Untitled Document

نحو أفق جديد نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان

عرض المادة
نحو أفق جديد نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان
224 زائر
15-02-2017
د. الشفيع خضر سعيد

منظمات المجتمع المدني والسياسة (3)

نواصل مناقشة علاقة المنظمات التطوعية بالسياسة ودورها في التغيير وتحقيق التحول الديمقراطي وإستقراره . وللتذكير ، فنحن نناقش المرتكزات والمقومات الضرورية لتحقيق المشروع النهضوي لبناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان، والتي تحتل فيها الديمقراطية موقع الصدارة.

في دول العالم الثالث، يجري الحديث عن الحركات الاجتماعية الجديدة والناشئة في خضم تفاصيل الصراع الإجتماعي، كمكون أساسي من مكونات المجتمع المدني، وكعنصر هام من عناصر التطور الديمقراطي وتحولات المستقبل الاجتماعية. وتوصم هذه الحركات بالجديدة تميّزا عن المنظمات التقليدية والتي تشمل النقابات العمالية واتحادات المزارعين واتحادات الطلبة ومنظمات النساء ومنظمات الشباب..الخ . والحركات الجديدة تختلف عن رصيفاتها التقليدية في الأهداف أو الأدوار. فالمنظمات التقليدية تهدف لحماية مصالح طبقات أو فئات اجتماعية واسعة، في مواجهة الاستغلال والقهر الممارس ضدها. وهذه المنظمات نجحت في توحيد نضال منتسبيها حول أهداف عامة تجمع كل المنتمين إلى الفئة الاجتماعية المعينة، كالعمال أو المزارعين أو المرأة، مثلا. ورغم أن تلك المنظمات التقليدية لم تكن تمارس نشاطا حزبيا مباشرا، إلا أنها لم تبتعد أبدا عن قلب النشاط السياسي، سواء من حيث ملامسة أنشطتها المختلفة للسياسة، بشكل مباشر أو غير مباشر، أو من حيث تنافس الأحزاب والقوى السياسية للسيطرة على قياداتها والتقوي بها في المعارك السياسية الإجتماعية. كما أن هذه المنظمات انتقلت، في بعض البلدان، لتأسيس أحزاب سياسية لصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها.صحيح أن الحركات الاجتماعية التقليدية لعبت دورًا هاما في تعديل موازين القوى الطبقية في المجتمع في كثير من الأقطار وفي فترات مختلفة. ولكن، مؤخرا نلاحظ أن نفوذ هذه الحركات وتأثيرها يضعف باستمرار، إما بسبب نجاح السلطات الحاكمة في استيعابها واحتوائها، كما هو الحال وسط النقابات والاتحادات المهنية، أو بسبب فشل هذه الحركات التقليدية، كالاتحاد النسائي أو اتحاد الشباب ، في إستيعاب متغيرات العصر المتسارعة والتطورات المتلاحقة في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي عجزها عن تقديم الطرح الفكرى المناسب لهذه المتغيرات، وفشلها في تقديم خطاب جديد ومناهج عمل جديدة تلائم هذه المتغيرات والأجيال الجديدة، مما فتح الباب أمام نشوء حركات اجتماعية جديدة، انتزعت زمام المبادرة، وتنشط لتحقيق أهداف جزئية في مجالات حقوق الإنسان وحقوق المرأة وقضايا البيئة والعاطلين والأمومة والطفولة والأقليات.. الخ.

ومن الأسباب الرئيسية لتسارع تأسيس ونمو منظمات المجتمع المدني، وخاصة الحركات الاجتماعية الجديدة، هو تزايد وعي الناس بأن الأحزاب السياسية أصبحت غير فعالة وعاجزة عن مواجهة الأوضاع المتأزمة في البلاد وعن إحداث التغيير المنشود، في حين أن المنظمات المدنية تمتلك قدرات معقولة في التعبئة والتنظيم واقتراح البدائل. لكن هذه المنظمات، في اعتقادي، تعاني من إشكاليتين تلقيان بظلال سالبة على قدراتها وإمكاناتها : إشكالية النخبوية والصفوية، وإشكالية الانعزال. فالعديد من المنظمات المدنية تعيش وضعا نخبويا صفويا عليها تجاوزه إلى آفاق جماهيرية شعبية أوسع ، تساعدها على تفعيل نشاطها واكتساب المقومات الضرورية لتحولها إلى حركات اجتماعية لها عمق شعبي كافٍ. وهذه المنظمات تمتلك من الإمكانات والمؤهلات ما يؤهلها لذلك. أما إشكالية الانعزال فنعني بها ما نلاحظه من ضعف التنسيق، أو انعدامه، بين أكثر من منظمة تعمل في نفس المجال، حقوق الإنسان مثلا، ولخدمة أهداف جزئية . بالطبع، هذا لا مشكلة لنا مع التخصص أو خدمة الأهداف الجزئية، ولكنا نود التشديد على ضرورة التنسيق بين المنظمات المختلفة لما يوفره التنسيق من تبادل للخبرات وتجميع للطاقات والقدرات، ولما يحققه من قوة في مجالات التعبئة والحشد واكتساب القدرة على التأثير بالاستناد على قاعدة اجتماعية أوسع . ويحمد للعديد من المنظمات المدنية انتباهها لهذه الإشكالية فلجأت لما يعرف بالتشبيك (networking) أو التحالف بين المنظمات، كما أن المنظمات المدنية السودانية تعتمد اليوم أشكالا متنوعة من التنسيق مثل "كونفدرالية" المنظمات المدنية و"مبادرة" المجتمع المدني.

ومن الملاحظات والسمات الواردة أعلاه ، بشأن المنظمات المدنية في السودان، يمكننا القول بوجود تلامس حقيقي ومباشر بين النشاط السياسي ونشاط المنظمات المدنية في السودان، وأن العلاقة بين الحركة السياسية السودانية والمنظمات السودانية غير الحكومية ، هي علاقة تكاملية، وتشكل بعدا هاما في السودان لا يمكن تجاوزه . فبحكم انخراطها المباشر في النضال ضد البطالة والفقر ومن أجل حقوق الانسان ورفع الوعي والقدرات وحقوق المرأة وحقوق القوميات...الخ، تساهم المنظمات المدنية السودانية، بشكل أو بآخر، في التغيير الاجتماعي، وتحتل مساحة معتبرة في مفهوم التقدم وعملية إعادة بناء الوطن، مما يتطلب شكلا من أشكال الصلة المتنوعة بينها وسائر مكونات الحركة السياسية السودانية . وقطعا ليس من بين أشكال هذه الصلة التبعية للأحزاب أو تعامل هذه المنظمات وكأنها قوة سياسية. ومن زاوية أخرى، فإن واقع الأزمة الخانقة في البلاد حفر بصماته عميقا في جسد المنظمات المدنية والنشطاء العاملين فيها، وذلك من حيث تأثر هؤلاء العاملين وأسرهم، كمواطنين سودانيين مثلهم مثل كل المواطنين الآخرين، بالمأساة التي يعيشها الوطن، ومن حيث المعوقات العديدة التي تفرضها السلطات على نشاط المنظمات المدنية حد المصادر وتعرض العاملين فيها للقمع، اعتقالا وتعذيبا. ومن هنا، أعتقد أنه كان من الطبيعي أن ينتقل نشاط ومجال عمل هذه المنظمات من جانبه التقليدي والمعروف، التوعية والمناصرة ورفع القدرات...الخ (awareness, advocacy & capacity building…etc.)، إلى مجال أكثر ملامسة للنشاط السياسي، من حيث المساهمة في مقاومة آلة القمع والحرب، وفي تقديم الرؤى للخروج من الأزمة، وكذلك المساهمة في رفع قدرات الحراك السياسي وقدرات تنظيماته. إن الانتقال في طبيعة عمل منظمات المجتمع المدني، من جانبه التقليدي إلى الجانب الأكثراقترابا من النشاط السياسي، هو عملية موضوعية بعيدة عن أي رغبات أو شطحات ذاتية وسط هذه المنظمات ونشطائها. وهذه العملية الموضوعية لها مقدماتها الكامنة في نشاط هذه المنظمات المتعلق بنشر الوعي وحماية حقوق الانسان ومقاومة الحرب ومحاربة الفساد...الخ، كما فرضها تطور الواقع الموضوعي في البلاد.

وملامسة منظمات المجتمع المدني للنشاط السياسي ليس بدعة، سواءً على الصعيد المحلي أو إقليميا ودوليا. فكلنا لا ننسى دور منظمات المجتمع المدني، عالميا، في حملات رفض الحرب والمناداة بالسلام ومقاومة الرعب النووي، وحماية الأقليات...الخ، إضافة إلى مساهمتها في عمليات التغيير التي تمت في العديد من البلدان مثل بولندا وغانا ومصر، ومؤخرا تونس التي لعب فيها المجتمع المدني دورا محوريا ومفصليا في نزع فتيل الأزمة بعد ثورة الشعب التونسي، مما يؤكد على قدرة منظمات المجتمع المدنى على ردم الهوة بين فرقاء السياسة وجمعهم حول الثوابت الوطنية، إذا ما توفرت لها فرص المشاركة، وفي بيئة تكفل حرية العمل والتفاعل مع مكونات المجتمع المختلفة دون حجر أو استثتاء. بل إن بعض منظمات المجتمع المدني فرض عليها واقع بلدانها أن تتحول إلى النشاط السياسي المباشر، مثل نقابة التضامن في بولندا، والتي تأسست بين عمال أحواض السفن مطالبة باستقلال الحركة النقابية عن سيطرة الدولة وسيطرة الحزب الشيوعي، ثم ارتقت بمطالبها تدريجيا إلى أن قادت عملية التغيير والتحول الديمقراطي في بولندا، وأصبح زعيمها رئيسا للجمهورية. وأيضا، منظمات الخضر في أوربا والتي تشكلت أساسا للدفاع عن البيئة وضد خطر التلوث، ثم تحولت إلى احزاب سياسية وشاركت في الحكم في أكثر من بلد أوروبي. وفي السودان كانت منظمات المجتمع المدني دائما موجودة، وبفعالية، سواءً إبان معارك الاستقلال، أو عبر دورها الحاسم في ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، ودورها الراهن والفعال في الدفاع عن حقوق الإنسان ومقاومة القمع والنضال ضد الحرب، إضافة إلى أنشطتها الاجتماعية ذات البعد السياسي، مثل أنشطتها وسط مزارعي الجزيرة ووسط الشباب والنساء، ودورها الملموس في مناطق الحرب..الخ.

وبالنظر إلى حالة توازن الضعف المتمكن من الحراك السياسي في البلاد، وغياب التنظيمات والاتحادات النقابية التي دمرت استقلالها الحكومة وألحقتها ، قسرا، كتابع للجهاز الحكومي، فإن منظمات المجتمع المدني السودانية، الحرة والمستقلة، ستظل تلعب دورا مباشرا وملموسا في تنشيط الحراك السياسي والدفع به نحو التغيير، وستمثل ضلعا رئيسيا وأساسيا في بلورة وصياغة رؤى التغير وأهدافه الإستراتيجية ، وفي كل آليات ووسائل التغيير السلمية. وإذ تتعامل منظمات المجتمع المدني السودانیة مع واقع الصراع المدني والمسلح من مبدأ الالتزام إزاء القطاعات المدنیة الأكثر تعرضا للمعاناة المباشرةً ، ومن منطلق ضلوعها المباشر في المساهمة من أجل بلورة الرؤى للخروج بالبلاد من دائرة الأزمة، فيصبح في مقدمة أولويات مهامها التقدم برؤیة موحدة واضحة تساهم في تحقيق اختراق لمعالجة جذور الأزمة السودانیة. وما تساهم به المنظمات المدنية السودانية ، تقدمه بوصفها ضلعا أساسيا ورئيسيا، وليس مجرد تابع لأي طرف من الأطراف، كما أن مساهماتها لا تأتي بديلا لمساهمات الأطراف الأخرى، وإنما مكملة لها.

وبالعودة إلى مسألة علاقة المنظمات المدنية بالديمقراطية ، فإن ﺍﻟﻀﻐﻭﻁ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﻤﺎﺭﺴﻬﺎ ﻤﻨﻅﻤﺎﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺩﻨﻲ ﺒﺎﺘﺠﺎﻩ ﺘﺼﺤﻴﺢ ﺁﻟﻴﺎﺕ ﻤﻤﺎﺭﺴﺔ ﻭﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻴﺔ، تمثل دافعا قويا لإحداث التحول الديمقراطي، وفي ذات الوقت فإن وجود أو نمو هذه المنظمات ﻴﻀﻤﻥ ﺘﺭﻗﻴﺔ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺘﺤﻭل ﻭﺍﻨﺘﻘﺎﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﻤﺭﺍﺘﺏ ﺃﻋﻠﻰ في اتجاه استقرار الديمقراطية وترسيخ مؤسساتها . فنشاط المنظمات يساهم في خلخلة وزعزعة مراكز التسلط عبر تنمية الوعي والقدرات واكتساب المعرفة والمهارات والحوافز للمتابعة، وسط المواطنين، وبالتالي تنامي إدراك المواطنين لحقوقهم وإستعدادهم للمشاركة في الأنشطة المطالبة بالديمقراطية والإصلاح السياسي. كما أن المنظمات المدنية تلعب دورا كبيرا في الرقابة على أداء الدولة، وكشف الفساد وحالات التغول على المال العام، وتساهم بشكل غير مباشر في صنع القرارات المصيرية، وفي تحقيق النمو الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، مع حرصها على بروز الفرد وحمايته. وبهذا المعنى، فإن المنظمات المدنية تمثل حلقة وسيطة تعمل على التوازن الضروري في الاجتماع بين الدولة ومكونات المجتمع، من حيث الرقابة على سلطان الدولة وتنمية الفعل المضاد لأشكال التعسف التي تنتجها السلطة.

في ورقة قيمة ناقشها في جلسة مصغرة في القاهرة في العام 2015، يشدد البروفيسير عبد السلام نور الدين على أن أولى المهام التي تواجه منظمات المجتمع المدني في السودان،هي العمل على عودة الوعى للحياة الاجتماعية والثقافية ومؤسساتها، وذلك ليس بالأمر اليسير، إذ تحولت اللاعقلانية والخرافات والأساطير، الي أيديولوجية لها شيوخ وحواريون يبذلون جهدا غير مقدس لتأصيلها في التربة السودانية ، بحسبانها هوية للفرد والمجتمع والدولة. وينادي نور الدين بضرورة أن تنهض المؤسسات المدنية، جنبا إلى جنب مع مؤسسات المجتمع الأهلي في شمال وجنوب كردفان ، باعباء إزالة آثار الحرب ليس فقط على مستوى العاطفة، بالاعتذارات والمصالحات وإعادة المياه إلى مجاريها بين الأفراد والقبائل والأديان،ولكن بالتحديد الشجاع والدقيق لكل البؤر التقليدية والمستحدثة التي تمثل مصادر دائمة للتوترات والنزاعات والحروب في إقليم كردفان. ويشدد نور الدين على أهمية أن تقود منظمات المجتمع المدني منظمات المجتمع الاهلى من جهة، ومؤسسات الدولة من جهة أخرى،لأن الميول الطبعية لمؤسسات ومنظمات الدولة في السودان هي التقمص والهيمنة ومصادرة المواطنة والتغول باسم القانون والنظام لحساب نفسها ولحساب فئة صغيرة تمثلها. (نواصل)

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 5 = أدخل الكود