Untitled Document

خارج عن القانون الحلقة الثانية

عرض المادة

خارج عن القانون

الحلقة الثانية

مرة ثانية نعود عبر مغامرتي الصحفية في مناطق خارج القانون استطعت خلالها الإلمام بتفاصيل عمق الحياة النيقرزية (حياة عصابات النيقرز) وفي هذه السطور التي استكمل بها حلقة دائرة العقد الفضوي في هذه المناطق. أكتب هذه السطور بدموع أمهات خلعن ثوب العفاف وروَّضن الأجساد للغواية والرذيلة ليمسحن دموعاً أكثر حرارة من دموعهن وهي دموع أمطرها الجوع والحرمان الأبوي (أقصد بها دموع أطفالهن).

سطور أكتبها بكآبة فتيات امتهن تسويق الشرف الأنثوي لتخفيف عبء المسؤولية الأسرية.

عزيزي القارئ لقد بكيت كثيراً عندما سمعت قصصهن، هلا تبكي معي لنخفف عليهن المعاناة، ونكون أخذنا أجر العزاء على ضياع شرف هؤلاء النساء والفتيات؟.

دخلت مع رفقائي النيقرز عدداً من بيوت الدعارة، وفي أحد تلك البيوت كادت أن تنشب بيننا وبين مجموعة أخرى حرباً لولا إشارات أحد رفقائي النيقرز أوحت بأنه فرد في مجموعة صديقة لتلك المجموعة التي حاولت الاعتداء علينا .

نعود إلى حديثنا حيث وجدت في تلك البيوت نساء لديهن أطفال يقمن بواجب المسؤولية تجاههم وفتيات من عمر 14 إلى 27 عاماً، يكسبن رزقهن من تلك التجارة القذرة، التي معظم زبائنها من الشباب.

وكل بيت لديه امرأة في وظيفة مدير تدير حركة اختيار الزبائن للفتيات تسمى بـ(القرببيرة) وأيضاً يدفع لها أي مرتاد (الرجل الذي يأتي ويدفع مبلغاً لقضاء وطره). السعر المحدد، تتفاوت أسعار ممارسة الجنس على حسب الفئات العمرية ودرجة الحداثة (أي البنت الجديدة الوافد حديثاً في بيت الدعارة)، فمنهن من تمارس مع الشخص بعشرين أو أربعين أو خمسين وأكثر، وأيضاً تتفاوت البيوت في درجة التجهيز والتهيئة الداخلية كوسائل الراحة والاطمئنان التي تجذب أولئك الشباب المنحرفين كثيراً.

دواعي الدعارة..!

تعددت دواعي وأسباب قدوم النساء على فعل الفاحشة في هذه المناطق، ولكن كل دواعيهن تجسدت في مفردة الفقر، الشباب الذين التقيتهم في مغامرتي الصحفية هذه، كلهم جامحين أي زناة واستفاضوا لي في هذا الأمر كثيراً فمنهم من قال لي أنا أزني وأدفع للفتاة ومنهم من قال : أنا أشبع شهوتي وأعطي مواد عينة للفتاة التي أضاجعها كالتلفون والملابس.

فحين وطئت قدمي معهم تلك الأماكن (بيوت الدعارة)، رأيتهم بأمي عيني يدفعون نقوداً لإشباع حوائجهم الجنسية، أظهرت عطفاً ( للقرب بيرة).

وأنا أتحدث معها في نغمة تنم عن مشاركتي الوجدانية لها ففي بوح يجسد مرارة الفقر والحرمان تنفست صاحبة الدار عن دواعي افتعال الزنا فقالت محدثتي: نحن مجموعة من النساء من بيننا فتيات في مقتبل العمر فتحنا هذا البيت رغم كبريائنا وكرامتنا لكسب عيشنا تقليلاً لوطأة الفقر المدقع .

انحرفت من أجل أولادي..!

وتواصل مديرة البيت (القرببيرة) في سرد تفاصيل حكايتها المحزنة والأسباب التي تدفعت تلك البنات اللاتي يعملن معها في البغاء إلى الانحراف فأجابت: كل النساء اللاتي يأتين هنا لديهن أبناء يقمن بتربيتهم، ثم نادت إليّ ثلاث فأدلين بالآتي : الأولى تحدثت إليّ والدموع تملأ عينيها وجدنا قوتنا من هذه المهنة القذرة (الدعارة ). وأردفت: عملت بائعة شاي ومعظم الذين يأتون إليّ من الرجال يريدون مراودتي عن نفسي، وأضافت محدثتي بانكسار : اضطررت إلى الاستجابة لنزواتهم في خاتمة المطاف مقابل مبالغ يدفعونها لي، وعن أتيانها هنا عللت محدثتي الأجواء في هذا المكان مهيأة لممارسة الفاحشة، فلذلك أتردد هنا دوماً وأصبحت أمارس هنا مع من يدفع من أجل إعالة أولادي..!

ثم سألتها أين زوجك ؟! فقالت تزوجت منذ فترة وأنجبت بنتان وزوجي طلقني وأختفى نهائياً وأي مؤسسة أو رجل تستنجده لن يعول لوجه الله وإنما كثير من الرجال يستغلوا عوزنا وفقرنا وحاجتنا، ليمزقوا شرفنا.

أما الثانية فقالت: زوجي توفي وترك لي ولدين وبنت وأمي مريضة طرقت أبواب الزكاة والخيِّرين ولم أجد فعملت بائعة شاي، ولكن عائدها المادي لا يكفي أبنائي وأمي المريضة، فلذلك وظفت جسمي لأشبع شهوات الرجال ومزقت عفتي وشرفي لأتلافى هذا الجوع والمرض.

أما الثالثة قالت لي: من أجل أبنائي ووالدي الذي بلغ من الكبر عتياً أعانق الرجال ليقضوا فيّ وطرهم فاعود إلى منزلي، وقد جلبت لهم قوت يومهم، وأردفت: أعلم أن ممارسة الزنا حرام شرعاً وقانوناً، ولكن الوضع المعيشي قاسٍ والأهل أصبحوا يفكرون في أنفسهم فقط والحكومة لا تدعم الفقراء والأرامل فأصبحنا حيوانات أمام الرجال يروضوننا بنقودهم كيفما يشاءون، وأضافت محدثتي: أنا أمية لم أدخل المدرسة ومصيري أصبح في الشارع والسوق، فحقا بي أن أسلك سلوكاً منحرفاً لدفع فاقتي.

ضحيت من أجل والدي..!

دلفت مكاناً آخر مع شابين من النيقرز الذين لهم فراسة عالية في اصطياد أماكن بيوت الدعارة السرية فجلسنا في راكوبة ونادى أحد الشابين فتاة وبعد قليل حضر إلينا أربع بنات كلهن في سن الشباب بالإضافة إلى أنهن عانسات وبعد مضي ساعة تقريباً من جلوسهن معنا شربنا خلالها معهن القهوة والشاي بدأت أحكي الجانب المأساوي من قصة حياتي لإثارة حفيظة الحضور وتلميحاً لاستبانة ما يضمرنه من معاناة قائلاً: (الوضع كعب ووالدي في ذمة الله، ولديَّ أخوان، والقروش البجنيها مابتكفي).. جملتي كان لها وقع ثقيل في أذان الفتيات فرجع صداها حزيناً جعلني أذرف دموعي كثيراً فإحداهن ابتدرت حديثها ورنة الأسى التي عليها قد هزمت ضجيج الحضور قائلة: والدي معاق وأمي مريضة بالسكري ولا توجد فرصة عمل للأميين إلا بيع الشاي، وهذا العمل لا يساعدنا على سد الرمق فيأتي إلينا الشباب ويغرونا بالمال مقابل تلبية نداء شهواتهم. وأردفت محدثتي: تجربتنا في السعي للحصول على العمل الشريف باءت بالفشل فلذلك اقتحمنا أبواب العار فوجدنا التوظيف فيه سهلاً، وعن التكافل المادي (الزكاة) الذي أقر به الإسلام وكل الأديان والقوانين الإنسانية فردت والغيظ والسخط بادياً عليها: الزكاة لا تكفل وأقاربي حالهم سيئة والرجال أصبحوا لا مروءة لهم في هذا الزمن، فهذه العوامل أكرهتنا على تسويق شرفنا، وعن هذا المكان قالت: نأتي هنا لأن كل من يريد قضاء وطره بطريقة غير شرعية يقصد هذا المكان، وأضافت محدثتي: أي فتاة فقيرة ليس لها من يعولها نقنعها للعمل في هذا المكان لكي تساهم في تقليل جوعها وجوع ذويها. فتاة أخرى أغراها هذا البوح المأساوي لتنفس عما بداخلها فنسجت مبررات لمعاقرتها الرجال عبر الألفاظ الكئيبة لتفوز على أخواتها بمأساوية الوضع الأسري، فقالت : والدي متوفٍ وأمي تعمل ودخلها لا يكفي لإعالة أسرة وأنا الكبيرة في أخواني الثلاث، استدرجني أحد الشباب إلى هنا مقابل مبلغ لأباس به، ومن ذاك اليوم أصبحت من فريق هذا المنزل واتحصل على أجري المالي يومياً .

التربية المتواضعة والتفكك الأسري..!

اتصل أحد رفقائي من النيقرز بعدد من فتياته وفتح مكبر صوت هاتفه (السماعة الخارجية) بعد أن طلبت منه معرفة انحراف فتياته الأخلاقي. فالأولى قالت: نشأت في أسرة ربها يعمل من الصباح ولا يعود إلا ليلاً، وأمها تعمل في السوق ولا أحد يأمر وينهي، فاستغل الشباب هذا التفكك الأسري ونالوا مني وطرهم. وأضاف رفيقي: أصبحت هذا الفتاة الآن محترفة دعارة.

أما الثانية اتصل بها بعد أن أحضرتُ له (كرت رصيد) وسألها عن أبيها (هل رجع إلى البيت) فأجابت: لا فقطع الاتصال بها وقال: هذه البنت أبوها طلق أمها وتربت مع أمها وليس لديها أب أو أخ ينهر ويضبط، فمارست معي الزنا كثيراً ومع شباب الحي في بيت للدعارة بالقرب من منزلها، وأضاف شاب متدين في هذا الحي : كثير من أسر هذا الحي تتواضع في تربية أبنائها بسبب التفكك الأسري مما جعل الفتيات ينشأن وسط شباب جامح لا يضبط شهوته.

نبذ بعض الأسر لبناتها..!

سألت أحد رجال الحي عن فتيات يفتقرن لأسر (طردن من أسرهن لسبب ما) فقال: أعرف فتاتين طردن من أسرهن بسبب العار، فجئن لهذا الحي ومكثنا مع أسرة بالقرب مني وصار المنزل مكتظاً بالشباب المنحرفين، وأكدت لي محترفة دعارة (قرببيرة) أن منزلها به عدد من الفتيات نُبذن من أسرهن من داخل الخرطوم ومكثن معها يمارسن الرذيلة مقابل مبالغ يستعن بها على قضاء حوائجهن.

إدمان بعض النساء المسكرات والمخدرات..!

عندما زرت بيوت الخمور وجدت نساء كثر يشربن الخمر ويدخن الحشيش والسجاير ولاحظت بعض السكارى و الشباب الذين يدمنون التدخين أصطحبوا هؤلاء النساء، فبعض الشباب أعطوا بعض النساء الحشيش والبعض الآخر من الشباب يشتري للبعض الآخر منهن الخمر، وكل شاب أعطى امرأة سجارة أو إناء خمر يغادر بها دار الخمر، فعندما سألت المجموعة الشبابية التي أجلس معها عن هذا فأجابني أحدهم :إنهن يأتين إلى هنا لكي يتحصلن على سجارة أو خمر مقابل تسليم أجسادهن للشباب الذي يعطي السجارة أو يشتري لهن الخمر، وأكد شاب آخر يجلس معنا، كلنا في بيوت الخمور نفعل ذلك عندما تنبهنا الغريزة الجنسية لذلك. وشاب آخر حكى لنا أنه قبل يومين اشترى (بنقو) لفتاة وذهب بها إلى بيته.

الرغبة في الحياة الشريفة العفيفة..!

بعد أن أطلعت على أسباب دوافعهن التي حرمتهن من شرف القبول الاجتماعي ألح على ذهني سؤالاً عن قابلية الاندارج في الحياة ذات العفة والصلاح فأجابتني أم لأطفال: ألفاظ الانحلال الأخلاقي مثل العاهرة، بائعة الشرف بائعة الهوى، عندما أسمعها توجه إليّ تدمع عيني، ولكن سلطان الفقر أرغمنا لنتصف بتلك الصفات الذميمة، وأضافت : لو وفروا لنا مشاريع إنتاجية أو الحكومة تكفلت بنا بإعطائنا رواتب على اعتبارنا أرامل أو مطلقات فقيرات لنخلع فوراً عن هذا الذنب. أما أخرى فقالت عن الرغبة في العفة: أنا لا أمانع في أن أكون عفيفة، ولكن ليس لي من يعولني وأطفالي، لا أقارب لا حكومة لا زكاة تكفل. وأضافت فتاة قائلة : دخلني ملل ويأس من هذه الحياة، ونظرة المجتمع الدونية والازدرائية إلينا، فأتمنى أن تنفرج هذه الضائقات المعيشية ونرجع إلى حياة العفة، فتاة أخرى وجدت متنفساً بهذا السؤال الذي وجهته إلى زميلاتها فلفظت الآتي : شعرت بالحسرة من هذه الأفعال الرذيلة، ولكن لا أحد يجود علينا.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 3 = أدخل الكود