Untitled Document

الصحافة السودانية ميزان العدالة المختل..! الحلقة الثانية

عرض المادة





الصحافة السودانية ميزان العدالة المختل..!

الحلقة الثانية
للصحافة السودانية تاريخ عريق، بالرغم من ارتباطها بعهد المستعمر، أو انتمائها العقدي في ذلك الزمان. الآن الصحافة السودانية تمر بمنعطفات هي الأخطر في تاريخها، وأصبح مستقبلها غامضاً كما ذكر الصحفي الشاب الزين عثمان. الصحافة كما يراها هيكل هي ورقة الأخبار، وبالتالي فإن المحرر الصحفي هو العمود الفقري لأية صحيفة. الأمر الآن اختلف، وأصبح كاتب العمود الذي يبني رأيه على ما يأتي به الصحفي الذي سخر نفسه للبحث عن المعلومة دون اكتراث لهجير الشمس، وزمهرير الشتاء، ومطارداً لها في ظلمات الليل الحالكة معرضاً نفسه لأحلك المخاطر، ثم يأتي كاتب العمود الذي لا يكلفه عموده سوى دقائق لتكون له الحظوة الكبرى في العائد المادي آخذاً عشرة أضعاف ما يأخذه هذا الصحفي الكادح الذي تقوم على أكتافه أية صحيفة، مجسداً بذلك ما جاء في المثل السوداني: "الخيل تجقلب، والشكر لي حماد". فمن المسؤول عن تشويه الصحافة السودانية؟! وما هي مبررات الناشرين في هذه المفارقة الكبيرة؟!
تحقيق: نصرالدين عبد القادر
هنالك خلل في بنية الصحافة السودانية
"ينقسم الصحفيون إلى نوعين، نوع يهتم بما يهتم به القراء. ونوع يدفع القراء للاهتمام باهتماماته هو، وهذا النوع هم الصحافيون الكبار". هذه المقولة في حالة صحافتنا السودانية ترتبط بكتاب الرأي الذين يمثلون النوع الثاني، أما النوع الأول، فهم الصحفيون الذين يتكبدون المشاق بحثاً عن المعلومة، ومن ثم وصفها وتحليلها. هذا الكلام في مجمله يتطابق مع ما جاء في إفادة الأستاذ محمد عثمان دباويا الذي يعتبر خبيراً في الإعلام، خاصة الصحافة، حيث عمل بصحيفة "جولف نيوز" البرطانية (26) عاماً حتى تقلد منصب نائب رئيس التحرير، وهو السوداني الوحيد الذي درس بالمعهد الدولي للصحافة بالولايات المتحدة بحسب ما ذكر، والآن يعمل بعدد من مراكز التدريب المعتمدة دولياً في مجال الصحافة والإعلام، وعمل أيضا بجريدة الصحافة السودانية. بهذه السيرة المميزة كان لا بد أن يؤخذ رأيه في أمر الصحافة السودانية بحسب ما ورد في العنوان أعلاه. يقول في إفادته، وهو الذي بدأ حياته المهنية في مجال الصحافة بالتدرج الذي ذكرناه في الحلقة الأولى إلى أن تقلد منصب نائب رئيس تحرير في صحيفة من أكبر الصحف البريطانية؛ فيقول: الصحافة السودانية تعاني من خلل كبير خاصة في جدلية العلاقة بين الكاتب والصحفي؛ فالصحف الكبرى لها سياساتها الواضحة، وهي صحف أخبار في المقام الأول، وليست صحف رأي، كما في حال الصحافة السودانية. الصحيفة يجب أن يكون لها عمود افتتاحي ثابت حتى تتماشى مع الأسلوب العالمي، لأننا نرى في الصحف العالمية ونطالع أن "واشنطن بوست" أوردت في صحيفتها كذا، أو صحيفة "الوطن القطرية" أوردت في إفتتاحيتها كذا، أما في السودان فهذا العمود الإفتتاحي مفقود إلا في صحيفتي الأيام والجريدة
هذا العمود الإفتتاحي هو الذي يحدد توجه الصحيفة وسياستها التحريرية، وليس كتاب الأعمدة. ثم تتميز الجريدة بأخبارها المتفردة، وسبقها الصحفي وهذا يقودنا إلى مسألة مهمة وهي أن الصحفي يجب أن يكون صاحب الحظ الأوفر من الإهتمام، وليس الكاتب. ينبغي أو توفر للصحفي كل الوسائل المعينة على عمله، لكن يبدو أن الصورة معكوسة في الصحافة السودانية، وهذا أمر يحتاج إلى معالجات سريعة، حتى تستطيع صحافتنا أن تواكب. ويختتم دباويا حديثه بأن كتاب الرأي يعرضون مواضيع شخصية، القارئ ليس في حاجة إليها، وإلا لذهب لقراءة رواية أو كتاب قصصي، و بعض الأعمدة لا تتوفر فيها معايير العمود الصحفي، وأحيانا تشعر أنها جيء بها لملء المساحات. الصحف الكبرى تجد كتاب الأعمدة بها قلة، لكن لهم وزنهم وتاريخهم في العمل الصحفي. أما الأعمدة في الصحف السودانية (80%) منها تعنى بالقضايا الشخصية، وليس القضايا التي يحتاجها القاريء، وهذه من باب أولى ألا يدفع لصاحبها جنيهاً، ناهيك من يأخذ أكثر من أجر الصحفي. الصحافة الآن تحت ظل غياب الرؤى الواضحة للصحف أصبحت تفتح الباب على مصراعيه، لكل "من هب ودب".
الصحفيون سيجبرون الناشرين على التنافس عليهم..!
يرجع بعض الصحفيين الشباب مسألة المفارقة بين أجر الصحفي والكاتب إلى إرتباط الصحافة السودانية منذ بداياتها الأولى بكتاب الأعمدة، ولكن يختلف مع رأي آخر ـكما جاء في الحلقة السابقة ـ وهو الرأي الذي يربط الصحافة في بداياتها بمصلحة المستعمر، والآن يجب أن يتغير الحال.
وهنا يقول الصحفي بجريدة الجريدة عبد الهادي الحاج: إن الصحافة السودانية منذ عهدها الأول بدأت كصحافة رأي، وذلك لارتباطها بقضايا السياسة أكثر من الاهتمام بالأخبار بشكل عام، أو حتى قضايا الخدمات، وهموم المعيشة اليومية التي تنتج عنها التقارير والتحقيقات الصحفية. ويضيف الحاج: وفي ظل هذا الواقع الذي شكل ميلادها الأول كان لابد أن تكون الحظوة لكتاب الرأي الذين يكتبون حسب رؤيتهم السياسية والتي تشبع رغبة القارئ "المسيَّس" هو الآخر، ثم ترعرعت الصحافة وأصبح كتّاب الرأي هم النجوم وهم من يحققون مبيعات عالية للصحف، وفي ظل غياب الصحف الحكومية الخالصة أو غير الربحية وصدور كل الصحف عن شركات خاصة ربحية من الطبيعي أن يهتم الناشر بالتوزيع العالي الذي يجلب الإعلان وبالتالي يحقق أرباحاً عالية. أضف إلى ذلك ضعف قدرات بعض المحررين ـ وهم يعلمون ذلك ـ لذا تجدهم يقبلون العمل بأجر زهيد، وهذا بالطبع لايعني أن يأخذ كتاب الأعمدة الأجر الأعلى على أي حال من الأحوال. ويردف: لكن حسب اعتقادي إن الواقع في الفترة الأخيرة قد اختلف إلى حد ما، وظهر نجوم من الصحافيين والمحررين الشباب الذين باتت تتنافس عليهم الصحف لقدراتهم الاحترافية العالية على صناعة مادة صحفية تجبر القارئ على شراء الصحيفة التي يعمل بها، كذلك تغيُّر مزاج القارئ وأصبح يريد أن يرى ويطالع القضايا التي تهمه في الصحف وليس الرأي السياسي. وأتوقع بمزيد من اهتمام الصحافيين بتطوير قدراتهم وتأهيل أنفسهم لصناعة مادة صحفية محترفة سوف يجبرون الناشرين الذين يهتمون بالأرباح على تقليل أجور كتاب الأعمدة لأنهم حينها لن يصبحوا نجوماً، بل سيصبح الصحافي المحرر هو النجم الحقيقي لتحقيق مبيعات عالية لصحيفته.
مفارقات الأجور أصبحت حديث الصحفيين
الحديث عن الأجر الزهيد الذي يتقاضاه المحرر الصحفي أصبح مادة رئيسة في كل جلسة تجمعهم، يقول الصحفي بصحيفة "الأيام " حيدر عبد الكريم: هذه المسألة ظلت تؤرق كاهل الصحفيين خاصة الشباب بأحلامهم العريضة تحت ظلال هذه الظروف القاسية، وكثيراً ما تتصدر هذه القضية أجندة مناقشاتهم. ويضيف حيدر: كل هذا يرافقه غياب الجسم الحقيقي الذي يدافع عنهم، وهذا الأمر يساهم بشكل أو بآخر فى تكريس هذا الظلم
بالإضافة إلى سوء إدراكهم لقضيتهم.
حان زمن نبش المدفون..!
ويواصل حيدر سرده عن معاناة الصحفيين وضرورة إصلاح الحال مضيفاً: حان الآن وقت نبش المدفون لنهضة صاحبة الجلالة، وإخراجها من واقعها المأزوم عمداً. و الصحافة تختلف عن كل المهن فى كافة أرجاء العالم؛ لجهة أنها تلعب دوراً إرشادياً وتعليمياً، وتشكل نقطة التقاء للآراء حول القضايا العامة؛ لذلك تحتاج إلى اهتمام أكبر بالصحفي لكي لا يقع في ما يسمي مجازاً (بالزبالة) والتي تؤثر في مهنية الصحفي بشكل أو بآخر. ويردف قائلاً: وإذا نظرنا إلى ما يكتبه كتاب الأعمدة الصحفية ـ من ناحية التأثير الذي يتوهمه الناشرون ـ لايمثل إلا نسباً ضئيلة وكثير من القراء يدركون أن الجانب الأبرز في الصحافة هي مواد التحقيقات والتي تبرز القضايا المنسية والحوارات والأخبار. وكثيراً ما نلاحظ ذلك في موادنا الاستقصائية التي تترك صدى حتى وسط كتاب الرأي أنفسهم، وكذلك المهتمون بالصحف ويظهر ذلك في عدد المكالمات التي يتلقاها الصحفي بعد كل تحقيق يجريه. وهنا تظهر الفوارق الجوهرية بين أهمية الصحفي والكاتب وتظل المفارقة في الأجر كارثة بينهما، وشهدنا الكثير من الخلافات الشخصية فى أعمدة الكتاب في السنوات الأخيرة وأعتقد أن ذلك نابع من تزعم هؤلاء بالعظمة وشخصنة القضايا وتناولها بطرق لا تخدم القارئ بأي شكل من الأشكال ورغم ذلك لا جهة تحاسبهم بسبب تمسك الناشرين بهم. واستبعد تماماً اليوم وجود ذلك القارئ الذي يشتري الصحيفة من أجل عمود كاتب معين وإنما الأغلبية يشترون الصحف لموادها المتنوعة ويمثل جهود الصحفيين الجزء المهم فيه ومن هنا ينبغي أن تعيد هذه المؤسسات نظرتها في مسألة الأجور و منح كل موظف ما يستحق. أعتقد إن معالجة هذه الإشكالية تحتاج في المقام الأول إلى إغلاق مهنة الصحافة أمام خريجي التخصصات الأخرى خاصة في ما يتعلق بالأجور بحيث أن لايتم منح من لم يدرس الإعلام أولوية على خريجي التخصص، وأن يمنع هؤلاء من الجلوس لامتحانات المهنة حتى يتم حسم هذه الفوضى وإنقاذ صاحبة الجلالة من هذا الموت المقنن.

إذا غاب الصحفيون لا يستطيع الكتاب تسيير الصحيفة
في رؤية متوافقة مع رؤية محمد حسنين هيكل ـ التي أوردناها في الحلقة السابقة ـ في مسألة أن الجريدة هي ورقة أخبار، يقول الصحفي بصحيفة السوداني عثمان عوض السيد بأن الصحفي هو الدينمو المحركة لأية جريدة، ولا يستطيع كاتب عمود أن يقوم بتسيير جريدة إذا غاب المحررون؛ لأنهم هم من يرفد هذه الصحف بالأخبار، والمهمة الأساسية لأية صحيفة هي رفد المتلقي بالأخبار والمعلومات، وهذا ما يقوم به الصحفي، وليس كاتب العمود. عليه يجب أن يكون أجر الصحفي بالضرورة مواكباً لظروف الحياة المعيشية، والظروف التي يعمل فيها، وهنا لا نطالب بأن يتساوى أجر الصحفي والكاتب، لكن نطالب بتناسبية الأجر مع البيئة، وظروف الحياة نفسها، كيما يستطيع هذا الصحفي القيام بدوره على الوجه الذي ينبغي أن يكون.
قضيتنا العادلة من جانب آخر ضاعف منه وحان الآن وقت نبش المدفون لنهضة واقع صاحبة الجلالة المأزوم عمداً.
من يدفع الثمن؟
الزين عثمان الصحفي باليوم التالي يقول: نحن إذ نعيش هذه المسألة ونعايشها فإننا نستحضر ما قاله أيقونة الصحافة المصرية محمد حسنين هيكل حينما يقول: "الحقيقة غالية، ذلك لأنه لا شيء في معترك الحياة يتحول إلى حقيقة ثابتة إلا بعد التجربة، وعندما تقع التجربة فإن ثمنها يكون قد دفع بالكامل". وفي واقع صحافتنا نجد أن الصحفي هو من يدفع ثمن هذه التجربة القاسية، ويعيش حياته في أعلى تجليات بؤسها. هذه المسألة برمتها لا تنقطع كما ذكرت سابقاً عن الواقع العام للبيئة الحاضنة للصحافة السودانية. وأكرر مجدداً أن مستقبل الصحافة في ظل هذه الظروف غامض.
كن الأدنى تكن الأعلى فينا
الخلاصة من أحاديث الصحفيين وخبراء الصحافة فيما سبق ذكره في هذه الحلقة، والحلقة السابقة يؤكد مسألة الصورة المقلوبة في الصحافة السودانية التي تضع الكاتب الأعلى مكانة من الصحفي. وحتى بعض كتاب الأعمدة يرون أن الصحفيين السودانيين، خاصة الشباب منهم بأنهم يقعون تحت طائلة الظلم.
هذه الصورة المعكوسة تجسد تماماً ما ذهب إليه محمد مفتاح الفيتوري في أواخر قصيدته ياقوت العرش؛ حينما يقول:
أدنى ما فينا قد يعلونا
يا ياقوتْ
فكن الأدنى
تكن الأعلى فينا..
نواصل..!



   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 9 = أدخل الكود