Untitled Document

النساء تحت حكم البشير..!

عرض المادة

الحلقة الأولى

على مفترق الطرق

امتداد لملف السودان ما بعد البشير، نأتي إلى هذا التحقيق، في محاولة للإجابة على السؤال الجوهري، كيف آلت أوضاع النساء في هذه الفترة؟. هل تحسَّنت أوضاع النساء أم تراجعت إلى الخلف؟، وماهي أبرز المعيقات التي تكبلهن وتضع العراقيل في طريق حياتهن الكريمة؟.

وتعد الإنقاذ أول نظام يعمل على توسيع مشاركة النساء في السلطة التشريعية والتنفيذية، لكن هل يعني هذا دليل على تطور أوضاع النساء الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟ وهل اللواتي شاركن في السلطة عملن إلى تحسين أوضاع إخواتهن أم إنهن امتداد للنظام ويسرن بتوجهاته؟.

وأخيراً وليس آخراً هل نالت المرأة حقوقها شكلاً، وحجبت عنها جوهراً؟.

تحقيق : محمد إبراهيم الخليفة

قيود مكبلة

إن وضع المرأة في كل زمان ومكان يتأثر بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتحكم مشاركة المرأة في العمل النظم والقوانين السائدة، باعتبار أن قضايا المرأة جزء لا يتجزأ من قضايا المجتمع، فإنها لا تحل إلا في إطاره ما يجعلنا نتساءل هل القوانين الحالية تفضي لكفالة حقوق المرأة؟.

ظلت الحركة النسوية السودانية تناضل من أجل نيل حقوقها منذ الفترة التي كانت فيها البلاد ترزح تحت حكم الاستعمار، مروراً بالحكومات الوطنية المتعاقبة، وشهد هذا الحراك نمواً ملحوظاً، لكنه تراجع في ظل حكم الإنقاذ.

يعتبر كثير من المراقبين أن الحركة النسوية قبل الإنقاذ كانت متقدمة على المواثيق والمعاهدات الدولية التي تخص المرأة، ويعتبر المراقبون أن فترة الإنقاذ تعتبر الأسوأ للمرأة.

في هذا التحقيق نحاول تسليط الضوء على المرأة في ظل حكم الإنقاذ والبشير، من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، متسائلين هل تراجعت أوضاع النساء إلى الأسوأ في ظل حكم الإنقاذ ؟ وكيف؟.

تعارض الأدوار

في ورقة "المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أمام مشاركة المرأة في الحياة العامة السودانية " عفاف أبو كشوة، تقول :"بات دور المرأة كزوجة وأم يحتل المرتبة الأولى في حالة تعارضه مع الأدوار الأخرى، فإذا حاولت أن تشارك في أي نشاط في الحياة العامة على حساب دورها كأم وزوجة تتعرض لانتقادات اجتماعية كثيرة قد تؤدي إلى مشاكل مع الزوج والأهل من الطرفين .

وفي النهاية تضطر شريحة كبيرة منهن – حوالي 95% إلى الاستسلام للضغوط وتفضَّل دورها أماً وزوجة، ولكن هنالك حوالي 5%، من النساء يدخلن في صراع وجدل لتثبيت حقهن في المشاركة في الحياة العامة، ولايزال الصراع مستمراً لتحقيق مشاركة كاملة للمرأة، إلا أن ذلك يتطلب تغييراً اجتماعياً كاملاً في العادات والتقاليد والمفاهيم.

صعود وهبوط

وتقول ورقة الباحثة أبو كشوة :" لم تتعد حصيلة مشاركة المرأة السودانية منذ الاستقلال في 1956م حتى 2003م 10%، بالرغم من تصاعد حركة المرأة السياسية حتى يونيو 1971م، بعد ذلك تراجع وضع المرأة في كل مجالات الحياة كافة، وتشهد الأرقام بذلك، فبعد أن غيَّرت حكومة نميري شعاراتها التقدمية الديمقراطية بدأت بحل كل التنظيمات الجماهيرية نسائية كانت أو رجالية، مما أثر سلباً على نشاط المرأة، ومعلوم أن التنظيمات النسائية التي تعمل تحت سلطة الأنظمة الشمولية يتم اختيار قيادتها بالتعيين ولا تتوفر لها حرية الحركة والتعبير مما يعرقل مسيرتها ويعطِّل نتاج مكتسباتها" .

وتمضي أبو كشوة لتقول :" إن الأنظمة الشمولية المتعاقبة منذ نميري مروراً بالإنقاذ التي اتخذت شكل الديمقراطية على نهج كل الأنظمة الديكتاتورية عملت على تعيين نساء في برلماناتها التي اتخذت مسميات متعددة : مجلس الشعب الاتحاد الاشتراكي ثم المجلس الوطني، إن المشاركة السياسية للنساء وفرصهن لشغل مناصب عليا باللجان الشعبية من قبل النساء يعتبر من الأمور الصعبة المنال، تراوحت مشاركة النساء في العمل النقابي مابين 3-7%، كما أن هناك نقابات لا توجد بها نساء. إن مشاركة المرأة في العمل النقابي لا تتناسب مع وجودهن ووزنهن النوعي في القوى العاملة في القطاعين الخاص والعام والخدمة المدنية وأن غياب الحريات والتضييق على الحريات النقابية يجعل طوائف واسعة من النساء يبعدن عن العمل النقابي .

انهيار

من المعلوم أن أعداد خريجات الجامعات المؤهلات في ازدياد بصورة مستمرة وهذا واضح جلياً في نسبة الطالبات في الشهادة الثانوية، وأن العطالة في وسطهن تعني أن الفقر متغلغل أكثر في وسطهن وهذا قد يخضعهن للاستغلال من قبل أصحاب العمل مما دفع المحلل الاقتصادي البارز الدكتور صدقي كبلو، للقول: "الإنقاذ بطبعها استثماراتها التجارة والمال لم تفتح فرص إنتاج جديدة، لكن هنالك ظاهرة ارتفاع عدد العاملات في المنطقة الصناعية بأم درمان، ما يعني أن الرأسمالية السودانية أدركت حاجة النساء إلى العمل وإمكانية استغلالهن أكثر من الرجال، لأنهن غير متمرسات في العمل النقابي وغير منظمات أنفسهن ولا يمكنهن المدافعة عن حقوقهن، وأجرهن أقل من الرجال، ويمكن استغلالهن بسهولة.

وهذه ظاهرة تكاد تشار إليها بالبنان، وأن معظم المناطق الصناعية فيها أعداد النساء أكبر من الرجال.

يعتبر كبلو أن هذا ليس دليل تطور بأي حال من الأحوال، بل عكس هذا دليل انحطاط، لأن النساء اضطررن للعمل بأي أجر .

لكن ذلك التدهور لايقتصر على الفئات الضعيفة أو نساء الطبقات الدنيا، حسب ما تؤكد ورقة عفاف أبو كشوة، في الورقة التي ذكرت، إذ تقول : "ليس هذا فحسب، ولكن المشاركة في مواقع السلطة التنفيذية والتشريعية ومواقع اتخاذ القرار لا تزال ضعيفة، والقدر المعمول به من تعيين وزيرات وواليات معيَّنات يتم على أساس الولاء وليس الكفاءة أو بعض الأحزاب المتحالفة مع الحزب الحاكم، ويتم تعيين ليس إيماناً قاطعاً بقضيتهم العادلة في المشاركة من أجل البهرجة الإعلامية، وهؤلاء المعينات ينفذن ما يريده منهم الحزب الحاكم، وهذا لم يضف جديداً لمسيرة المرأة في كل مواقع اتخاذ القرار وتمثيلها حسب كفاءتها ومؤهلاتها في كل أجهزة الدولة السياسية والتشريعية والتنفيذية والقضائية الشرعية والمدنية والإدارية والدبلوماسية، وفي كل الأجهزة التابعة للدولة، حتى على مستوى قيادات الأحزاب، نجد أن عدد النساء ضعيف مقارنة بعددهن كعضوات مشاركات في الأحزاب وكناخبات".

ظل القوانين

ويقول سعيد الطيب عبد الرازق، في مقالته الموسومة بـ(سياسات التمكين الاقتصادى للمرأة بين الواقع والمطلوب) :"معلوم بالضرورة تمتع المرأة السودانية بالكثير من الحقوق على مستوى القوانين والسياسات، خاصة في الجوانب الاقتصادية، بيد أن هنالك ثمة فجوة كبيرة بين تلك القوانين والسياسات وبين تطبيقها على أرض الواقع، لأسباب عديدة منها ما يتعلق بوضع المرأة من حيث درجة تعليمها ووعيها، وبعضها يتعلق بالمجتمع من حيث العادات والتقاليد التي تحد من تقدم المرأة، وبعضها يتعلق بكفاءة النظام الإداري وعدم قدرته على المتابعة والتقييم والتقويم للمشروعات التي تتبناها الدولة إضافة للفقر، الكوارث الطبيعية والحروب المتكررة والصرعات القبلية".

المزارعات المهدورات

لقد شاركت المرأة السودانية منذ عهد بعيد في الإنتاج الزراعي والحيواني والحرفي، وفي القطاع غير المنتظم، وتمثل الزراع الرئيس من إنتاج البلاد خاصة الزراعي، وهنا يحق لنا أن نتساءل ماهي الجهود التي بذلتها السلطة لتمكين النساء اقتصادياً وإخراجهن من بؤرة الفقر المدقع؟ وكيف تطبق هذه السياسات، هل تنصف امرأة الريف مع نظيرتها في الحضر؟، وقد أكد التقرير العشري حول كسب المرأة 2010م إحصاء نوعي أن 30% هي نسبة التمويل الريفي المخصص للنساء من جملة 70% وهذا ما نأتي إلى تفصيله لاحقاً .

وتذهب الدكتورة سهير أحمد صلاح، في ورقة عن سياسات التمكين الاقتصادي للمرأة قدمتها لوزارة التنمية الاجتماعية بالخرطوم، "مهرجان التشغيل الثالث: ثورة الاقتصاد الأخضر." يناير 2015م إلى أن مشاركة النساء في القطاع الزراعي تشكِّل نسبة عالية، إذ تبلغ 78.8% مقارنة بحوالي 70% من الذكور حسب الإحصاءات المنشورة في التقرير العشري لوزارة الرعاية الاجتماعية. وتشير الدراسات إلى أن نشاط المرأة يتركز في الريف، حيث تؤدي دورها في النشاط الإنتاجي بأشكاله المتعددة. ويعتبر هذا مؤشر إيجابي للدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في معدلات الإنتاج، إذ وجدت الرعاية اللازمة من الدولة والسياسات المشجعة على الإنتاج، الأمر الذي أدى إلى التدخل بالسياسات والبرامج التي تعين المرأة الريفية وتيسِّر لها الحصول على الأموال والضمانات والتدريب والاستفادة من برنامج النهضة الزراعية، خاصة وأن النسبة المخصصة لتمويل القطاع الريفي تبلغ 70% منها 30% لتمويل النساء.

وتلفت الدكتورة سهير، الانتباه إلى الأرقام والنسب أعلاه لنلاحظ أن نسبة النساء العاملات في القطاع الزراعي أكبر من نسبة النساء العاملات في القطاعات الأخرى مجتمعة، مما يلقى على عاتق الدولة والجهات ذات الاختصاص مسؤولية أكبر تجاه هذه الشريحة المهمة والتي تؤدي دوراً مهماً في الاقتصاد .

في بداية التسعينات عُقد المؤتمر الاقتصادي لمناقشة قضايا الاقتصاد في السودان، ولتحديد رؤية الدولة في مجال الاقتصاد. أُسُصحبت توصيات المؤتمر في الإستراتيجية القومية الشاملة 1992-2002م، فكان من أهدافها التمكين الاقتصادي للمرأة ومنحها أولوية متقدمة لتنميتها وتلبية احتياجاتها. واستجابة للدستور والإستراتيجية القومية الشاملة وإستراتيجية تمكين المرأة أُقيمت العديد من المشروعات التي تساهم في تمكين المرأة اقتصادياً. تم تأسيس وزارة تعني بشرائح المجتمع الضعيفة تسمى وزارة الرعاية والضمان الاجتماعي تقوم بالدور الرقابي والإشرافي على العديد من المؤسسات ذات الصلة بهذه الشرائح ومنها ديوان الزكاة، الصندوق القومي للمعاشات، الصندوق القومي للتأمين الاجتماعي، الصندوق القومي للتأمين الصحي ومصرف الإدخار والتنمية الاجتماعية.

تحتاج المرأة لمزيد من الجهد للتمكين الاقتصادي في مجال الحماية والمشاركة في سوق العمل وتوفير الضمانات، كما أن المرأة تعاني من صعوبة الحصول على الأصول أو القروض. زيادة معدَّل الفقر والبطالة قلة فرص التدريب الفني اللازم لترقية الجوانب الاقتصادية للمرأة، كما أن السلع التي تنتجها النساء تجد منافسة عالية في الأسواق، مما يستدعي معالجات (تدريب لترقية القدرة التنافسية، أو حماية مؤقتة). زيادة نسب النساء، عائلات الأسر، مع غياب الدعم المقدم من شبكات الضمان الاجتماعي أو مؤسسات التمويل. حسب الورقة فإن نسبة عالية من النساء تعمل في القطاع غير المنظم، وهذا يعني أنها لا تستفيد من قوانين العمل، ويقلل فرص الدعم والتمويل والتدريب في هذا القطاع.

تأثير العولمة والإندماج في الاقتصاد العالمي.

هنالك العديد من المؤسسات التي تعمل في مشروعات محاربة الفقر، وهذا يحتاج إلى قدرة عالية على التنسيق والمتابعة والتقييم، وهذا لا يتوفر بصورة كبيرة. هنالك قلة من النساء تستطيع التعامل مع البنوك والمصارف مما يعني أن الوعي بأهمية هذه المؤسسات لايزال ضعيفاً. كما أن الانتشار الأفقي للمصارف ومؤسسات التمويل الأصغر ينحصر في المدن الكبرى.

هنالك كثير من الإصلاحات والسياسات التي تبنتها الدولة بغرض التمكين الاقتصادي للمرأة، إلا أن هذه السياسات والآليات التي تتبناها لانفاذها تحتاج إلى كثير من المتابعة والتقييم والتقويم للحصول على نتائح أفضل. إضافة إلى ضرورة مراعاة قضية النوع في الدستور ومعالجة القوانين واللوائح التي يمكن أن يكون لها تأثير سالب على المرأة مثل قوانين العمل واللوائح لتكون منصفة وعادلة .

أخيراً ترى الورقة أن تتجه الدولة بسياساتها ومواردها لتطوير القوى العاملة في الريف وبتمييز إيجابي واضح للمرأة باعتبارها تشكل فصيل مهم في النشاط الاقتصادي في الريف. هذه السياسات ستنعكس إيجابياً على معدلات الهجرة من الريف إلى المدن، كما أنها تساهم في توفير فرص عمل في مناطق استقرار الأسر، تقلل من معدلات البطالة في المدن مما له من آثار سالبة على معدلات الجريمة فيها.

نافلة القول لكي تنهض الأمم والشعب وتتطور من الحالة البدائية إلى الحداثة، وإذ كانت الدولة تنشد الارتقاء بشعبها في الحياة كافة والالتحاق بالدول المتحضرة، فلابد لها أولاً من الارتقاء بالمرأة والقضاء على كل القوانين والقيود التي تكبلهن وتقيدهن وإقامة دولة المواطنة المرتكزة على الحقوق والواجبات بين كل فئات الشعب بغض النظر عن النوع الإنساني، لأن النساء هن نصف المجتمع والنص الآخر للذكور، ولا يمكن للدولة تطمح للرقي بأن تنهض بنصف مجتمعها، وضرورة تأمين حقوقها الإنسانية وكرامتها وتأهيلها للمشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 7 = أدخل الكود