Untitled Document

نحو مشروع وطني مُجمَع عليه من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان

عرض المادة
نحو مشروع وطني مُجمَع عليه من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان
248 زائر
07-02-2017
د. الشفيع خضر سعيد

نحو أفق جديد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(21)

منظمات المجتمع المدني والسياسة

مرة أخرى نؤكد أننا في طرحنا هذا، لا نود مناقشة مفهوم المجتمع المدني وما يرتبط به من تعريفات وتفريعات ونظريات، وإن كنا في مقالنا السابق تطرقنا، بتعميم شديد ومختصر، إلى بعض الملامح العامة للمفهوم كمدخل أو مقدمة لمقال اليوم. وبالتالي نحن هنا لا نتحدث عن المجتمع المدني، كمقولة في الفلسفة أو في النظرية السياسية، وليس من أهداف هذا المقال الخوض في الجدل حول البناء المفاهيمي والمحتوى الاجتماعي والسوسيولوجي للمصطلح في معناه الواسع، ولكنا نتحدث عن منظمات المجتمع المدني بالمعنى الدارج للمفهوم في التعامل اليومي،ويقصد به المنظمات التطوعية غير الحكومية (NGOs)، التي تملأ المجال العام بين الأفراد والدولة، وهدفها الرئيس هو تقديم خدمات للمواطنين أو تحقيق مصالحهم أو ممارسة أنشطة إنسانية مختلفة، لصالح الوطن والمواطن. نقول ذلك ونحن نتفق مع من يرفض حصر مفهوم المجتمع المدني في المنظمات الطوعية، ويرى في ذلك ابتسارا للموضوع. وتحديدا، نحن نود مناقشة علاقة المنظمات التطوعية هذه بالسياسة، ودورها في التغيير وتحقيق التحول الديمقراطي، ومن ثم استقرار الديمقراطية. وللتذكير، كل مناقشاتنا هذه تتم في إطار تناولنا لمفهوم الديمقراطية، باعتبارها المرتكز الأول والرئيس ضمن مجموعة المرتكزات والمقومات الضرورية لتحقيق المشروع النهضوي لبناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان، والتي تشمل أيضا الإصلاح الديني والتعليم وحل قضايا القوميات والتنمية والثقافة ، وجميعها سنتناولها واحدة تلو الأخرى في مقالاتنا القادمة.

فى المجتمعات القبلية، مثل السودان، يشار إلى القبيلة وديارها ونظام ملكيتها للأرض وسبل كسبها للعيش ودياناتها وتصوراتها لذاتها ولعلاقاتها وتفاعلاتها مع القبائل الأخرى، يشار إلى كل ذلك بالمجتمع الأهلي.وتعرف منظمات المجتمع الأهلي بالمؤسسات الأولية، مثل الرابطة القبلية وروابط القرى والإتحادات الإقليمية والطريقة الدينية...الخ. أما منظمات المجتمع المدني، ويشار إليها بالمؤسسات الثانوية، فتعتبر امتدادا لمنظمات المجتمع الأهلي،وبالتالي هي، في السودان وغيره، ليست جديدة، ولكن الجديد هو اتساع نطاقها وانتقالها من المؤسسات التي يتم الانتماء إليها وفقا لمعايير الانتماء الأسري أو القبلي أو العشائري أو الإثني أو الجهوي أو الطائفي أو المذهبي أو الديني، إلى مؤسسات مجتمعية إنتاجية أو خدمية، تقوم على العضوية المنتظمة تبعا للغرض العام أو المهنة أو العمل التطوعي، ولا تستند العضوية فيها على أي من تلك الولاءات الأولية، كرابطة الدم أو الدين أو الجهوية، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضى والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف، وتكون فاعلة فى المجالات التربوية والاقتصادية والعائلية والصحية والثقافية والخيرية والدفاع عن الحقوق وغيرها، كالنقابات والاتحادات المهنية، الحركات الاجتماعية، الجمعيات والروابط الخيرية، الأندية الرياضية، الجمعيات الثقافية، الجمعيات التعاونية، المنظمات الدفاعية والتنموية كمنظمات حقوق الإنسان ومنظمات المرأة والشباب والطلاب والبيئة، الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال، الإعلام الحر المستقل، مراكز البحوث والدراسات..الخ. وهناك من يضيف إلى هذه المنظمات الهيئات التقليدية، كالطرق الصوفية، التي كانت بمثابة أساس المجتمع المدني في المجتمعات العربية منذ مئات السنين قبل ظهور المنظمات الحديث. وعلى هذا الأساس، تُحدد أربعة مقومات أساسية لتنظيمات المجتمع المدني، هي: أ- الفعل الإرادي الحر أو التطوعي. ب- التواجد في شكل منظمات. ج- قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخرين. د- عدم السعي للوصول إلى السلطة.

وبالنظر إلى طبيعة هذه المنظمات، يمكننا رصد مجموعة من الملاحظات حولها ، تشكل في ذات الوقت سماتٍ عامة لها، ومنها:

المجتمع المدني نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. وهى علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضى والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات، ومحاسبة الدولة في جميع الأوقات. هذا النسيج من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوي، أن يتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة تشكل في مجموعها القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من جهة أخرى . ورغم أن المجتمع المدني يعلى من شأن الفرد، إلا أنه ليس مجتمع الفردية، بل على العكس، فهو مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من المؤسسات.

تُستبعد المؤسسات الحكومية من منظمات المجتمع المدني، لكن هذا لا يعني التضادّ أو التعارض المطلق بين هذه المنظمات والدولة، وإنما هما مجالان متكاملان يميز بينهما توزيع الأدوار وليس الانفصال الكامل . واستقلالية المنظمات المدنية مقصود بها تمكين هذه المنظمات من تحمل مسؤولية أكبر فى إدارة شؤون المجتمع كى يصبح مداراً ذاتياً إلى حد بعيد، وفي إشاعة قيم المبادرة والجماعية والاعتماد على النفس مما يهيئ فرصاً أفضل لتجاوز هذه المجتمعات مرحلة الاعتماد على الدولة فى كل شىء، وكذلك تصفية الأوضاع الإجتماعية البالية والموروثة من العصور الوسطى.

وتبتعد منظمات المجتمع المدني عن المؤسسات السياسية ولا تنخرط في العمل السياسي المباشر. ولكن ذلك أيضا ليس ابتعادا أو تضادا مطلقا، أو وقوفا في خانة الحياد السلبي. فبحكم طبيعتها ومجالات نشاطها، لا يمكن أن تدير المنظمات المدنية ظهرها للسياسة، أو تضع نفسها خارج ميدان المعركة من أجل تحقيق وبناء وترسيخ وتطوير الديمقراطية، ومن أجل خدمة الوطن والمصلحة العامة، والدفاع عن حقوق المواطن، خاصة الفئات الضعيفة. وهذا ما سنناقشه لاحقا بالتفصيل.

ومنظمات المجتمع المدني تلعب دورا هاما في تنظيم وتفعيل مشاركة الناس في تقرير مصائرهم ومواجهة السياسات التي تؤثر في معيشتهم وتزيد من إفقارهم، كما تلعب دورا في نشر ثقافة خلق المبادرة الذاتية، وثقافة بناء المؤسسات، وثقافة الإعلاء من شأن المواطن، والتأكيد على إرادة المواطنين في الفعل التاريخي وجذبهم إلى ساحته، والمساهمة بفعالية في تحقيق التحولات الكبرى للمجتمعات حتى لا تحتكرها النخب وتتصرف فيها وفق أهواءها.

تمتلك المنظمات الطوعية غير الحكومية من القدرات والإمكانات ما يؤهلها للعمل المباشر والملموس وسط القواعد الإجتماعية (social grassroots).

في إطار العولمة الرأسمالية، ولتخفيف حدة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في بلدان العالم الثالث الناجمة عن تطبيق روشتات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والمعروفة بسياسات التكيف الهيكلي، حرصت قوى العولمة على أن تكون منظمات المجتمع المدني في بلدان العالم الثالث بديلا للدولة الوطنية التي تنسحب من أدوارها التقليدية ومسؤولياتها في دعم الفئات والشرائح الدنيا والفقيرة.وينظر إلى هذه المنظمات باعتبارها "دولة الظل" التي تقوم بوظائف تقليدية للدولة مثل إنشاء وإدارة المدارس ومراكز الرعاية الصحية وشق الطرق ودرء مخاطر السيول والفيضانات وحملات النظافة...الخ، كما ظللنا نشاهد بإعجاب وتقدير عند منظمات شارع الحوادث ونفير وعديل المدارس...، وغيرها من عشرات المنظمات التي ابتدعها، ولايزال، شباب السودان. وأيضا، تستخدم هذه المنظمات كملطف، أو مخفف، لحدة المشاكل الناجمة عن تطبيق سياسات التكيف الهيكلي مثل الفقر والبطالة والتهميش.والمفارقة الهامة هنا، أنه في هذا السياق، يصبحالمجتمع المدني إطاراً يعبئ شرائح وقوى اجتماعية تتحمل عبء مواجهة هذه المشاكل، وهذا بالطبع على حساب دوره في دعم الإصلاح والتطور الديمقراطي للبلاد. بل إن تعريف البنك الدولي لمنظمات المجتمع المدني يؤكد إصراره على دورها كملطف لحدة المشاكل وليس باعتبارها الوسيط بين المجتمع والدولة، أو باعتبارها إطارا مناسباً للمساهمة في التحول الديمقراطي للمجتمع، كما لا يلتفت إلى إمكانية قيامها بدور تغييري تنموي شامل. وللمساعدة على تحقيق أهداف المؤسسات الرأسمالية الدولية في توظيف مؤسسات المجتمع المدني لخدمة سياساتها،يتم بناء منظمات غير حكومية عابرة للقوميات ترتبط بشبكات عالمية تساهم في تمويل أنشطة المنظمات غير الحكومية الوطنية وفق أجندة الرأسمالية العالمية، بدلا من أن تكون أولويات هذه المنظمات طبقا لاحتياجات الواقع المحلي ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

حتى نهاية السبعينيات من القرن العشرين، كانت المنظمات غير الحكومية في بلدان العالم الثالث تركز على الدفاع عن مصالح الفئات الشعبية،وخدمة المجموعات الضعيفة في المجتمع، وتشبع احتياجات أعضائها لأنشطة متطورة في المجالات المختلفة. لكن،أتت العولمة بقضايا ومشاكل جديدة مثل الفقر والفوارق الإجتماعية الحادة، ضحايا العنف والحروب الأهلية، الهجرة واللاجئين، النزاعات الإثنية وقهر السكان الأصليين،حماية البيئة من التلوث ، المخدرات ، الإرهاب ، حقوق الإنسان،حقوق المرأة والطفولة ، حقوق الأقليات الدينية والعرقية..الخ. ولأن منطق العولمة يستبعد قيام الدولة بدور أساسي في مواجهة هذه المشكلات، فإنها شجعت المنظمات غير الحكومية للتعامل معها، كما أن نشطاء المجتمع المدني سارعوا في كثير من الأقطار لتكوين منظمات غير حكومية لمواجهة هذه المشكلات والتخفيف من حدتها. وسواء كان المشجع على قيام هذه المنظمات الجديدة هو العامل الخارجي أو الأوضاع الداخلية، إلا أن النتيجة واحدة وهي قيام مئات الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الجديدة التي تنشط حول أهداف نبيلة وذات قيمة عالية، إلا أنها أهداف مفتتة وقضايا جزئية لا يتم ربطها بالأسباب المشتركة لهذه المشاكل الجزئية، ودون وضوح حول إمكانية التنسيق والتعاون بين هذه المنظمات لمواجهة هذه الأسباب التي تعود بالأساس إلى العولمة الرأسمالية وسياساتها. وعدم الانتباه إلى هذا التغيير في خريطة المجتمع المدني، يهدد مؤسسات المجتمع المدني بالتحول عن دورها الأساسي كلاعب رئيس في بناء المجتمع الديمقراطي إلى مجرد ملطف ومخفف لحدة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الناجمة عن سياسات العولمة وتأثيراتها على مجتمعاتنا.

يميز الكاتب والسياسي المصري، عبد الغفار شكر، بين نوعين من منظمات المجتمع المدني في البلدان العربية:

  • المنظمات المدنية النخبوية، والتي تشجع قيامها القوى الرأسمالية والنخب الحاكمة، وتكتفي بوجودها في إطار نخبوى لتتولى مهمة تلطيف حدة المشاكل الناجمة عن سياسات التكيف الهيكلي والتحول إلى اقتصاد السوق والاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي وفق الشروط التي تضعها المراكز الرأسمالية المتقدمة. وينحصر دور هذه المنظمات، من وجهة نظر الفئات الحاكمة والقوى الرأسمالية، في تقديم الرعاية للفقراء والمحتاجين، وإشباع حاجات خدمية لفئات اجتماعية معينة، بما لا يؤدى إلى تغيير الأوضاع بل يعيد إنتاج الأوضاع القائمة بما فيها من فقر وبطالة وتهميش وافتقاد العدالة. وفى هذه الحالة فإن مؤسسات المجتمع المدني النخبوية لن تزعج الفئات الحاكمة ولن تلعب دوراً في تغيير الأوضاع القائمة.

ب- المنظمات المدنية الشعبية،والتي تقوم بدور تعبوي تغييري تحتاجه مجتمعاتنا لإرساء دعائم التحول الاجتماعي والسياسي، تحقيقا للديمقراطية والتنمية، والمشاركة بشكل جماعي، كمؤسسات، في صياغة السياسات العامة والضغط من أجل تعديلها بما يحقق مصالح الأغلبية، ويرسي دعائم المشروع القومي النهضوي لبناء الدولة الوطنية الحداثية.

أخيرا، نلاحظ قيام تنظيمات غير حكومية متعددة، لا صلة بينها، داخل المجال الواحد للتعامل مع جانب واحد فقط من القضية، كما هو الحال مثلا في مجال حقوق الإنسان حيث تتعدد داخله المنظمات،فهذه للمساعدة القانونية، وتلك لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وثالثة لرصد الانتهاكات...الخ. وفي هذا، إضافة إلى أنه تشتيت للجهود، فإنه أيضا يعكس عدم إدراك واضح للارتباط الضروري بين هذه المنظمات ، مما يهدد بالانحراف عن دورها الحقيقي في دعم التطور الديمقراطي، وذلك بسبب غياب الرؤية المشتركة والتنسيق المشترك بين هذه المنظمات، والإكتفاء بالنشاط حول الهدف الخاص بكل منها. (نواصل)

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 5 = أدخل الكود