كالـ(الادرنالين) مثلاً بغض النظر عن المخ إذا كان يعمل أم لا، وفي حالة تعطل المخ تظل حركة القلب عادية مع المحافظة التامة على الدور الذي يقوم به كضخ الدم في الشرايين. وتابع إيهاب قوله :" بالنسبة لي شخصياً لطالما جزع المخ تعطل يمكن أن تكون طبيعة الجسد عادية وكل الوظائف تقوم بدورها تحت تأثير الأجهزة، ولكن في الحقيقة هي وفاة وموت محقق لا رجعة فيه، والدليل على ذلك بعد إيقاف الأجهزة تتوقف وظائف الجسد حتى ولو ظل القلب ينبض، لأن نبض القلب لا يعني حياة، أحياناً تحدث الوفاة الدماغية ويظل القلب ينبض تحت تأثير الأجهزة لشهر أو ثلاثة أسابيع، ولحكمة ربنا أوجد خاصية في القلب يظل ينبض لوحده حتى ولو فصلناه عن الجسد، لأن حركته طبيعية، فقد جعل الله لعضلة القلب خاصية الانقباض والانبساط بتلقائية طالما أنها تحصل على أوكسجين وجلكوز، وكذلك يمكن تنشيطها بالعقاقير.
توقف جزع المخ يعني الموت حتى ولو ظل القلب ينبض
بَيّن استشاري الباطنية والطب الحرج، تعريف الموت بأنه ورد في معظم المعاجم وعرف بانقطاع الحياة بصورة كلية ومن غير رجعة، وتابع بالقول: "أفضل تعريف هو ما ورد في الأديان ويتسم بالفعل والإيجابية، بحيث يعرف الموت بخروج الروح من الجسد، لكن المشكلة تكمن في لحظة خروج الروح، فلا يمكن إدراكه بالعلم البشري لأنه شيء إلهي، ومن أمر الله، لكن نحن بشراً فقط نعرف أثر خروج الروح من الجسد، وكلما بعدت فترة خروج الروح كلما سهَّل علينا إدراك الموت، وتابع: هناك وسائل يمكن عبرها إدراك الموت، من بينها تحلل الجثة، ويظهر ذلك بعد عدة شهور ومثاله أن ترى هيكل عظمي، وكذلك التعفن دليلاً على ذلك، حيث يظهر بعد أيام لأثر البكتيريا على الأعضاء، وكذلك "العدم"، وقد يكون لحظي أو تقديري، ومثال لذلك الذين يتلاشون في الانفجارات والذين يختفون لسنين يستحيل معها تيقن الحياة، أما برودة الجسد وانقطاع الحركة والتنفس ويظهر بعد دقائق من توقف القلب، والتنفس يحتاج لكشف ومعرفة بأساليب الكشف، ويمكن ظهور ذلك في دقائق وتوقف الدماغ كلياً يعرفه أهل الخبرة في بداياته، وتابع محدثي : أما توقف القلب والنفس يحتاج لكشف لمعرفة النبض، وكذلك التنفس وحركة الجسد، لكن تكمن الإشكالية في مدى تشابه هذه الحالة مع الغيبوبة خاصة وقت البرد (الشتاء) أو لَدى الأشخاص الذين يستعملون العقاقير الطبية، لكن التطور الذي حدث في طب العناية المكثفة كان سبباً في وجود إشكالات حيث صار من الممكن تنشيط القلب بالعقاقير واستمرار التنفس لفترة طويلة بالتهوية الآلية حتى ولو تعطَّل الدماغ، ومع ذلك من الممكن تنشيط القلب والتنفس لفترة طويلة حتى لو كان المريض ميتاً. وتابع بابكر حديثه بالقول : "يبقى التحقق من الموت في حالة الغيبوبة الكاملة وتوقف أنشطة جزع المخ عن طريق الكشف وإجراء اختبارات محددة من قبل الأطباء والمختصيين ولتحديد الوفاة يقوم اختصاصي مخ وأعصاب واختصاصي عناية مكثفة بإجراء اختبارات معينة ويشترط أن تكون لديهم خبرة في هذا الأمر، لذا عندما يصبح المريض في غيبوبة كاملة وتوقف جميع جزع المخ كلياً في نفس الوقت مع انتفاء بعض المحاذير وإعادة الاختبار لمدة (24) ساعة من قبل عدد من الأطباء يعني ذلك تحقق الوفاة وتوقف الحياة، حتى ولو كان القلب ينبض والتنفس مستمر، لذا من السهل انعاش القلب إذا توقف، ولكن يستحيل انعاش الدماغ، وهذا يعني بأن السبب الرئيس وراء الوفاة توقف الدماغ.

الاختبارات يجريها طبيبان للتحقق من الوفاة
من خلال بعض المداخلات من قبل الأطباء المختصين كانت مثار شكواهم وتخوفهم من مسألة نزع الأجهزة في ظل غياب النص القانوني الصريح الذي يحميهم، وفيما أكد د. طراوة بأنه يقدم على نزع الأجهزة، ولكن وفقاً لضوابط مقدرة. وتابع بالقول :" نزع الأجهزة يتم بعد التأكد من الوفاة دماغياً، لو استمر القلب في الخفقان، يتم التأكد من الوفاة والتحقق منها بإجراء الاختبارات المعروفة لدينا مع انتفاء المحاذير، حيث تتحقق الوفاة عبر الغيبوبة الكاملة وغير القابلة على الرجعة والتوقف التام لجزع المخ، و يقوم بالتشخيص مختص بالمخ و الأعصاب أو العناية المكثفة أو من تلقى تدريباً كافٍ على أن يتنفس إثراً للانخفاض المريع في درجة حرارة الجسم، أي (أقل من 34) مع ملاحظة عدم تلقي المريض لعقاقير تشابه الغيبوبة، ومن ثم إجراء اختبار دقيق للتحقق من توقف مركز التنفس بجزع المخ، هذه الشروط تعتبر كافية للتشخيص في أغلب الحالات ويتم إجراؤها بواسطة اثنين من المختصين كلُ على حدة على أن تتم كل هذه الاختبارات في فترات متباعدة، وعند تعذر هذه الاختبارات يمكن الاستعانة بتخطيط المخ و موجات شرايين المخ وأشعة مقطعية للنظر في تروية المخ . وإعادتها مرة أخرى عن طريق طبيب آخر خلال (24) ساعة، وبعد أن تطابق نتائج الاختبارات ويتأكد لنا حدوث الموت الدماغي يصبح التعامل ليس مع مريض، بل مع جثة، لكن تمتد مدة الاختبارات مع مرضى الفشل لتصل لـ(48) ساعة .
يتم النزع بعد إقناع ذوي المتوفي
فيما عرف طراوة التنفس بأنه عملية إدخال وإخراج للهواء أي ما يعرف (بالشهيق والذفير)، وهذا الدور يقوم به الجهاز لوحده في ظل حالة غيبوبة المريض ويعمل على التجديد وحفظ الأنسجة فقط، ولكن طالما الدماغ متوقف تتوقف الحياة ولا فائدة من التنفس حتى ولو استمر لشهر أو أكثر من ذلك، وتابع د.إيهاب لدينا موجهات أخلاقية في مهنة الطب تحكمنا قبل كل شيء من بينها جلب الفائدة التي تحقق الحياة ودفع الضرر، أي عدم عمل تدخلات ليست مفيدة للمريض، لذا بعد وفاة المريض تصبح أجهزة العناية والتنفس والعقاقير ليست ذات جدوى وفائدة، لأننا نتعامل مع جثة ولا توجد حياة إلاّ إذا كان ذلك من أجل المحافظة على الأعضاء لزراعتها، وأشار إلى أن بعض أولياء المتوفي لا يقتنعون بموت الدماغ باعتباره موت طبيعي، فيظنون بأن المريض لا يزال على قيد الحياة فيطول انتظارهم حتى يتوقف القلب تماماً عن النبض، وتابع محدثي بقوله: "مرات تتحلل الجثث ونشتم رائحتها خلال يومين أو ثلاثة أيام من توقف الدماغ، ويحدث هذا الأمر لبعض الجثث التي لديها خصائص معينة. وتابع : من قبل حدثت وفاة لفتاة ولم يقتنع أهلها بذلك، حيث ظلت بالأجهزة لمدة (22) يوماً، حتى توقف القلب، ولكن لكي أنزع جهاز من مريض توفي دماغياً أقوم بعرض فتاوى دينية على ذوي المتوفين ومناقشتهم في الأمر مع شرح للفتاوى وإعطائهم فرصة لاستشارة أهل الدين وبعد اقتناعهم نقوم بنزع الأجهزة".

صياغة القانون تمت وفقاً لمعلومات منذ 38 سنة
ومن خلال تعليق د.طراوة عن قانون الأعضاء والأنسجة البشرية السوداني لسنة 1978م، تابع بالقول :"مرت على هذا القانون 37 سنة، حيث كان هو أفضل ما يمكن إنتاجه في ذلك الوقت، وتم استنباطه على حسب المعلومات العلمية المتاحة للذين قاموا بصياغته، وهو من صنع البشر وقابل للمراجعة والتعديل، وطوال هذه الفترة لم تتم مراجعته ربما لعدم الحاجة، أما الآن فنحن في نازلة تحتاج إلى إعادة النظر، فقد حان الأوان لإعادة النظر فيه، ففي ذلك الوقت تم الاستناد على المعلومات العلمية المتاحة للذين قاموا بصياغته إلاّ أن المستجدات في مجال الطب والطب العدلي صارت متقدمة على ما تم ذكره في هذا القانون، وهناك فوارق كبيرة واكتشافات عديدة حدثت، ومع ذلك نتفق في نقاط ذكرها قانون سنة 78 من بينها : كشف يجريه طبيبان مؤهلان من ذوي الخبرة، وكذلك إجراء اختبار توقف التنفس، لكن إشكالية القانون أنه حدد توقف نبضات القلب شرطاً، لذا هناك محاذير لطالما أن المريض يستخدم العقاقير والأدوية التي تقوم بتنشيط عضلة القلب يمكن أن تستمر في النبض لفترة تمتد لأيام وأسابيع، لذا نحتاج لنص قانوني يتماشى مع التطور الذي حدث للطب، ويتم النظر في مسألة تحديد الوفاة قانونياً، وتابع محدثي: وفاة الدماغ تحفظ للموتى كرامتهم وتضمن إكرامهم والإسراع لدفنهم، لأن انتظار الموت عن طريق توقف القلب له آثار من بينها عدم تأكد الأسرة من حدوث قدر الله، وهناك آثار نفسية تصيب الأطباء والسسترات، فعلاج مريض قابل للعودة للحياة تختلف من معالجة جثة، مبيناً في ذات الوقت بأنها تمثل إهدار لموارد الدولة والمواطنين، وتحرم شخصاً آخر في أمس الحاجة لأجهزة العناية دون إهدار الوقت في جثة لا أمل فيها.



   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة