Untitled Document

رئيس القضاء الأسبق وصاحب أشهر لجنة تحقيق بالسودان دفع الله الحاج يوسف لـ"التيار":

عرض المادة


الحلقة الأولى
هذه مجمل الصورة حول (لماذا تأخرنا في تكوين دولة القانون)
""""""""""""""""""""""""
جاءت أكتوبر بسبب احتقان سببه الحكم الشمولي لمدة ست سنوات
""""""""""""""""""
التمكين من مصائبنا السياسية وظل موجوداً منذ الاستقلال
""""""""""""
الفساد ظاهرة لا يمكن إنكارها وللأسف هي ليست مقصورة على من يتولون مناصب عامة
"""""""""""""""""
الرجل غنياً عن التعريف، تاريخه معروف ومواقفه ومحطاته، حتى أختير في أعظم مهمة واستفادت الحكومة منه وقدمته ليترأس لجنة استقصاء الحقائق بعد حريق دارفور والخراب الكبير الذي عم ربوعها، لينال التقرير القبول والاعتماد، وبعد عشر سنوات من الصمت، قابلته في مكتبه بالعمارة الكويتية وفي يده السيجارة وما زال عمنا الحاج أنيقاً بذاكرة جيدة منافحاً للحق يختار عباراته بدقة يقف في قاعات المحكمة محامياً ويحضر الندوات ويترأس الاجتماعات في إصرار.
نعم، وجدته بحضور حقيقي وطوال شهرين من الانتظار والتأجيل عقدنا العزم على الوصول للشاطئ الثاني وأعطاني مجمل الصورة لتقرير لجنة استقصاء الحقائق مع وصفة سياسية وأرقام وصورة متكاملة لجزء من تاريخ ظل موجوداً عنده، سألته متى تكتب المذكرات فنظر لساعاته وسنين عمره ونظر نحو الأفق وطلب كوب شاي وأحرق سيجارة أخرى بأناقة الستينات، تأسف الرجل لتداعيات الأحداث، وكنا بالقرب من أزمة الدواء، يدق يداً بيد على تراجع الحال.

× عمنا دفع الله الحاج يوسف.. ربنا يديك الصحة والعافية.. أصبحت فينا من جيل الخبراء؟.
• انتمي لجيل ولد في الثلاثينيات من القرن الماضي، وتفتحت عيوني على كل ما حفلت به ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات ذلك القرن، ومن بينها أحداث متعددة شكلت لاحقاً مستقبل السودان.
• × مثل؟.
• - على رأسها إصلاح نظاaم التعليم الأساسي وقيام بخت الرضا (على فكر تربوي عميق)، يربط بين إعداد المناهج الدراسية وتطبيقاتها وبين توثيق السلطة بين المدرسة التعليمية والمجتمع الريفي آخذة في الاعتبار طبيعة المجتمع وتراثه التعليمي وتدرجه في مجال الحداثة.
• × كيف شاهدتم تلك الأحداث وكنتم الجيل الذي عاش لحظات وأحداث تشكيل الوطن ورسم صورته العامة؟.
• - (كنا كدا فعلاً) ومن تلك الأحداث ازدياد الوعي السياسي بقيام مؤتمر الخريجين والاهتمام بالتعليم الأهلي ليتطور الفكر السياسي في السودان بخروج المستعمر وتحقيق الاستقلال، وهناك مدرسة أخرى ترى أن الكفاح المشترك بين مصر والسودان، البعض يرى أن خيار الوحدة بين وادي النيل هو الأجدى لمقاومة الاستعمار، والبعض يزيد ويرى صحة العلاقة في الوحدة بين مصر والسودان.
• - × والرأي الثاني؟.
• - يرى أن يحتفظ شعبنا بخصاله بهويته ونبقى على الصلات الوطنية والعلاقات التاريخية الراسخة.
• × كانت معركة بحالة تلك الأيام؟.
• - وكانت هذه المعركة الدائرة يتم على أساسها الاتفاقات للحكم الذاتي وخروج الاستعمار بجلاء جيوش دولتَيْ الحكم الثنائي وسودنة الوظائف، وظلت المعركة قائمة وحسمت بإعلان الاستقلال من داخل البرلمان بتلك الطريقة المعروفة.
• × كيف كان العالم آنذاك؟.
• - كانت الحرب العالمية ونهايتها تفرض واقعاً وكانت تأثيراتها على السودان واضحة احتلال كسلا بالطليان كامتداد على الحبشة
وبعدها النيل الأزرق، وحارب جنودنا باستبسال نادر في الجبهة الشرقية والغربية، ولعل من أهم نتائجه تكوين لحمة الوطنية الحالية وإصرار الناس على وطن معروف بحدوده وتاريخه وثقافته.
× الثقافة في أولى خطاها؟.
• شهد جيلنا انتعاشة الحركة الثقافية بصدور مجلة "الفجر" وبداية المنتديات الأدبية في أم درمان (أبوروف والهاشماب) وفي مدني وفي هذه الفترة تحديداً شهدت بلورة الفكر السياسي باتجاهاته الثقافية، وبذلك كان هذا الجيل الذي أتشرف بالانتماء إليه بدأ بنظام تعليمي جيد وخدمة مدنية متميزة وترسيخ فكرة ممارسة دولة القانون.
• × الحديث عن دولة القانون مبكراً (شيء مدهش)؟.
• - نعم، لأن كل العقود السابقة كانت تتسم بغالبية ترفض الاستعمار بمقاومته، بدءاً من كل الحركات الوطنية من قبل الاستعمار والتي جاءت حركات رد فعل على هزيمة وانهيار الدولة الوطنية، فظهرت مختلف الانتفاضات لتجديد المهدية مثل: حركة ود حبوبة وحركات في غرب السودان وفي سنجة وكان نوع الحكم مركزياً شديد الوطء على المواطنين مما حال من تأخر ظهور دولة القانون.
• × هل التقيت بالإمام الصادق في الجامعة؟.
• - لم التق به في الجامعة، دخلتها بينما غادرها هو إلى إكسفورد في 1954م، ولكني أعرفه جيداً بحكم طبيعة العلاقات الجيدة الممتدة في أم درمان آنذاك، التقيت به في أماكن عامة وسمعت عنه لاحقاً عن توجهه الإسلامي، وعلمت أنه قارئ نهم، وبعد سنين أهدى لي كتاباً (ليس بالخبز وحده)، وهو كتاب أثار الكثير من النقاش في وقته، ثم توسعت مع الأيام الأواصر معه ومع أسرته الكريمة.
• ×أسرته مؤمنة جداً بالديمقراطية (على الأقل الذي يجري أمامنا)؟.
• - خاصة بناته وأولاده، مؤمنون جداً بالديمقراطية، وحاول الصادق تطبيقها حتى في مجال الأنصار الخاص (كيان الأنصار)، وأظن أن منظور الصادق للديمقراطية مكتسب من ثقافته الغربية ومنذ ذلك الوقت حاول تأصيلها إسلامياً، واعتقد أن اجتهاداته مقدَّرة في هذا الجانب.
• × ولكن الإنقاذ ظلمته؟.
• - نعم، الإنقاذ ظلمته وكل نظام استولى على السلطة بطريقة غير طريقة الانتخابات، ستقع منه مظالم كثيرة على بعض الناس، ومنهم طبعاً الإمام الصادق، وهذا موضوع طويل يحتاج لبحث واستقصاء.
• ×البعض يلومه على إمساكه العصا من الوسط؟.
• - للسيد الصادق طريقته الخاصة في تحليل الأحداث، وقراءة مآلاتها، وقد لا تتفق مع منهج بعض المحللين، ولكنه ينطلق أيضاً من ثوابت فكرية معينة.
• × أين كنت في أكتوبر 64؟.
• - ذهبت لنيجيريا وعدت في 68 ولم أكن شاهداً على أحداثها.
• × كيف قرأت ثورة أكتوبر (لاحقاً)؟.
• - هي ثورة شعبية ذات مقاصد نبيلة، شاركت فيها كل القوة السياسية، وكانت نتيجة لاحتقان سببه الحكم الشمولي لمدة ست سنوات، وبصراحة لم يكن للأحزاب ما يشير لدور قيادي فيها، وانعكس في تكوين أكتوبر المد اليساري (القدح المعلى).
• × ولكن الإحساس العام بأكتوبر يؤكد فشل الثورة؟.
• - صدرت قرارات في ذلك الوقت فيها كثير من التعجل، وكانت عبارة عن رد فعل أكثر منها قراءة للواقع، فبدأ انهيار الخدمة المدنية وتمت عملية التطهير بغربلة عناصر المثقفين وعزل وكلاء الوزارات ذوي الخبرة والدراية.
• × اهتزت الخدمة المدنية من ذلك الوقت وحتى هذه الظهيرة؟.
• - نعم، وفتح الباب لعمليات التطهير كلما تغيَّر النظام في السودان، ومع ذلك كان من الجانب الأخر شيء مهم يحدث، هو فترة انبعاث قومي، وأمل في المستقبل، ورغبة صادقة في التغيير، ولعل القصائد التي ظهرت في أكتوبر 64 من أروع ما كتبه الشعراء السودانيين.
• × ولكن جاءت مايو بميلاد مارشات عسكرية؟.
• - الشيوعيون حاولوا الهيمنة على أكتوبر من خلال جبهة الهيئات مما أدى لخلاف واضح بين الشمولي اليساري والمتوسط، متمثلاً في الإسلاميين، وبدأ صراع عنيف أفضى إلى ما أفضى لطرد، ثم حل الحزب الشيوعي، فتجمع اليسار ثم جاءت مايو.
• × إذن عمر التمكين قديم جداً؟.
• - التمكين من أكبر مصائبنا، وظل موجوداً من بعد الاستقلال وسببه غياب الحكمة والرشد ورغبة كل حزب في الاستيلاء على السلطة وقصرها على منسوبيه، ومن أول قرارات مايو كانت عزل الإسلاميين من الخدمة المدنية والمنشآت، وبعد انتفاضة أبريل 86، جاءت شعارات إزالة آثار مايو، ثم جاءت الإنقاذ أيضاً بإقصاء كل القوة السياسية الفاعلة، واعتقد أن سياسة التمكين كانت خاطئة، كما أشار لذلك الأخ الرئيس البشير في كثير من خطاباته الجماهيرية.
• × وكيف ننهي هذه القصة المؤسفة؟.
• - طبعاً، مفهوم التمكين أدى لكارثة في هذا البلد، وأفضت لبروز القبلية والجهوية والإثنية، ولكن القضاء على تلك الظاهرة المعقدة لن يكون سهلاً، حينما بدأ بالتمكين السياسي وهو أمر يحتاج لوقت ولتربية وطنية جديدة وإلى إعلام راشد وتكوين رأي عام حتى يحل الوفاق والتراضي محل الفرقة والشتات.
• × كنت رئيساً للقضاء.. حدثنا عن ظاهرة الفساد الحالية؟.
• - الفساد للأسف ظاهرة عالمية ووليد شرعي للنظام الرأسمالي ولهيمنة القوة الكبرى على مقدرات العالم والسيطرة أيضاً على بعض النظم السياسية في العالم الثالث، ووراء كل ذلك النهب فكر مادي تسبب في البعد عن القيم.
• × نبقى في السودان لنفهم المؤشر العام لظاهرة الفساد؟.
• - كثرة الحديث عن الفساد وتفاقمه سببه ظهور الثورة التقنية وحلقات التواصل الاجتماعي التي تحتوي على الكثير من أخبار الفساد والمفسدين، وقد يكون بعضها قائم على المكايدات أو النكاية السياسية، وإذا أضفنا عامل تفشي الفقر والأمية وتدهور الخدمات نجد أن بيئة مواتية لانتشار الفساد والتركيز عليه وسيلة من وسائل الصراع السياسي.
• × المهم الفساد منتشر؟.
• - هو ظاهرة لا يمكن إنكارها، وللأسف هي ليست مقصورة على من يتولون مناصب عامة، ولكنها انتشرت نتيجة للتغيير الاجتماعي وتدهور القيم السائدة بقيم جديدة تتسم بالمادية والرغبة في الحصول على مغانم كثيرة.
• × ملازمة الفساد والإسلاميين؟.
• - (دا كان الشيء الغريب على الناس) لأنهم رفعوا شعارات دينية ضد الفساد، والناس ينظرون لهم كقدوة، وأحس الأن أن الرأي العام بدأ يستشعر خطورة الفساد وانعكاسه على مستوى تدني الخدمات والغلاء، بل وحتى اضمحلال الطبقة الوسطى وظهور طبقة جديدة، وهناك قناعة عامة تؤكد أن الفساد ظاهرة لابد من الوقوف في وجهها بالتشريع وقيام المؤسسات وتوعية الرأي العام.
• × الإنقاذ شمولية؟.
• - التاريخ القريب في المنطقة والأحداث التي حدثت في الدول المجاورة والفتن التي تنتظم كل البلاد العربية وبعض الإفريقية تؤكد أن النظام الشمولي لا يستطيع أن يستمر شمولي، واعتقد أن الحوار الوطني الجاري سيؤدي لقيام نظام يناله رضا المواطنين، وكل نظام شمولي لو أصر على استمراره سيقود البلاد (نظام ومواطنين) إلى كوارث، ويكفي أن نلقي نظرة على الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوربا.
• × البعض يعتقد أن الخطأ الحقيقي أقدم من عمر الإنقاذ؟.
• - الخطأ الذي حصل في السودان بعد الاستقلال هو غياب مشروع وطني راشد يحشد طاقات الأمة لبناء الدولة الحديثة وتعزيز التماسك الاجتماعي، ولعلنا الأن نخطو الخطوة الأولى.
• × هل يمكن تحديد نسبة نجاح الحوار الوطني؟.
• - لا يمكن التحدث بالأرقام، ولكن الشيء المهم أن كافة القوة السياسية تتفق على الحد الأدنى من التوافق الوطني الذي يستند على قيم روحية وأخلاقية يستمد من المنهج الرباني وينبذ التعصب.
• × بعض القيادات السياسية تتحدث عن تحديات تنازل المؤتمر الوطني من السلطة وهو الحزب الحاكم؟.
• - السيد الرئيس البشير هو صاحب مبادرة الحوار الوطني، ويدرك أكثر من غيره، طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، وقد يرى بعض منسوبي المؤتمر الوطني غير ذلك، ولكن الذي يسود هو ما أعلنه الرئيس، وأي حزب يستمر في الحكم أكثر من ربع قرن لابد أن تحدث فيه عملية تجديد كبيرة وهذه هي طبيعة الحياة.
• × هل تعرف ما يجري داخل حزب المؤتمر الوطني؟.
• - لست على صلة وثيقة به، ولا أعرف ما يدور بداخله.
• × ندخل لملف دارفور؟.
• - هذا الملف تم استغلال قضيته استغلالاً سياسياً، وكانت الحملة الكبيرة على السودان بعد اجتماع عقد في متحف المحرقة اليهودية، وتولى ذلك بعض الماسكين منهم (بيرندرقاست)، وهؤلاء أطلقوا شعار دارفور تحترق وقامت حملة إعلامية قمنا برصدها ونحن نستقصى الخروقات، ووجدنا في التقرير كل ما ورد سواءً في الصحف العالمية الكبرى أو في الكونغرس أو في مجلس حقوق الإنسان، ووضح لنا أبعاد تلك الحملة واستغلالها السياسي.






   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 1 = أدخل الكود