Untitled Document

الموت الدماغي جدلية الفقه والعلم..! #2

عرض المادة


"الحلقة الثانية"


لا غرابة أن نموت، لكن الغريب أن يكشف العلم تعريف للموت عكس ما كنا نعتقده، ومع ذلك يظل الكثيرون لا يصدقون بلا حجة علمية تناقض ما تم إثباته، وعندما تصيب أحدنا علة يذهب للطبيب ليأتمنه على حياته مع أمل الشفاء، ويكشف موطن الداء دون تردد، هكذا هم الأطباء ومع أنهم يتقاسمون الأنين مع مرضاهم ويتحسسون أوجاعهم، بينما يظل أحدهم موضع شك إذا أثبت بأن المريض لا يأمل في شفائه، وقد توفى دماغياً.
تحقيق: حمد سليمان الخضر
مابين موت القلب والدماغ
ابتدر استشاري الباطنية والطب الحرج بمستشفى سوبا الجامعي د. إيهاب بابكر طراوة، حديثه لـ(التيار) معرفاً الفرق بين توقف القلب والموت الدماغي، وتابع بالقول :"أحياناً الوفاة الدماغية تكون قبل وفاة القلب، وأحياناً وفاة القلب تكون قبل الدماغ، وتوقف التنفس والقلب لفترة ما لم يحدث الانعاش خلال أربع أو خمس دقائق، ومع الاستمرار لفترة عشر دقائق تحدث وفاة الدماغ ومن ثم الموت".
مراحل حدوث الوفاة
أشار طراوة إلى أن الوفاة تحدث في مراحل ولو توقف التنفس العادي ليست هناك إشكالية نسبة لوجود الأجهزة الصناعية التي تقوم بدور التنفس ويحدث التبادل العادي، ومع ذلك يظل المريض يتعاطى الأدوية والعقاقير، لطالما أنه في عناية الطبيب وتحت الأجهزة، فالأدوية تقوم بتنشيط القلب كالـ(الادرنالين) مثلاً بغض النظر عن المخ إذا كان يعمل أم لا، وفي حالة تعطل المخ تظل حركة القلب عادية مع المحافظة التامة على الدور الذي يقوم به كضخ الدم في الشرايين. وتابع إيهاب قوله :" بالنسبة لي شخصياً لطالما جزع المخ تعطل يمكن أن تكون طبيعة الجسد عادية وكل الوظائف تقوم بدورها تحت تأثير الأجهزة، ولكن في الحقيقة هي وفاة وموت محقق لا رجعة فيه، والدليل على ذلك بعد إيقاف الأجهزة تتوقف وظائف الجسد حتى ولو ظل القلب ينبض، لأن نبض القلب لا يعني حياة، أحياناً تحدث الوفاة الدماغية ويظل القلب ينبض تحت تأثير الأجهزة لشهر أو ثلاثة أسابيع، ولحكمة ربنا أوجد خاصية في القلب يظل ينبض لوحده حتى ولو فصلناه عن الجسد، لأن حركته طبيعية، فقد جعل الله لعضلة القلب خاصية الانقباض والانبساط بتلقائية طالما أنها تحصل على أوكسجين وجلكوز، وكذلك يمكن تنشيطها بالعقاقير.
توقف جزع المخ يعني الموت حتى ولو ظل القلب ينبض
بَيّن استشاري الباطنية والطب الحرج، تعريف الموت بأنه ورد في معظم المعاجم وعرف بانقطاع الحياة بصورة كلية ومن غير رجعة، وتابع بالقول: "أفضل تعريف هو ما ورد في الأديان ويتسم بالفعل والإيجابية، بحيث يعرف الموت بخروج الروح من الجسد، لكن المشكلة تكمن في لحظة خروج الروح، فلا يمكن إدراكه بالعلم البشري لأنه شيء إلهي، ومن أمر الله، لكن نحن بشراً فقط نعرف أثر خروج الروح من الجسد، وكلما بعدت فترة خروج الروح كلما سهَّل علينا إدراك الموت، وتابع: هناك وسائل يمكن عبرها إدراك الموت، من بينها تحلل الجثة، ويظهر ذلك بعد عدة شهور ومثاله أن ترى هيكل عظمي، وكذلك التعفن دليلاً على ذلك، حيث يظهر بعد أيام لأثر البكتيريا على الأعضاء، وكذلك "العدم"، وقد يكون لحظي أو تقديري، ومثال لذلك الذين يتلاشون في الانفجارات والذين يختفون لسنين يستحيل معها تيقن الحياة، أما برودة الجسد وانقطاع الحركة والتنفس ويظهر بعد دقائق من توقف القلب، والتنفس يحتاج لكشف ومعرفة بأساليب الكشف، ويمكن ظهور ذلك في دقائق وتوقف الدماغ كلياً يعرفه أهل الخبرة في بداياته، وتابع محدثي : أما توقف القلب والنفس يحتاج لكشف لمعرفة النبض، وكذلك التنفس وحركة الجسد، لكن تكمن الإشكالية في مدى تشابه هذه الحالة مع الغيبوبة خاصة وقت البرد (الشتاء) أو لَدى الأشخاص الذين يستعملون العقاقير الطبية، لكن التطور الذي حدث في طب العناية المكثفة كان سبباً في وجود إشكالات حيث صار من الممكن تنشيط القلب بالعقاقير واستمرار التنفس لفترة طويلة بالتهوية الآلية حتى ولو تعطَّل الدماغ، ومع ذلك من الممكن تنشيط القلب والتنفس لفترة طويلة حتى لو كان المريض ميتاً. وتابع بابكر حديثه بالقول : "يبقى التحقق من الموت في حالة الغيبوبة الكاملة وتوقف أنشطة جزع المخ عن طريق الكشف وإجراء اختبارات محددة من قبل الأطباء والمختصيين ولتحديد الوفاة يقوم اختصاصي مخ وأعصاب واختصاصي عناية مكثفة بإجراء اختبارات معينة ويشترط أن تكون لديهم خبرة في هذا الأمر، لذا عندما يصبح المريض في غيبوبة كاملة وتوقف جميع جزع المخ كلياً في نفس الوقت مع انتفاء بعض المحاذير وإعادة الاختبار لمدة (24) ساعة من قبل عدد من الأطباء يعني ذلك تحقق الوفاة وتوقف الحياة، حتى ولو كان القلب ينبض والتنفس مستمر، لذا من السهل انعاش القلب إذا توقف، ولكن يستحيل انعاش الدماغ، وهذا يعني بأن السبب الرئيس وراء الوفاة توقف الدماغ.

الاختبارات يجريها طبيبان للتحقق من الوفاة
من خلال بعض المداخلات من قبل الأطباء المختصين كانت مثار شكواهم وتخوفهم من مسألة نزع الأجهزة في ظل غياب النص القانوني الصريح الذي يحميهم، وفيما أكد د. طراوة بأنه يقدم على نزع الأجهزة، ولكن وفقاً لضوابط مقدرة. وتابع بالقول :" نزع الأجهزة يتم بعد التأكد من الوفاة دماغياً، لو استمر القلب في الخفقان، يتم التأكد من الوفاة والتحقق منها بإجراء الاختبارات المعروفة لدينا مع انتفاء المحاذير، حيث تتحقق الوفاة عبر الغيبوبة الكاملة وغير القابلة على الرجعة والتوقف التام لجزع المخ، و يقوم بالتشخيص مختص بالمخ و الأعصاب أو العناية المكثفة أو من تلقى تدريباً كافٍ على أن يتنفس إثراً للانخفاض المريع في درجة حرارة الجسم، أي (أقل من 34) مع ملاحظة عدم تلقي المريض لعقاقير تشابه الغيبوبة، ومن ثم إجراء اختبار دقيق للتحقق من توقف مركز التنفس بجزع المخ، هذه الشروط تعتبر كافية للتشخيص في أغلب الحالات ويتم إجراؤها بواسطة اثنين من المختصين كلُ على حدة على أن تتم كل هذه الاختبارات في فترات متباعدة، وعند تعذر هذه الاختبارات يمكن الاستعانة بتخطيط المخ و موجات شرايين المخ وأشعة مقطعية للنظر في تروية المخ . وإعادتها مرة أخرى عن طريق طبيب آخر خلال (24) ساعة، وبعد أن تطابق نتائج الاختبارات ويتأكد لنا حدوث الموت الدماغي يصبح التعامل ليس مع مريض، بل مع جثة، لكن تمتد مدة الاختبارات مع مرضى الفشل لتصل لـ(48) ساعة .
يتم النزع بعد إقناع ذوي المتوفي
فيما عرف طراوة التنفس بأنه عملية إدخال وإخراج للهواء أي ما يعرف (بالشهيق والذفير)، وهذا الدور يقوم به الجهاز لوحده في ظل حالة غيبوبة المريض ويعمل على التجديد وحفظ الأنسجة فقط، ولكن طالما الدماغ متوقف تتوقف الحياة ولا فائدة من التنفس حتى ولو استمر لشهر أو أكثر من ذلك، وتابع د.إيهاب لدينا موجهات أخلاقية في مهنة الطب تحكمنا قبل كل شيء من بينها جلب الفائدة التي تحقق الحياة ودفع الضرر، أي عدم عمل تدخلات ليست مفيدة للمريض، لذا بعد وفاة المريض تصبح أجهزة العناية والتنفس والعقاقير ليست ذات جدوى وفائدة، لأننا نتعامل مع جثة ولا توجد حياة إلاّ إذا كان ذلك من أجل المحافظة على الأعضاء لزراعتها، وأشار إلى أن بعض أولياء المتوفي لا يقتنعون بموت الدماغ باعتباره موت طبيعي، فيظنون بأن المريض لا يزال على قيد الحياة فيطول انتظارهم حتى يتوقف القلب تماماً عن النبض، وتابع محدثي بقوله: "مرات تتحلل الجثث ونشتم رائحتها خلال يومين أو ثلاثة أيام من توقف الدماغ، ويحدث هذا الأمر لبعض الجثث التي لديها خصائص معينة. وتابع : من قبل حدثت وفاة لفتاة ولم يقتنع أهلها بذلك، حيث ظلت بالأجهزة لمدة (22) يوماً، حتى توقف القلب، ولكن لكي أنزع جهاز من مريض توفي دماغياً أقوم بعرض فتاوى دينية على ذوي المتوفين ومناقشتهم في الأمر مع شرح للفتاوى وإعطائهم فرصة لاستشارة أهل الدين وبعد اقتناعهم نقوم بنزع الأجهزة".

صياغة القانون تمت وفقاً لمعلومات منذ 38 سنة
ومن خلال تعليق د.طراوة عن قانون الأعضاء والأنسجة البشرية السوداني لسنة 1978م، تابع بالقول :"مرت على هذا القانون 37 سنة، حيث كان هو أفضل ما يمكن إنتاجه في ذلك الوقت، وتم استنباطه على حسب المعلومات العلمية المتاحة للذين قاموا بصياغته، وهو من صنع البشر وقابل للمراجعة والتعديل، وطوال هذه الفترة لم تتم مراجعته ربما لعدم الحاجة، أما الآن فنحن في نازلة تحتاج إلى إعادة النظر، فقد حان الأوان لإعادة النظر فيه، ففي ذلك الوقت تم الاستناد على المعلومات العلمية المتاحة للذين قاموا بصياغته إلاّ أن المستجدات في مجال الطب والطب العدلي صارت متقدمة على ما تم ذكره في هذا القانون، وهناك فوارق كبيرة واكتشافات عديدة حدثت، ومع ذلك نتفق في نقاط ذكرها قانون سنة 78 من بينها : كشف يجريه طبيبان مؤهلان من ذوي الخبرة، وكذلك إجراء اختبار توقف التنفس، لكن إشكالية القانون أنه حدد توقف نبضات القلب شرطاً، لذا هناك محاذير لطالما أن المريض يستخدم العقاقير والأدوية التي تقوم بتنشيط عضلة القلب يمكن أن تستمر في النبض لفترة تمتد لأيام وأسابيع، لذا نحتاج لنص قانوني يتماشى مع التطور الذي حدث للطب، ويتم النظر في مسألة تحديد الوفاة قانونياً، وتابع محدثي: وفاة الدماغ تحفظ للموتى كرامتهم وتضمن إكرامهم والإسراع لدفنهم، لأن انتظار الموت عن طريق توقف القلب له آثار من بينها عدم تأكد الأسرة من حدوث قدر الله، وهناك آثار نفسية تصيب الأطباء والسسترات، فعلاج مريض قابل للعودة للحياة تختلف من معالجة جثة، مبيناً في ذات الوقت بأنها تمثل إهدار لموارد الدولة والمواطنين، وتحرم شخصاً آخر في أمس الحاجة لأجهزة العناية دون إهدار الوقت في جثة لا أمل فيها.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة