Untitled Document

تدمير الآثار.. "والله بكيت يا ست الدار#2"!

عرض المادة


الجزء الثاني


إذا ساقتك الخطوات إلى جبل البركل أو المكان المقدس فإنك تشعر بالفخر بتأريخ أجدادك العظماء.. هناك حيث معبد آمون وأسطورة سيزيس وابنها حوْرَص.. تتجلى الصور المنقوشة على جدران المعبد والملك تهارقا يقدم ابنه إلى آمون.. تدهشك ملامح المدخل حيث الخراطيش الكبيرة التي كانت تحمي المواليد الجدد كما في قصة سيزيس.. ثم إذا ذهبت إلى الكرو سترقص طربا على أنغام أجدادك (بعانخي، تانوت امني، شباكا، شبكتو...) وغيرهم من عظماء الحضارة الإنسانية التي دونها التأريخ قبل نحو ثلاث آلاف سنة.. زهوك هذا سرعان ما ينقلب إلى أسًى ودموع دون أن تشعر؛ للإهمال الكبير لتلك الموروثات.. ستعض على أناملك من الغيظ على آثارنا التي سرقت أو دمرت- وربما- تجد من يقول: إن الذين سرقوا آثارنا ستكون أكثر أمانا عندهم.. خنقتني العبرات عندما رأيت الحسرة في عيني السفير الماليزي حجي مصطفى، وهو يتساءل.. لماذا لا يستفيد السودان من كل هذا الإرث؟، هي- فقط- جولة- ربما- تكون قصيرة، لكنها ملهمة لكثير من المعاني التي سأوردها- ها هنا- ومستقبلا؛ ليرى القارئ السوداني كم أن تأريخه عظيم، وحضارته شكلت ملامح الحضارة الإنسانية في العالم.. وكيف أن حضارة كرمة هي أولى الحضارات في وادي النيل؟!.
تحقيق: نصر الدين عبد القادر
تصوير: محمد صلاح
الآثار في القرآن الكريم
الآثار في القرآن الكريم ورد ذكرها في مواضع كثيرة؛ لأهميتها التي يعلمها الله سبحانه وتعالى؛ لننظر إليها، ونتفكر في حياة الأقدمين.. حيث يقول في كتابه العزيز: "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها"، وفي إشارة بينة، ولفتة مدهشة، يحض فيها القرآن الكريم إلى النظر في آثار الذين سبقونا؛ لنأخذ العبر، والعظات، ونستلهم منها الحكم، وفي لفتات أكثر إدهاشا يحدثنا القرآن عن تأريخ وحضارات أمم خلت؛ فجاء بقصة قوم هود، وصالح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، وقصة الطوفان، وإبراهيم، ويوسف، وموسى، والأسباط، وبني إسرائيل، وكيف كانت حياتهم وعاداتهم، وفي هذا دلالة واضحة على علم الآثار في القرآن.. لكن بعض المسلمين يرى أن علم الآثار هو احتفاء بالأمم السابقة، وفيه تمزيق للأمة، هذا الكلام يجافي نصوص القرآن البينة، التي تحض على الاهتمام بآثار السابقين، يقول تعالى في الآية 12 من سورة يس: "نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا، وآثارهم، وكل شيء أحصيناه في كتاب مبين".
تعريف علم الآثار.. أنه كل ما أنتجه الإنسان في تأريخه الحضاري.
ومن المسلمين من يعرفه من منظور حضاري إسلامي متناولا أن ليس هو دين- فقط- بل هو دين وحضارة، وهذا يتفق مع التعريف أعلاه.
نحن بصدد آثارنا وحضاراتنا السودانية التي سبقت كثيرا من الحضارات، وكيف دمرت؟.
الجزء الثاني
في الجزء الأول كان موضوعنا عن آثار منطقة الكرو، التي كنا فيها رفقة المرشد السياحي عثمان خلف الله، أما في هذا الجزء فنحن رفقة المرشد السياحي- خريج الآثار- لؤي شمس العلا، والذي طوف بنا في جبل البركل، أو المكان المقدس، حيث كانت هناك العاصمة الدينية لمملكة نبتة في ذلك العهد القديم، وكما هو الحال في منطقة الكرو، فإن ذات الإهمال نجده هنا، حيث لا يأبه الناس بتأريخهم، ولا يلقون له بالا، لا حواجز، ولا أسوار تحمي المكان، الناس هنالك يشقون طريقهم مشيا فوق الآثار، ويكتبون عليها تذكاراتهم، وإهداءاتهم، وهو الأمر الذي عدّه الأستاذ لؤي تشويها للحضارة الإنسانية.
عالم الآثار الأمريكي رايزنر قام بعمل كبير- وهو أول من نقب عن آثارنا- لكن الصورة الذهنية للشعب السوداني تعدّه سارق آثارنا، أمر في غاية الأهمية، وهو أن كل البعثات التي أخرجت آثارنا أجنبية، حتى إن كانت تأخذها معها فإنها تضعها في المتاحف الأوروبية، بأسمائها وأصولها، وهم أكثر حفاظا عليها منا- كما ذكر مرشدنا في الرحلة، وفي المساحة التالية تطويف سياحي في فضاءات تأريخنا العظيم، وحضارتنا التي ضربت في عمق الأزمان، حيث يقول الأستاذ لؤي: نحن الآن في معبد الآلهة موت زوجة الإله الرئيس آمون "الإله الأسد"، بناه الملك تهارقا في الفترة النبتية في حدود القرن التاسع قبل الميلاد، بناه تمجيدا للإله آمون، وزوجته موت، فيه ثلاث غرف- غرفة للملكات، وظيفتها عندما تحمل إحدى الملكات طفلا في رحمها توضع في هذه الغرفة حتى تضع ابنها؛ لينسب إلى الإله آمون، وهناك غرفة خاصة بالكهنة، ورجال الدين، والغرفة الثالثة التي تم ترميمها بواسطة البعثة الإيطالية فيها رسومات الملك تهارقا يقدم القرابين إلى الإله آمون، ومن خلف آمون تظهر زوجته موت، ومن خلفها ابنهما الإله خونسو، ومن خلفهم جميعا الإله مين، وهو إله الخصوبة، ويظهر- أيضا- في الرسومات بهذه الغرفة حورص أحد أبناء الإله إيزيس.
المعبد تعمل فيه بعثة إيطالية بشراكة مع الهيئة العامة للآثار والمتاحف، يقومون بعملية الترميم في المعبد، وهم الآن في السنة الثالثة رمموا الغرفة التي تظهر في الصور، ثم في المستقبل سيعملون في الغرفة الثانية والثالثة فيما يتعلق بمعبد موت، وعمل هذه البعثة غاية الإتقان والجمال، وهذه الرسومات التي قمتم بتصويرها ما كانت ظاهرة من قبل، وما كانت هناك ملامح لها، وهي أكثر بعثة عملت بإتقان، فانبهر القطريون عندما رأوا هذا العمل، والقطريون عندهم فلسفة أنهم قاموا بالدعم، ويريدون عملا ظاهراً، فمعبد موت أكثر مكان أبهر القطريين بعد الترميم.
ترميم سيء
من الأشياء التي تعد تدميرا للآثار عملية الترميم غير السليمة، حيث تحتاج عملية الترميم إلى مواد دقيقة، ولا تتحمل إدخال المواد التي تستخدم في البناء من الأسمنت؛ حيث يضيف لؤي.. أما المعبد الكبير فكان يعمل فيه إيطالي آخر يسمى إسكندر روِكتي، فأدخل الأسمنت في عملية الترميم، وهو الأمر المرفوض في علم الآثار، وهذا الأمر كان في الثمانينيات، فأوقفت الهيئة عمله، هناك مواد معينة تستخدم في عملية الترميم؛ لذلك نجد البعثة التي تعمل- حالياً- تستخدم مواد غاية في الدقة، وتعمل بصبر، يعني مساحة أربعة أمتار تأخذ ثلاث إلى أربع سنوات.
ثم يمضي لؤي في شرح معالم المكان التي تدهشنا كل لحظة، وتجعلنا نتساءل.. أهذاه حضارة أجدادنا نحن، أم أننا أتينا إلى هنا مصادفة؟، فيقول: هناك خرطوشان خارج المعبد للإله حتحور، ومنها يبدأ مدخل معبد الإله موت، وحتحور إله قائم بذاته؛ لأن كثرة الآلهة في تلك الفترة كانت لتعدد وظائفهم، وكل إله لديه وظيفة يقوم بها، وخراطيش الإله حتحور كانت وظيفتها حماية أبناء الملكات من السحر، وهي التي قامت بحماية حورص، كما في جاء في أسطورة إيزيس.
بعد معبد موت هناك معبد آمون يقع في الاتجاه الشرقي، ونجد أمام المدخل ستة من الكباش؛ ثلاثة باليمين، ومثلها شمال المدخل؛ حيث كان يتم تتويج الملوك، في هذا المعبد نجد الصالة الأولى، التي كان يمكث فيها عامة الشعب، ورجال الدين، ومعهم لحظة التتويج، وهناك مكان داخل الصالة- مثل الكشك- يأخذ فيه الملك راحة قبل أن يمضي إلى الغرفة الثانية، والغرفة الثانية كانت مخصصة لرجال الدين، والملوك، ثم يدخل إلى الغرفة الثالثة مكان التتويج، وهناك غرفة جانبية للكهنة، هذا ما يتعلق بمعبد الإله آمون.
أجدادنا وقوة الإرادة
هنالك حجر جرنايت كبير مكتوب عليه باللغة الهيروغلوفية اسم الملك في خرطوش، والإنجازات والتراتيل الدينية، ومن الملاحظ أن منطقة جبل البركل ليس فيها حجارة جرنايت؛ فالحجارة كلها رملية، لكنهم جاءوا بهذا الحجر من منطقة المحس عبر النيل في تلك الفترة، وهذا دليل على حضارة عظيمة خاصة في وسائل النقل- آنذاك- فحجر بهذا الحجم ينقل عبر النيل يولد سؤالا مهما.. كيف استطاعوا أن ينقلوا حجر بهذا الحجم؟، وما هي الوسيلة المستخدمة- آنذاك- خاصة أنها قبل نحو ثلاث آلاف سنة؟.
معبد آمون تعمل فيه بعثة تابعة إلى الهيئة، وهناك- أيضا- بعثة أمريكية تعمل منذ فترة.. لكن هذا العام والسابق لم يأتوا؛ لعملهم في منطقة أخرى، والآن يقومون ببناء مركز معلومات جوار متحف البركل، وهناك- أيضا- بعثة إيطالية أخرى تابعة إلى جامعة البندقية تعمل في قصر ميتاكمني- ملك نوبي- في الاتجاه الشمالي الشرقي، وهناك- أيضا- قسم الآثار في كلية الآداب والدراسات الإنسانية جامعة دنقلا يعمل في موقع جبل البركل، ويعمل الأساتذة على تدريب طلاب الجامعة، ومن ثم يقومون بعمل حفريات بإشراف أساتذة الجامعة، يصحبهم مفتش آثار يتبع إلى الهيئة.
لا نقول رايزنر لص
في قصيدة ست الدار، التي كتبها حميد على لسان الزين ود حامد، وزوجته ست الدار بت أحمد- كما ذكرنا في الجزء الأول يتهم فيها الأجانب والسائحين بسرقة آثارنا، ولم يتركوا لنا غير بقية من حجارة، حينما قال:
علماء إيه يا بت الناس
سواح إيه ما عندك راس
ديل جماعة السي آي أي
بتعرفي إيه السي آي أي
وفي هذا إشارة إلى أن الذين يأتون للسياحة إنما هم لصوص؛ لأن الذين جاءوا من قبلهم سرقوا كل آثارنا، وكنوز أجدادنا، فيقول:
فِضْلَتْ في آثار
ما خموها الجونا قبُلْكم..
لكن لخريج الآثار لؤي رأي آخر؛ حيث يقول نحن لا نقول إن رايزنر قام بسرقة آثارنا، بل نعدّه مكتشفها، وإن صاحب عمله كثير من السلبيات، حتى الآثار التي خرج بها هي الآن في أمكنة آمنة جدا في متاحف أوروبا، وكل الذين يزورون تلك المتاحف يعلمون أن هناك حضارة عظيمة كانت في السودان، ويدفعهم الفضول إلى زيارة الأماكن التي خرجت منها تلك القطع الأثرية الموجودة في تلك المتاحف.
المواطنون يدمرون الآثار!
لؤي ألقى باللائمة على المواطنين في تدميرهم آثار أجدادهم، لكنه عزا الأمر إلى تقصيرهم- أي خريجي الآثار- في توعية المجتمع المحيط بتلك الأماكن بأهمية تلك الآثار، وتلك الأمكنة؛ فالمواطنون يقومون بالكتابة على تلك الآثار، وهو الأمر الذي يفقدها قيمتها التأريخية؛ حيث تجد نقوشا للملك ترهاقا شوهت بكتابة "تذكار من فلان" فوقها.. لكنه أضاف شيئا أكثر أهمية، وهو مسألة الإنفاق المالي على الآثار؛ حيث وصفه بالضعيف من جانب الدولة، مع أن الآثار تدخل ملايين الدولارات، وهو يطالب- فقط- أن تنفق 2% على الآثار.
ختاماً
مهما يكن من أمر فلا تزال الفرصة أمامنا لصناعة تأريخنا من جديد؛ إذا اقتدى مسؤولونا في الحكومة- فقط- بصديقتهم تركيا.. فهل مع أذن تسمع، وفؤادٌ يرى، أم أن داؤود يعزف مزاميره في الفضاء؟.


   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية