Untitled Document

قانون الأحوال الشخصية للمسلمين كابح الحضارة والتطور

عرض المادة
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين كابح الحضارة والتطور
215 زائر
09-01-2017
عثمان مبارك موسى



بقلم: عثمان مبارك موسى
المحامي

يرى مناصرو المنهج الأصولي السلفي أن ما دوَّنه مجتهدو عصر التدوين الأجلاء قد أحاط بكل شيء، وأنه العلاج الناجع لكل مستجدات العصر الحديث، ومن ثم فلا سبيل، برأيهم، للخروج عن فقه عصر التدوين نهائياً وإلا فُسّر هذا الخروج بأنه ارتداد عن الإسلام. وتأسيساً على هذا سنّ مناصرو السلفية القوانين التي يرون أنها تحقق العدل وتدعم التطور. وقد تجلت الأصولية السلفية في كامل صورتها في تشريعات الأحوال الشخصية في السودان. وعلى الرغم من أن الفارق الزمني الذي يفصلنا مرحلة التدوين والأئمة يزيد عن ألف عام، إلا أننا ما زلنا نحتكم للفكرة السلفية التي تسجن المجتمعات وتحول دون تحركها للأمام، دون مراعاة للمفاهيم الحديثة التي لم تكن موجودة في ذلك العصر مثل: مفهوم المواطنة والهوية والمساواة أمام القانون والحقوق الدستورية والمصلحة الفضلى للطفل وحقوق المرأة وحرية الاعتقاد وغيرها من مبادئ حقوق الإنسان. وما يدعو للغرابة أن جميع هذه المبادئ مدوَّنة في دستور السودان، غير أنها تسري بالتوازي مع قانون الأحوال الشخصية وغيره من القوانين التي تتعارض مع هذه المبادئ. والسبب في ذلك هو قوة ونفوذ مناصري المنهج الأصولي السلفي.
صدر قانون الأحوال الشخصية للمسلمين في العام 1991م، كأول تقنين لمسائل الأحوال الشخصية في السودان. واحتضن بين دفتيه أحكام الزواج والفرقة بين الزوجين والأهلية والولاية والهبة والوصية والوقف والميراث. وقبل صدور هذا القانون كان العمل في محاكم الأحوال الشخصية يعتمد على الرأي الراجح من المذهب الحنفي في البداية ثم المذهب المالكي، بالإضافة للنشرات والمنشورات التي يصدرها قاضي القضاة حتى العام 1983م، أو التي تصدرها المحكمة العليا – دائرة الأحوال الشخصية بعد هذا العام، ولكن لم تتقيَّد المحاكم بمذهب معين تقيُّداً كاملاً. وقد كانت المحاكم التي تعنى بالنظر في مسائل الأحوال الشخصية تسمى بالمحاكم الشرعية، وقد أنشئت أول محاكم شرعية نظامية في العام 1902م، بموجب لائحة تسمى لائحة المحاكم الشرعية. أما بالنسبة لقانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م، فقد اعتمد على المذهب الحنفي في غالب نصوصه، إلا أنه لم يتقيَّد به تقيداً كاملاً وإن كان قد أورد نصاً في المادة الخامسة منه على وجوب العمل بالراجح من المذهب الحنفي فيما لا حكم فيه في هذا القانون.
وسأتعرض في سلسلة من المقالات لبعض المشكلات التي يثيرها قانون الأحوال الشخصية فيما يتعلق بمبدأ الهوية والمواطنة، كما سأتعرض لموضوعات أخرى محددة أخرى كجواز ضرب المرأة والولاية وزواج الصغيرة وعلاقة الدين بحضانة الأطفال والصياغة اللغوية.
• مأزق الهوية
لتوضيح مشكلة الهوية في قانون الأحوال الشخصية سأعرض مثالين لتطبيقات المحاكم السودانية. المثال الأول هو قضاء المحكمة الشرعية في العام 1968م، في قضية الأستاذ محمود محمد طه، والثاني قضاء محكمة جنايات الحاج يوسف في قضية السيدة مريم يحيى إبراهيم ودانيال واني بسينسو. ففي القضية الأولى تقدم أستاذان من جامعة أم درمان الإسلامية بطلب لمحكمة الاستئناف العليا الشرعية ضد رئيس الحزب الجمهوري الأستاذ محمود محمد طه التمسا فيه، من ضمن طلبات أخرى، إعلان ردة محمود محمد طه عن الإسلام وتطليق زوجته المسلمة منه. وقد قبلت المحكمة عريضتهما ثم استمعت المحكمة لأقوال المدعيَيْن وأربعة شهود في غياب المدعى عليه، وبعدها أصدرت حكماً غيابياً بتاريخ 18/11/1968م، قضت فيه للمدعيَيْن حسبةً على المدعى عليه الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري بأنه مرتد عن الإسلام، كما قررت صرف النظر عن بقية الطلبات الواردة بالعريضة لأنها من الأمور التي تتعلق وتترتب على الحكم. وفي القضية الثانية قررت محكمة جنايات الحاج يوسف عدم صحة زواج السيد دانيال بسينسو والسيدة مريم يحيى ومن ثم أدانت السيدة مريم يحيى تحت طائلة المادة 146 من القانون الجنائي لسنة 1991م، (جريمة الزنا) وحكمت عليها بالجلد مائة جلدة حداً. في حين برأت المحكمة الجنائية السيد دانيال من الجريمة ذاتها لانعدام الركن المعنوي للجريمة، وهو ما يعرف في القانون بالقصد الجنائي، تأسيساً على أنه لم يكن يعلم، في وقت ارتكاب جريمة الزنا مع زوجته، أنها مسلمة وليست مسيحية. وقد أشار أحد قضاة محكمة الاستئناف، بعد إعلان براءة مريم، إلى ضرورة إقامة دعوى إبطال زواج أمام محكمة الأحوال الشخصية المختصة.
فطلب التفريق بين الأستاذ محمود وزوجته الذي قدمه أساتذان بجامعة أم درمان الإسلامية، وإعلان عدم صحة زواج السيدة مريم والسيد دانيال، يعتبران من الأمثلة الحية على انتشار الأصولية السلفية في السودان وتسللها إلى أروقة المحاكم. فالجماعات الأصولية تضع المتاريس في طريق انصهار أفراد المجتمع من خلال مؤسسة الزواج بسبب الدين، لكونهم لا يجيزون زواج المسلمة من غير المسلم. ويتوكأون، فيما ذهبوا إليه، على آراء فقهية وردت في بيئة مختلفة عن حاضرنا، وبتعامٍ تام عن مستجدات الواقع كالهوية والمواطنة والحقوق الدستورية وما تقتضيه هذه المبادئ من مساواة بين الناس بغض النظر عن الدين أو غيره من أسباب التمييز. غير أن ما يزيد هذا الأمر ازوراراً هو أن تتأثر الدولة، من خلال أجهزتها العدلية وعسس القانون، خطى هذه الجماعات الأصولية للحؤول دون انصهار مواطنيها مع بعضهم البعض، وأن تُضْرِم أُوار الفرقة والشتات فيما بينهم بتغليب دين على آخر أو عرق على آخر في بلد حباها الله تعالى بتنوع ديني وإثني وثقافي قَلَّ أن يوجد له مثيلٌ في العالم أجمع.
فالمشكلة الأساسية هي أن الدولة لا تقف على مسافة متساوية من المواطنين، بل تمنع انصهارهم في قالب واحد يمكن أن يشكل قاسماً مشتركاً للهوية في المستقبل. فهذا الفقه السلفي الذي يقضي بالتفريق بين الزوجين بواسطة السلطان ظهر في فترة تاريخية تزيد عن الألف عام، حين كان العالم مقسماً إلى فسطاطين : هما دار الحرب ودار السلام. ومن ثم لا يمكن قراءة هذا الفقه بمعزل عن سياقه الموضوعي الذي أنتج فيه (عامل الزمان والمكان والثقافة والوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي). ولكن اقتباسه هكذا وغرسه في بيئة مختلفة، دون مراعاة للظرف الموضوعي، أدى وسيؤدي لخلل كبير في قضايا حساسة كالهوية والمواطنة. وبالتالي لا بد من قراءة مستنيرة لنصوص الدين تلائم الظرف الموضوعي لحياتنا المعاصرة. فقانون الأحوال الشخصية بحالته الراهنة يشكل حجر عثرة أمام تطور المجتمع.
بمعنى آخر يجب أن يكون اختيار الزوج أو الزوجة من المسائل الخاصة بالطرفين، وقد يكون الدين في هذه الحالة عاملاً من عوامل الاختيار بالنسبة للشخص، فمن حقه أن يمتنع عن الزواج من شخص آخر إذا كان دينه الذي يعتنقه يمنعه عن هذا الارتباط، ولكن لا يصح أن تكون الدولة طرفاً في هذا الاختيار، لئلا تميز بين مواطنيها. فتدخل الدولة للتفريق بين الزوجين لأسباب دينية يوصد الباب أمام الهوية وحسن إدارة التنوع الديني والإثني في المجتمع الواحد.
ينص دستور السودان في مادته الأولى على أن السودان وطن واحد جامع تكون فيه الأديان والثقافات مصدر قوة وتوافق وإلهام. كما ينص في وثيقة الحقوق على عدم التمييز بين الناس بسبب الدين وأن المواطنة هي أساس الحقوق. غير أن وجود هذه النصوص في صلب الدستور أشبه ما تكون بقصة الذئب والبجعة التي كانت تُدرس في المرحلة الابتدائية، إذ أن الدستور يحتضن جميع الحقوق، ولكن لا سبيل لبلوغ الإناء.
أما بالنسبة لمؤسسات الدولة الدينية فإنها تمثل الحامي للأصولية السلفية وحين تناقش قضايا الهوية والمواطنة فإنها لا تخرج بهما من فقه دار الحرب ودار السلام. ومثال ذلك توصيات الندوة العلمية التأصيلية التي عقدها مجمع الفقه الإسلامي في يومي 28 و29 ديسمبر2016م، حيث جاء في توصيتين من هذه التوصيات ما يلي: (6/ توسيع قاعدة العدل المنافي للظلم، وهي قاعدة لا استثناء فيها لعرق دون عرق أو لدين دون دين، وهي الضمانة المهمة لحقوق المواطنين في ظل النظام الإسلامي. 12/ استكمال البحث في قضايا الدولة المعاصرة لاسيما المواطنة والحرية). ولكن قبل أن تكتمل التوصيات يقوم العلماء بوضعها في فسطاطي دار الحرب ودار السلام، ومثال ذلك التوصية السابعة والتي جاء فيها: (التأكيد أن الإقرار بالمواطنة والحقوق المترتبة عليها، يجب ألا يفضي إلى إبعاد أحكام الشريعة وطردها عن واقع المعاملات بين الناس). وبهذه التوصية يستعيد العلماء وصايتهم على الناس ولا سبيل للنظر للمواطنة والهوية إلا من منظورهم فقط.


   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية