Untitled Document

أكتر من درب

عرض المادة
أكتر من درب
276 زائر
28-01-2017
فيصل محمد صالح

أفق بعيد

ما يزال الراديو قادراً على الدهشة والإمتاع، وعلى جلب مسرات لا يوفرها غيره، رغم ضيق الوقت وكثرة الحركة، لكن يعوضنا عن ذلك راديو السيارة، رغم أنه يتسبب في التعطيل، فكثيراً ما يصل الإنسان إلى مقصده، ثم يجلس في السيارة منتظراً انتهاء فقرة من برنامج أو أغنية يستمع إليها.

خلال الفترة الماضية استمتعت جداً بمتابعة للمرة الثانية لحلقات من برنامج "أكتر من درب" في إذاعة البيت السوداني، استضافت التشكيلي والباحث الدكتور محمد عبد الرحمن بوب، في سياحة ممتعة في أكثر من درب حقيقة. أعرف الدكتور بوب كتشكيلي، لكنه في هذا البرنامج كشف عن وجوه أخرى كثيرة، باحث ومفكر من طراز رفيع، يتحدث ببراعة ومعرفة في الفكر والفلسفة والفنون والأدب والنقد واللسانيات وعلم النفس والآنثروبولوجي والتاريخ. كانت طريقته في الحديث جاذبة ومبسطة، استطاع من خلال حديث مختصر أن يوصل أفكاراً وآراء جريئة وكبيرة في مختلف ضروب المعرفة. وبدا ماهراً في التنقل بين مجال وآخر بسلاسة وقدرة على الربط بين كل هذه المجالات بدون أن يحس المستمع بالانتقال.

لا أعرف لم تميز التشكيليون القدامى في السودان بهذه المعارف الموسوعية، فأكثرهم صاحب أكثر من درب، بدءاً من جيل عمنا إدريس البنا الباحث والمترجم والإعلامي، وشرحبيل أحمد الرسام والموسيقي والمطرب ، والفنان العالمي إبراهيم الصلحي، ومروراً بكتاب ومفكرين ذوي نظر ورؤية من لدن أحمد الطيب زين العابدين، أحمد عبد العال، عبد الله بولا وحسن موسى والنور حمد، وغيرهم كثير.

لا أعرف إن كان للأمر علاقة بمناهج كلية الفنون وقدرتها على الربط بين منابع المعرفة المختلفة، أم أنه اجتهاد شخصي من هؤلاء، فقد فتحنا أعيننا على مساهمات عبد الله بولا وحسن موسى وأحمد الطيب زين العابدين في الصحف اليومية ونقاشاتهم في الفكر والفلسفة والفنون والتشكيل، وقدم الدكتور أحمد الطيب زين العابدين تحديداً مساهمات كثيرة في النقاش حول موضوع الهوية وتجذير فكرة السودانوية. ومن خلال مكتبة شقيقي الأكبر الذي كان تشكيلياً ثم عدل مساره للغويات، واحتكاك مباشر مع بولا تعرفت على كثير من الكتابات في مجال الفكر والفلسفة والأدب.

يبدو حالياً أن الإذاعة هي المنبر الوحيد المفتوح لمثل إسهامات الدكتور بوب، فلا الصحف ولا التليفزيون لديهما المساحة الزمنية والمكانية، وربما ولا القدرة والرغبة، على تقديم مساهمات مثل هذه، فالتلفزيون يحرص على برنامج المنوعات والمتعة السريعة، والصحف مشغولة بالسياسة المباشرة.

شكراً للإذاعة على أنها لا تزال تتيح لنا مثل هذه المتعة، وشكراً للدكتور بوب على هذه السياحة المعرفية الممتعة، لكن تبقى كلمة في حق مقدمي البرنامج، محمد عبد الوهاب الأمير وزميله الذي مع الأسف لا أذكر اسمه، فمعرفتهما وتحضيرهما الجيد جعلهما قادرين على محاورة الضيف في كل هذه المجالات المتشعبة بمعرفة ودراية نادرين في جيل اليوم من الإعلاميين، تحية لهما ولإذاعة البيت السوداني.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد
جديد المواد
مصادر ماكو؟ - فيصل محمد صالح
جو لندن القارس - فيصل محمد صالح
رُب ضارة نافعة - فيصل محمد صالح
أغنيات الفصحى - فيصل محمد صالح
أصول لعبة المصالح
ياسين حسن بشبر
كلام الكاميرا