Untitled Document

نحو أفق جديد نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان

عرض المادة
نحو أفق جديد نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان
209 زائر
31-01-2017
الشفيع خضر سعيد


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11)

مُنظّمات المُجتمع المدني والديمقراطية
نحن نناقش فكرة الاجماع على مشروع وطني نهضوي من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان. وقلنا إن هذا الأمر لن يتأتى إلا باتفاق جميع أبناء السودان، وبمختلف رؤاهم، على بناء دولة المُواطنة الديمقراطية التي تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والأعراق والثقافات، كما شددنا على أن مشوار البعث النهضوي الحقيقي يبدأ بجلوس أبناء السودان جميعهم، عبر أجسامهم السياسية والاجتماعية والثقافية والقبلية المُختلفة، لمُضاعفة القواسم المشتركة بينهم، وتحديد الفواصل الضرورية بين جهاز الدولة والنظام السياسي الذي يحكم، حتى نمنع إطلاق يد فرد أو فئة لتطيح بالآخرين وتنفذ فيهم ما يعشعش في أمخاخها من أوهام، وحتى نتوافق على مُعالجة اقتصادية تخرج الفقراء من دائرة العوز ونعيد بناء أمة مُتوحِّدة على المبادئ الإنسانية الأساسية، والتي تضع الإنسان والقيم الإنسانية فوق كل اعتبار، وهذا يعني تسييد قيم الحرية والعدل والمساواة والمواطنة وحقوق الإنسان، وتسييد العلم والمعرفة والتحديث، وأيضاً تسييد قيمة حب العمل وإنجاز التنمية المُستدامة. وحدّدنا ست ركائز ومُقوّمات نعتقد أنّها الأُسس الأهم التي يستند عليها المشروع الوطني النّهضوي، وهي: الديمقراطية والتعليم والإصلاح الديني وحل قضايا القوميات والتنمية والثقافة. وبدأنا بمُناقشة الديمقراطية كمفهوم ونظام سياسي، ثُمّ تطرّقنا إلى دور كل من الأحزاب والمؤسسات العسكرية في ترسيخ الديمقراطية، ونُناقش اليوم دور مُنظّمات المُجتمع المدني.
يُعتبر مفهوم المُجتمع المدني من التّعابير الأكثر انتشاراً منذ نهاية القرن العشرين وحتى يومنا هذا.
ويَرتبط انتشار المفهوم بالتحولات العَميقة التي شهدها العالم في هذه الفترة، والمُتعلِّقة بمُقاومة وانهيار الأنظمة الشمولية وديكتاتوريات الحزب الواحد، وأيضاً تلك التحولات المُرتبطة بانهيار القطبية الثنائية المُتشكلة بعد الحرب العالمية الثانية على المُستوى العالمي، وبزوال دولة الرعاية في مُعظم البلدان الأوروبية المُتقدِّمة، وبفشل الأنظمة التي تَعاقبت على معظم بلدان العالم الثالث، ومن بينها السودان، في تحقيق حُلم بناء الدولة الوطنية الحداثية على أساس المشروع الوطني النهضوي، وتحقيق التنمية الشاملة والتقدم الاجتماعي. وانتشار مفهوم المُجتمع المدني يرتبط عضوياً، وبقوة، بانتشار مفاهيم أخرى، سواء من حيث أُطرها المَرجعية الفكرية أو من حيث علاقات التداخل التي بينها في المُمارسة الفعلية، لدرجة يصعب معها تخيل هذه المفاهيم مُنفصلة أو مُجَزّأة، مثل مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون الحداثية. وهذه المفاهيم في مجموعها تُشير إلى حركة التحولات الاجتماعية العَميقة التي عرفها العالم منذ مُنتصف القرن التاسع عشر في أوروبا، والتي دخلت عهد الثورة الصناعية والتحول الرأسمالي قبل ذلك بقرن من الزمن، أي في منتصف القرن الثامن عشر. من هذا المنطلق، لا نبالغ إن اعتبرنا مَفهوم المُجتمع المدني، إضافةً إلى أقرانه من المفاهيم المُشار إليها أعلاه، أحد المعالم الرئيسية التي تعطي للمرحلة الراهنة هويتها وخُصوصيتها.
ومفهوم المجتمع المدني دائماً ما يُثار جدل كثيف ومتشعب حول معناه. وهو جدل بشكل عام مثمر، لكنه أحياناً يطوّح بنا بعيداً في عوالم التّجريد والمثاقفة الدائرية دون إنزاله إلى أرض الملموس المُنتظر بحث علاقة المفهوم بمفهومي التغيير والتحول الديمقراطي. وكغيره من مفاهيم العلوم الإنسانية والاجتماعية، شهد مفهوم المجتمع المدني، تغيُّراً وتطوراً في معناه ودلالاته منذ ظهوره في مُنتصف القرن السابع عشر عندما حَدّدَهُ الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس، بالمُجتمع المُنَظّم سِيَاسيّاً عن طريق الدولة القائمة على فكرة التعاقد، أي لم يُميِّز هوبس بينه وبين الدولة. أما مُواطنه الفيلسوف جون لوك، فاتجه إلى التمييز الواضح بين المفهوم والدولة دون أن يلغي تماماً الروابط التي تجمع بينهما، فأشار إلى أنه "قيام المُجتمع المُنظَّم سياسياً ضمن إطار الدولة، ومهمته تنظيم عملية سَن القانون الطبيعي الموجود دون الدولة وفوقها". وفي القرن الثامن عشر، اكتسب مفهوم المجتمع المدني معنىً مغايراً كونه يُشير إلى موقعه الوسيط بين مؤسسات السلطة وبقية المُجتمع، وذلك عندما اعتبره جان جاك روسو "مجتمع صاحب السيادة، وباستطاعته صياغة إرادة عامة يتماهى فيها الحكام والمحكومون". وهو ذات الاتجاه عند مونتسكيو الذي ربط المجتمع المدني "بالبنى الارستقراطية الوسيطة المُعترف بها من قِبل السُّلطة القائمة بين الحاكمين والمحكومين"، وعند الفيلسوف الألماني هيغل الذي أكّد الموقع الوسيط للمُجتمع المدني "بين العائلة والدولة بحيث يفصل بينهما" دون أن يغفل حقيقة التداخل الموجود بين المُجتمع المدني والمؤسستين المذكورتين بحيث يخترق كل منهما الآخر. وعند توكفيل، نجد اقتراباً من المعنى الحديث المُتبادل اليوم، إذ يركز على أهمية "المُنظّمات المدنية النشطة ودورها في إطار الدولة بالمعنى الضيِّق للكلمة". وإذا قَفزنا سريعاً إلى أنطونيو غرامشي فسنلاحظ مُحاولته القيمة لتجاوز السياج الذي حدّد به ماركس المفهوم عندما اعتبره مُجتمعاً برجوازياً بالأساس، فقد اعتبر غرامشي المجتمع المدني كمجال تحقيق الهيمنة في ظل سيادة الرأسمالية، بمعنى فرض النفوذ الثقافي والأيديولوجي للبرجوازية، بينما تكون الدولة مجال تحقيق السيطرة.
وفي ورقة بعنوان "ما هو المُجتمع المدني؟ الجزائر نموذجاً"، قدمها لندوة "المشروع القومي والمجتمع المدني" التي نظّمها قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة دمشق في مايو 2000، يقول الكاتب الجزائري العياشي عنصر "هناك من يحدد مجموعة من الشروط التاريخية التي تشكل من خلال تمفصلها مناخاً مُلائماً، بل ضرورياً لبروز ما يُسمى بالمجتمع المدني في المُجتمعات الرأسمالية المُعاصرة". ولا بد من حضور شرطيْن على الأقل من الشروط أدناه للدلالة على وُجود ظَاهرة المُجتمع المدني التي يَنبغي تمييزها عن ظواهر مثل المُواطنة، الليبرالية، الاقتصاد الرأسمالي وغيرها من الظواهر الأخرى المُصاحبة لقيامه:
• قيام مؤسسات الدولة ومُؤسّسات المُجتمع بشكلٍ منفصلٍ، أي الفصل بين الدولة والمُجتمع، وهي سيرورة تاريخية تُعبِّر عن مُستوى تبلور الوعي الاجتماعي المُميّز لمرحلة مُعيّنة من تطور المجتمع.
• التمييز بين آليات عمل الدولة كمؤسسة وآليات عمل الاقتصاد، أي تشكيل المستويين السياسي والاقتصادي كحقليْن لهما وجود مستقل نسبياً الواحد عن الآخر. وقد برز هذا الشرط تاريخياً مع قيام الثورة الصناعية وتكوين الطبقة البرجوازية في أوروبا الغربية وما شهدته من تطورات لاحقة.
• قيام فكرة المُواطنة وما ارتبط بها من فكرة الحقوق المدنية والسياسية، حيث ظهر الفرد باعتباره كائناً حقوقياً مُستقلاً بذاته في إطار الدولة بغض النظر عن انتماءاته المُختلفة (عرقية، دينية، ثقافية، اقتصادية...).
• انشطار المُمارسة المُجتمعيّة إلى حُقولٍ ذات استقلالية نسبية، وبالتالي ظُهور الفرق بين آليات عمل المُؤسّسات الاقتصاديّة من جهة والمُؤسّسات الاجتماعيّة من جهةٍ ثانيةٍ، والتمييز بينها بالنظر إلى تباين أهدافها ووظائفها.
• تبلور الفرق بين التّنظيمات الاجتماعيّة الطوعيّة (مثل الجمعيّات المهنيّة، الرياضيّة، العلمية، النقابات..) المُتكوِّنة من مُواطنين أحرار ينخرطون فيها بشكلٍ إرادي، والتّنظيمات الاجتماعية العُضوية ذات الطابع التّضامني التي يَنتمي إليها الإنسان بفعل المولد (العائلة، الطائفة القبيلة).
• ظُهُور الفروق بين الديمقراطية التَّمثيليَّة في الدولة الليبرالية، والديمقراطية المُباشرة في التّنظيمات الطوعية والمُؤسّسات الحَديثة في المُجتمع.
ويقول العياشي، إن أيّة مُحاولة لطرح مفهوم المُجتمع المدني في مُحيط لا يتوفّر فيه على الأقل شَرطان من هذه الشروط، هي مُحاولة مآلها الفشل. ليس ذلك فحسب، بل أنّ عملية سَحب المَفهوم على أيِّ واقع لا تتوفّر فيه العَناصر المُحدّدة لهذه الظاهرة، كالواقع العربي مثلاً، يعني في نهاية الأمر الابتعاد عنها أو الخُروج عن طريق المؤدي إليها، وهو الطريق الذي يمر حتماً بترسيخ الممارسة الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان.
في السودان، أغلبية مُعتبرة تعتبر المُجتمع المدني هو مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة غير الحكومية، التي تملأ المجال العام بين الأفراد والدولة، وهدفها الرئيس هو تقديم خدمات للمُواطنين أو تحقيق مصالحهم أو ممارسة أنشطة إنسانية مُختلفة، لصالح الوطن والمواطن. وهذه المنظمات تملك من القدرات والإمكانات ما يُؤهِّلها للعمل المُباشر والمَلموس وسط القواعد الاجتماعية (social grassroots). لكن هناك من يرفض حصر المجتمع المدني في مجموع المنظمات غير الحكومية (NGOs)، ويحاجج بأنّ هذه المُنظّمات على أهميتها وكونها من المُكوِّنات الأساسية والرئيسية المُجتمع المدني، إلاّ أنّها ليست كافية بذاتها، ولا يُمكن بالنسبة لواقع مُجتمعات البلدان النامية كالسودان، اختزال المُجتمع المدني إلى تلك المُنظّمات دون أن يحدث ذلك تشويهاً كبيراً في المفهوم والظاهرة على حد سواء.
يقول العياشي في ورقته المشار إليها أعلاه، إن المجتمع المدني كان لــه معنى آخر مُخالف لدلالة
المفهوم اليوم، حيث كان يعني الحُقوق المَدينة، التعاقد، حق الاقتراع الحُر، الانتخابات البرلمانية، حُقُوق المُواطنة. وبهذا المعنى يقول البعض إن المُجتمع المدني قاد إلى بناء الديمقراطية في المُجتمعات الغربية في مرحلة تاريخية سابقة. لكن علينا تجنُّب طريقة التفكير الميكانيكي، لأنّنا عند القول إنّ المجتمع المدني قاد إلى الديمقراطية فإنّ ذلك لا يعني تقديم أحدهما على الآخر في علاقة سببية صورية، بل يعني أن سيرورة ظهوره وتكوينه هي بذاتها سيرورة بناء الديمقراطية. أما أن نعتبر مُؤسّسات وتنظيمات المُجتمع الحديث هي ذاتها المُجتمع المدني، بينما لا تعدو أن تكون في الواقع من ضمن المَظاهر المُجَسّدَة له في مرحلة تاريخية مُعيّنة من تطور المُجتمعات الغربية، ثم نقوم بمُحاولة زرعها في بيئة غريبة عنها وبأثرٍ رجعي (بمعنى نتوقّع منها أن تحدث اليوم نفس النتائج والآثار التي أدّت إليها سَابقَاً)، فإنّ ذلك يُشير إلى درجة من السذاجة وربما الوهم القائم على الاعتقاد بأنّ تلك المنظمات غير الحكومية سوف تقود مُجتمعاتنا النامية نحو الديمقراطية. بل في مثل هذه الحالة، والقول للعياشي، يصبح من الخطأ الاعتقاد أنّ "المجتمع المدني هو شرط وجود الديمقراطية". وكما أشرت في بداية هذا المقال، حول الجدل الذي يطوح بنا بعيداً عن المتوقع أو المنتظر في الواقع، فإنّ مثل هذا التصور عن المجتمع المدني يحيد بنا عن "المعركة الحقيقية" التي ينبغي على هذا الأخير أن يَخُوضَهَا في البلاد التي لم تتوصّل بعد إلى إقامة أُسس الحكم الديمقراطي. ذلك أنّ معركة البناء الديمقراطي هي ذاتها معركة إقامة مُؤسّسات السلطة الحديثة وبناء الدولة الديمقراطية، وليست شيئاً آخر أقل من ذلك.
ولهذا، فإنّ استيراد فكرة المُجتمع المدني بالمعنى الشائع اليوم (المُنظّمات غير الحكومية) مقطوعة عن إطارها المرجعي التاريخي، يتضمّن مخاطر عديدة ليس أقلها الاعتقاد الواهم بوجود عمل سياسي ديمقراطي، بينما الواقع يُشير إلى غياب شيء اسمه "الحقل السياسي" له استقلالية نسبية عن بقية الحقول الأخرى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية...، وفي أحسن الحالات انغلاق هذا الحقل أمام المبادرة السياسية الحُرة وتميُّزه بدرجة عالية من التقييد واستخدام ذلك من قبل الأنظمة، بل أسوأ من ذلك اغتراب القطاع العريض من المُجتمع عن عملية البناء الديمقراطي بسبب الاعتقاد الخاطئ أنّها عملية تخص النخب وحدها!. وذلك بسبب المُمارسات التي تقوم بها هذه النُّخب من جهة، وبسبب التصور الخاطئ عن المُجتمع المدني الذي يختزله إلى المُنظّمات غير الحكومية الحديثة بالخُصُوص، من جهة ثانية. بهذا المعنى، فإن مقولة المجتمع المدني، كما أشار الدكتور عزمي بشارة في صفحة 7 من كتابه "المجتمع المدني.. دراسة نقدية"، الصادر مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، بيروت 2000: "قد تكون مفيدة في المعركة من أجل الديمقراطية إذا تم فهمها فهماً تاريخياً، أي نقدياً، يكشف حُدودها التاريخية، وبالتالي الطاقة الكامنة فيها، وقد تكون مقولة ضارة بقضية الديمقراطية وتحرر الإنسان إذا تحوّلت إلى أداة لتحييدها سياسياً، أي أداة لتجنب طرح مسألة نظام الحكم".
(نواصل)
د. الشفيع خضر سعيد
-
محمد
************
في السودان أغلبية مُعتبرة تعتبر المُجتمع المدني هو مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة غير الحكومية التي تملأ المجال العام بين الأفراد والدولة وهدفها الرئيس هو تقديم خدمات للمُواطنين أو تحقيق مصالحهم أو ممارسة أنشطة إنسانية مُختلفة لصالح الوطن والمواطن
************
شهد مفهوم المجتمع المدني تغيُّراً وتطوراً في معناه ودلالاته منذ ظهوره في مُنتصف القرن السابع عشر عندما حَدّدَهُ الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس بالمُجتمع المُنَظّم سِيَاسيّاً عن طريق الدولة القائمة على فكرة التعاقد
******
فشل الأنظمة التي تَعاقبت على معظم بلدان العالم الثالث ومن بينها السودان في تحقيق حُلم بناء الدولة الوطنية الحداثية على أساس المشروع الوطني النهضوي وتحقيق التنمية الشاملة والتقدم الاجتماعي
**********

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 7 = أدخل الكود