Untitled Document

نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل(10)

عرض المادة
نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل(10)
100 زائر
10-01-2017
الشفيع خضر سعيد

نحو أفق جديد


نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل
بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10)

تناولنا في المقالات السابقة، أهمية دور القوات النظامية والأحزاب السياسية القوية والمجتمع المدني الفعال في استقرار الديمقراطية. وفي مقال الأسبوع الماضي ناقشنا دور القوات النظامية، واليوم نفصل في دور الأحزاب، وكنا قد ناقشناه في مقال سابق، ونبدأ برصد بعض العوامل المؤثرة سلباً في أداء الأحزاب لدرجة إضعافها :
• بالطبع، كلما زادت قدرة الأحزاب على أداء وظائفها، كلما تضاعف تأثيرها في دعم التحول الديمقراطي، في حين يضعف هذا التأثير عندما يزداد حجم ونوعية القيود والضوابط القانونية والتنظيمية المفروضة على الأحزاب السياسية، كما هو حال السودان الذي عانى لعقود طويلة، ولا يزال يعاني، من الديكتاتوريات المزمنة واحتكار السلطة، ومحاولات احتكار السياسة، أو إلغائها من المجتمع.
• التناقض الناشئ من أن الأحزاب مؤسسات سياسية حديثة باعتبارها نتاج الثورة الصناعية البرجوازية في أوروبا، لكن جوهرها في السودان مثقل بالطابع التقليدي المرتبط بالطائفة والقبيلة، والذي يؤثر سلباً في الأداء الحزبي.
• معروف أنه كلما تحققت الديمقراطية داخل الأحزاب زاد احتمال تأثيرها في دعم التحول الديمقراطي. لكن واقعنا يشير إلى ضعف الديمقراطية وغياب المؤسسية في العديد من الأحزاب، حيث تسود روح العسكرة القائمة على الأوامر والطاعة، والتي كثيراً ما تستخدم غطاءً لمنع حرية التفكير، وذريعة لقمع الأقلية والرأي الآخر، مما يؤدي آلياً إلى تسطيح الفكر وتعطيل حرية المبادرات الذاتية وإمكانيات الإبداع الخلاق، وإلى خضوع عضو الحزب إلى سلطات تراتبية لا يستطيع اختراقها، فيتحول مع مرور الزمن إلى منفذ لا يفكر ولا يبدع، ويتقلص وجوده وفعالياته الذاتية، بل وفي النهاية ربما يصبح بطبيعة ممارساته ضد الفكر والإبداع، خاصة أن العضو يُقيّم على أساس انضباطه في تنفيذ أوامر القادة بلا تردد ولا مناقشة. كل هذا يتناقض مع طبيعة الأحزاب السياسية كممثلة للمواطن ومهيكلة لمطالبه، والتي تقتضي منها أن تملك نخباً ذات تأهيل سياسي عالي، وقدرة على الإبداع والتفكير الحر والنقدي، تجعل الحزب يحتل مكانة عالية في الحياة السياسية.
• التناقض بين قيادات الأحزاب وقواعدها فيما يتعلق بمصالح القيادات ومصالح القواعد وطموحاتها.
• عدم تجديد القيادات الحزبية وبالتالي معاناتها من الجمود والتكلس وفقر خطابها.
• ذبول حركة الثقافة في المجتمع وتقلص دور المبدعين.
• هجرة العقول والكوادر الوسيطة في الأحزاب.
وإذا كان التجديد والإصلاح الحزبي هما من شروط استدامة الديمقراطية واستقرارها، والتي هي في صدر ركائز ومقومات المشروع النهضوي الحداثي في السودان، فإن العقلية المسيطرة في بعض الأحزاب ترفض التجديد والإصلاح، ولكن هذا لا يعني استحالتهما. صحيح أن الإصلاح الحزبي يصطدم بآليات مقاومة، ولكن هذا الاصطدام في حد ذاته سينتج واقعاً جديداً، فإما رفض الإصلاح وما يتبع ذلك من تصاعد ظاهرة الإنشقاقات والخروج الجماعي من الحزب وإنزوائه، أو الاستجابة مما يعني نجاح الإصلاح وتطور المنظومة الحزبية. وتتعلق مسألة معالجة الضعف واستعادة الأحزاب لبريقها، بمراجعة كل حزب لتجربته، وبالابتعاد عن الكسل الذهني والعقلية التبريرية، وباستيعاب متغيرات العصر والواقع، وبالتخلي عن الدوغمائية، وبالتغيير الدوري للقيادات وتمكين الشباب، وبالفن والإبداع في اجتراح التاكتيكات الجديدة، وبالخطاب الجديد النابع من الواقع وليس من بطون الكتب... وتحديداً نحتاج أن نُعمل الفكر النقدي في طرائق تفكيرنا ومناهج عملنا التي كثيراً ما تقودنا من خطأ لآخر، وأن نتمسك بمبدأ النقد البناء للمفاهيم التي ظلت مطروحة منذ الأمس، وأن نختار مواجهة هذا العصر الرقمي بنفس طريقته التكنولوجية المتسارعة والمدهشة في ابتكار الجديد. واعتقد أن ضربة البداية هي اعترافنا بأن الخطاب الحزبي أصبح يواجه معضلة في تثوير الأجيال الجديدة وإلهامها، مما يستوجب علينا الاستماع بتفهم واستجابة إيجابية لكل الأصوات التي تنتقد الأحزاب وتتهمها، عن حق، بالتوهان في متاهة عدم اكتشاف سر المفارقات العجيبة، مثل مفارقة الحرب الدائرة في كل مناطق الهامش تقريباً، والنظام المهترئ الذي لا يزال يحكم في المركز، ومفارقة المواثيق والهيكلة والفعالية لتحالفات المعارضة بعيداً عن اكتشاف كلمة السر الضرورية واللازمة لإحداث الحراك الشعبي الجماهيري. علينا أن نستمع إلى كل ذلك، ونتمثله بعقلية تتقن استخدام منهج النقد والمراجعة وإعادة النظر، عقلية تقبل التعدد والاختلاف، فلا أحد يحتكر الحقيقة، ولا أحد أحق بالحرية والعدالة أكثر من سواه، ولا يمكننا المطالبة بالديمقراطية من غير الانخراط في برامج عملية ملموسة لتمكين الديمقراطية، داخل أحزابنا وفي المجتمع، ولتسقط مفردات الأول/الفائز/ الغالب في العمل السياسي، والتي لم نحصد منها غير الحروب والدمار والأزمات المزمنة.
ومن وجهة نظري الخاصة، اعتقد يجب أن لا يكون حكمنا على تاريخ العمل الحزبي في السودان منطلقاً من موقع الإدانة أو الثأر أو التشفي، بل من موقع النظرة النقدية الموضوعية التي تتيح لنا استخلاص الدروس، دون أن يغيب عن وعينا أن الحزب بنية قابلة للنقد والتغيير والمراجعة بصورة دائمة من خلال الممارسة الديمقراطية، والنشاط الفكري المنفتح على ثقافة العصر، والمؤتمرات الدورية المنتظمة على مختلف المستويات. والنظرة الموضوعية، والناقدة، لإسهامات الأحزاب السودانية في المسيرة الوطنية، تتطلب من التقيد بإعمال هذا النقد وفق مبدأ أن المعالجة الخاطئة من هذا الحزب أو ذاك لا تعني تخوينه أو الحكم بعدم وطنيته، ومبدأ انتفاء تقديس الثنائيات، رجعي/تقدمي، يسار/ يمين...الخ، والذي أعمانا من اكتشاف أن الآخر يمتلك أيضاً دوراً، ورؤى، لتجسيد المشروع الديمقراطي.
إن البرنامج الصحيح لأي حزب لا يضمن سياسات صحيحة في كل مناسبة، وخاصة عندما يواجه الحزب منعطفات جديدة في الأحداث، وهي أمور لا مفر منها في الحياة الواقعية. وحتى النقاشات والصراعات الفكرية لا مفر منها داخل الحزب، أي حزب، ولكنها لا تقدم أي ضمان لأجوبة صحيحة. فقط التجربة العملية والممارسة يمكن أن تعطي البرهان النهائي حول من كان على خطأ ومن كان على صواب. إن علاقات الحزب مع الشرائح والطبقات التي يعلن أنه يعبِّر عنها، وكذلك الصراعات الاجتماعية التي يخوضها باسمها وعلى أساس أطروحات نظرية محددة، هي بذاتها أرضية اختبار لصحة هذه الأطروحات في الظروف الجديدة والمثيرة للجدل. ومن ناحية أخرى فإن هذه العلاقات يجب أن تتعدى، بحكم الضرورة، حدود أعضاء الحزب لتشمل قطاعات أوسع وسط الحركة الجماهيرية، وهذا يؤكد ضرورة أن يرتبط الحزب بهذه بالجماهير ويسهم بفعالية في نضالها اليومي وفي داخل مؤسساتها التي تبنيها وتؤسسها، بعيداً عن التعامل النخبوي المتعالي أو التآمري، وعبر أدوات واضحة ومعلومة للجميع. وعلى هذا الأساس، ولكي تسهم الأحزاب فعلاً في ترسيخ الديمقراطية وإنجاز المشروع الوطني النهضوي لبناء الدولة الحداثية في السودان، فلابد من تبنيها لعدد من المبادئ، أهمها، في نظري:
• إذا كنا جميعاً على قناعة بوحدة الهدف، هدف بناء دولة سودان ما بعد الاستقلال الوطنية الحداثية، فلا بد أن ننطلق من فرضية أن الوطن لا يبنى بآيديولوجية هذه الكتلة أو تلك، ولا بمشروع هذا الحزب أو ذاك، وإنما بمشروع وطني قومي مجمع عليه.
• لا مكان للمرجعيات أو الأفكار الجاهزة، ولا مجال للحقائق أو الثوابت المطلقة، ولا فائدة من النقل الميكانيكي لما يفرزه واقع آخر، يسترشد بما توصلت إليه البشرية من معارف، وبما هو كامن في التراث السياسي والثقافي والاجتماعي المحلي، وبما يفرزه واقعه الراهن من مفاهيم، واضعاً في الاعتبار كل مستجدات العصر ومتغيراته ومستعيناً بالمنهج العلمي في استقراءاته واستنتاجاته.
• لا احتكار للحقيقة والمعرفة، ولا تقليل من شأن الأحزاب الأخرى أو من هم خارج صفوف الحزب، مع التأكيد على أن الخلاف مع سلطة الاستبداد ليس مجرد خلاف في الرأي، وإلا سقط الحزب في الانتهازية السياسية المترددة.
• الحزب ليس غاية بذاته، بل وسيلة لغايات وأهداف أسمى أساسها الوطن. هو اتحاد طوعي لمجموعة منظمة من الناس تسعى إلى تغيير السلطة السياسية، أو تدعيمها على أساس منهج واحد، وبرنامج محدد.
• أساس الحزب هو برنامجه ودستوره ولائحته التنظيمية. أما هويته فتتجسّد، في قدرته على تمثيل قوى التغيير من كل الطبقات والفئات الاجتماعية، مع التمسك بمصلحة المجتمع الجمعية استناداً إلى صيغة التعاقد الاجتماعي التي يتم التوصل إليها، دون أن يكون هناك تعارض بين مصالح من يمثلهم الحزب ومصلحة المجتمع ككل.
• الاستماع لوجهة نظر الجماهير والتشاور معها حول قضاياها واحترام ما تقدمه من إسهامات ومقترحات واضعين في الاعتبار أن من نعايشهم هي الجماهير التي تعيش العصر بكل متغيراته وتمتلك خبرة وذخيرة وافرة من التجارب النضالية.
• أن يستفيد الحزب إلى أقصى مدى من منجزات العلم الحديث في نموه وتطوره، مسايراً النظم الحديثة في الإدارة والتنظيم، ومؤمناً بقدرات الإنسان في التطور والإبداع.
• إشاعة الديمقراطية في كل أنسجة الحزب وحياته الداخلية وطرائق عمل، والتمسك بأساليب النضال الديمقراطية، ونبذ العنف والتآمر، والتمسك بالعلنية في نشاط الحزب كمبدأ ثابت، مع مشروعية العمل السري في مواجهة الاستبداد والديكتاتورية، بشرط توفر ضمانات وآليات تمنع تحول السرية إلى مدخل للهيمنة على عمل الحزب.
• سيادة المؤسسية والقيادة الجماعية والتداول في المواقع القيادية في الحزب، وذلك على أساس من الديمقراطية الواسعة والتي يجب أن تسود في كل هيئات الحزب بدءاً بطرح المواضيع والقضايا داخل الهيئات ومشاركة الأعضاء في المناقشة وحسمها بالتصويت والتزام الجميع برأي الأغلبية على أن تحتفظ الأقلية بحقها في التعبير عن رأيها في منابر الحزب الداخلية والجماهيرية، دون الإخلال بتنفيذ ما أصبح قراراً وفق آلية الحسم الديمقراطي، وكذلك حقها في طلب مراجعة القرار المعني. إن تعدد الآراء بهذا المعنى يعزز الديمقراطية وتجديد القيادة حتى لا تستمر لدورات متكررة لا تنتهي.
• سيادة مبدأ أن المسؤولية الفردية لا تلغي القيادة الجماعية، بل تؤكدها وتعززها. فالمسؤولية الفردية ليست تفويضاً مطلقاً وإنما يستوجب الحضور الفاعل للعقل الجماعي في كل مؤسسات الحزب، وإثبات الحق المشروع لكل أعضاء الحزب في التدخل المستمر للتقويم والتصحيح والنقد.
• ضرورة المزج الخلاق بين العمل السياسي المباشر ومداخل العمل غير المباشرة، مع تنوع وتعدد الأشكال التنظيمية وأساليب العمل، تماشياً مع واقع التنوع والتعدد وتفاوت مستويات التطور في البلاد.
إن معركة التجديد والإصلاح الحزبي دائماً ما تقودها شريحة الشباب ضد العقلية المسيطرة في الأحزاب. وهذه المعركة تكتسب مشروعيتها من أن هذه الشريحة الشباب هي وقود الثورات ومشعلة شرارتها. ومؤخراً، اتجهت شريحة الشباب إلى تأسيس منابرها الخاصة داخل أو خارج المؤسسات الحزبية. ونتيجة ذلك ستكون واحد من اثنين: إما أن تنحني القيادات القديمة لعاصفة الشباب فتستجيب لدعاوى التجديد والإصلاح الحزبي، أو تتكون مؤسسات جديدة كلياً. النقطة المهمة هنا ألا يكون هم المؤسسات الجديدة وشغلها الشاغل هو الحرب والتناطح مع المؤسسة القديمة، بل التعامل معها بكل احترام الابن المهذب لأبيه مع تأكيد اختلافه معه، وعدم قبوله بسياساته. إن صراع المجايلة لا يسبب انتكاساً، ولكن سوء إدارة هذا الصراع هي التي تسبب الانتكاسات. واعتقد أن صراع المجايلة يمكن أن يكون صحياً ومثمراً إذا تم بطريقة موضوعية بعيداً عن محاولات خلق الفتنة بين جيل الشباب والأجيال السابقة، وبين الشباب والأحزاب، والتي تهدف إلى تحويل الشباب إلى مجرد دمي تنفيذية، بالاستناد إلى مغالطات عقيمة، من نوع الشباب عديم الخبرة، أو تحرضه جهات أجنبية.

د. الشفيع خضر سعيد

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 3 = أدخل الكود