Untitled Document

9 يناير من عام 1982 والفقد الجلل الشريف حسين الأسطورة؟!

عرض المادة
9 يناير من عام 1982 والفقد الجلل الشريف حسين الأسطورة؟!
60 زائر
09-01-2017
طه حسن طه


بقلم: طه حسن طه
كثيرون يعرفونه شخصياً وكثيرون يعرفونه عملياً وكثيرون يعرفونه وطنياً وكثيرون يعرفونه قيادياً وكثيرون يعرفونه مناضلاً وكثيرون يعرفونه كريماً وكثيرون يعرفونه متواضعاً وكثيرون يعرفونه صاحب مواقف قومية مسخرة في خدمة الوطن والمواطن وما أكثر ما يحمله من صفاتٍ ومزايا لم تتوفر لغيره وواأسفاي على قدر في كفه الآلي يختار منها الجياد بل النفائس التي لا تقدر بثمن؟ّ! حديثي معلوم لدى أولئك الكثيرين وفيهم الخير والمرجعية حتى من مات منهم وقبر حمل معه تلك السيرة الطيبة الحسنة لشهيد قدم عمره وروحه من أجل وطن يبادله المعزة والاحترام ومن أجل نظام ديمقراطي كان هو أحد أركانه ودعائمه وضد ديكتاتورية وشمولية هي ليست من فطرة ومنهج وسلوك هذا الشعب العظيم وكان من الممكن أن يستكين ويرتاح ويشق طريقه في موقع متقدم وفي الصفوف الأولى من نظام نميري وكيف يفعل وهو صاحب قضية وصاحب مبادئ وصاحب رسالة لا تعرف نفسه الانتهازية وحب الذات واغتنام الفرص وبيع قضية شعب هو من صلبه ومن رحمه ومن عصارة دمه، والحديث يطول والصفات لا تحصى ولا تعد.. أكتب لا إلى أولئك الكثيرين من الذين حرمهم القدر من فن قيادته الرفيعة المستوى والصادقة التوجه والأمينة العطاء بل أكتب إلى قلة وإلى جيل أو أجيال من أبناءهذا الشعب العظيم الذي أظن -وبعض الظن إثم- يجهلون الدعامات والركائز والمرتكزات الأساسية لنشأة وطن وتحرر وطن وإدارة وطن وقيادة وطن وعدم انحياز وطن وخلق شخصية وطن وتثبيت حسن سيرة وطن للدرجة التي تلجأ فيه بعض الدول العربية والإسلامية والأفريقية إلى طلب التدخل والمساعدة والإصلاح فيما ينشأ بينهما من خلاف ونزاع وما مؤتمر الخرطوم عام 1967م إلا خير شاهد لمكانة السودان وقيادته حيث كان السيد الشهيد الشريف حسين أحد مهندسي فض النزاعات وتقريب وجهات النظر وحل المشاكل العالقة وعودة الصفاء بين الفرقاء فأين السودان الآن من هذا الدور العظيم؟! سودانٌ محاصر ومبتلى ومفروض عليه عقوبات بل يستعين بالآخرين لمساعدته في حلحلة مشاكله التي لا حصر لها ولا عد ومديونيته رقم يصعب تصديقه فلا حول ولا قوة إلا بالله... إنه الشريف حسين بن الشريف يوسف الهندي وقد علق به لقب الهندي لأن جده الأكبر الشريف محمد الشهير بالهندي أرضعته في مكة امرأة هندية الأصل وقد ولد الشريف حسين في عام 1924م ونشأ وترعرع بضاحية بري الشريف شرق الخرطوم وقد عاش الشهيد كما يعيش العاديون من الناس برغم أن والده كان أحد زعماء السودان الدينيين الثلاثة وقد ألحقه والده الشريف يوسف بالخلوة لحفظ القرآن الكريم وبالفعل أتم حفظه للقرآن في سن باكرة ثم حضر خاله الأستاذ أحمد خير فأخذه معه إلى مدينة ود مدني ليتم دراسته وتم إلحاقه بالصف الرابع بالمدرسة الأولية ولنباهته طوى كل المرحلة الأولية في عام واحد وامتحن للدخول للمرحلة الوسطى ونجح وقبل بمدرسة ود مدني الأميرية في عام 1935م وفي منتصف الصف الرابع وقبل أن يكتمل العام الدراسي ذهب الشريف حسين ومعه صديقه وزميله في الفصل السيد مأمون بحيري لتلقي دراستهما الثانوية بكلية فيكتوريا بالإسكندرية بمصر ونتيجة للحرب العالمية الثانية تم إقفال كلية فيكتوريا لذا فقد ألحق كل طلبتها من السودانيين بكلية غردون بالخرطوم وحقاً لقد كان الشريف إنساناً متعدد المواهب وبحراً واسعاً من أي جانب أتيته وكان يومن بالنظام الديمقراطي وعند انقلاب عبود في 17 نوفمبر 1958م بإيعاز من السيد عبد الله خليل الذي كان رئيساً للوزراء قرر الاتحاديون برئاسة وقيادة إسماعيل الأزهري معارضة النظام وأوكلت بعض المهام للشريف حسين فقرر السفر والهجرة إلى مصر وعمل هناك بالتجارة وصار قبلة الكثير من السودانيين ومن غيرهم وحينما تم إسقاط نظام عبود بثورة شعبية عارمة عاد الشريف إلى السودان وعمل بجد واجتهاد وتم اختياره وزيراً للري والقوة الكهربائية المائية في حكومة الأستاذ محمد أحمد محجوب الأولى ثم وزيراً للمالية في نفس الحكومة حين خلا المنصب باستقالة السيد إبراهيم المفتي لظروفه الصحية وفي عام 1966م عين الشريف وزيراً للحكومات المحلية في حكومة السيد الصادق المهدي ثم عاد وزيراً للمالية والاقتصاد في حكومة المحجوب الثانية وحقاً لقد كان متميزاً في الأداء والعطاء وإبان توليه وزارة المالية خصص رواتب وأجور لكل العاطلين وأطلق على ذلك النهج المتقدم بند الإدارة العمومية أو بند العطالة مما كان خير معين لكثير من الأسر ولنجاحاته وتفوقه فأطلق عليه البعض الشريف الحرامي، نسجل ذلك ونقول ذلك حيث أن حديث التاريخ لا يحتمل إلا الحقائق، نعم لقد حاول بعض اغتياله سياسياً فلم يفلحوا وفشل شانئوه ويكفيه فخراً أن الدولار كان سعره 32.5 قرشاً بمعنى أن الجنيه السوداني أكثر من دولار؟! نعم فشل خصومه وشانئوه فكان هو كالطود الأشم وكان شانئوه هم البتر... لقد كان الشريف صاحب قدرات عالية لذلك كان محسوداً وكان مناصراً لحركات التحرر ثم حدث انقلاب مايو 1969م وكان متوقعاً منه شخصياً لملابسات سياسية كثيرة فكان على رأس قائمة المطلوبين وفي شجاعةٍ نادرة قرر معارضة النظام وأعد العدة لذلك فخرج من السودان إلى الحبشة بمعاونة الشرفاء والأمناء ومناصري الحزب فقد كان محبوباً لدى الكثيرين، حتى خصومه يحترمونه ويقدرونه ومن هناك بدأ تخطيطه لمقاومة النظام المايوي، وأطلق سدنة النظام عليه الشريف الهارب ثم كانت له محطات كثر مثل: أثينا، لندن، ليبيا حيث انطلق العمل المعارض المسلح وفي لندن حاول أفراداً أُرسلوا من الخرطوم لاغتياله (الأخ د. مضوي الترابي لديه كامل المعلومة) لكنهم فشلوا ونجاه الله من سوء تدبير نظام نميري... إن الحديث عن الشهيد الشريف حسين يطول لا تسعه مقالة أو عدة مقالات فسيرته سجل تاريخي تنوء بحمله الصفحات ونحن حينما أسسنا رابطة الطلاب الاتحاديين كنا قريبون منه وأشهد الله أننا لم نحظ بميزة أو منصب أو قطعة أرض أو حتى إعفاءات أو تسهيلات أو غير ذلك فيحين أننا نعلم أن مؤيدي الأنظمة الديكتاتورية والشمولية حققوا الكثير من المكاسب، تطاولوا في البنيان واكتنزوا الأرصدة المالية والسيارات الفارهة وما خفي أعظم؟! وفي أثينا كانت تأشيرة الخروج الأخيرة في يوم 9 يناير 1982م مؤذنة بانتهاء مرحلة طويلة عميقة ومتسعة الأبعاد وقد كانت مرحلة من أروع وأحدث ما خطته صنوف النضال على صفحات التاريخ المعاصر وحقاً لقد كانت فناً رفيعاً من أفانين النضال والتضحية والتربية الوطنية وانعكاساً حقيقياً للقيم والمبادئ التي تغيب هذه الأيام عن الكثيرين.. فنم قرير العين أيها الشهيد وقد حُملت نعشاً من أثينا مهد الحضارات إلى الخرطوم أرض البطولات والتضحيات، نم قرير العين فنحن لا زلنا نسمع وجيب قلبك الكبير الذي لا يزال ينبض ويخفق ونتجاوب مع صداه... نعم هذا إحساس كل الذين عرفوك شعلة عربية أفريقية مع أسماء ناصعة (ناصر، لوممبا، نكروما، سيكتوري، جيزينغا، مانديلا، فيصل، صدام، أبو عمار، جوكوني وغيرهم) فإليك وإلى الزعيم الخالد الأزهري ومحمد صالح عمر والإمام البطل الشهيد الهادي المهدي وغيرهم في الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيلك المؤسف الحزين المؤلم خالص الدعاء بالرحمة ونحن وقوف على تاريخ أسطورة منذ أن ولدت وجئت إلى دهاليز السياسة والاقتصاد فعلَّمت الكثيرين دروس الوطنية والتجرد والعطاء اللامتناهي... عطر الله ثراك وثرى من زاملتهم وزاملوك وإنا لله وإنا إليه راجعون.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 2 = أدخل الكود