Untitled Document

علم الاستقلال وعلم الاستغفال والنظرة المتباينة بينهما؟

عرض المادة
علم الاستقلال وعلم الاستغفال والنظرة المتباينة بينهما؟
153 زائر
09-03-2017
د. طه حسن طه

علم الاستقلال وعلم الاستغفال

والنظرة المتباينة بينهما؟!

إن الاحداث في هذا السودان صغرت أم كبرت تمرّ مرّ الكرام ولا يُلقى لها بال إلا في لحظتها ، ثم يصيب الناس النسيان غير عابئين بما حدث ، حيث إنها مشاعر وقتية ليس فيها ذلك الانحياز للحدث وما يمثله من أهمية وارتباط وجداني وتاريخي ، هو نتاج لمرحلة هامة كان فيها العطاء والنضال والتضحية والإجماع الوطني القومي الذي صاغ وبلور النتيجة والمحصلة النهائية ،التي جاءت نتيجة لجهاد عسير ، وأكبر مثال لهذا المفهوم هو علم استقلال السودان ذي الألوان الثلاثة :أزرق، أصفر، أخضر ، والذي صاغت فكرته إمراة وطنية مفعمة بحب السودان وعطاءات شعبه.. إنها السيدة السريرة مكي الصوفي : معلمة بكلية المعلمات بأمدرمان ، وحقاً فإن الشعب السوداني قاطبة قد انفعل وتفاعل مع ذلك العمل لأنه يمثل مرحلته التاريخية وبطولاته المتوالية ورمزيته النضالية والجغرافية لتضاريس وقسمات مكونات مساحة السودان، فهو يعبر عن النيل : ذلك النهر العظيم، ويعبر عن الواقع الصحراوي الممتد في كل ربوع السودان ويعبر عن الخضرة والجمال اللذين يغطيان رقعة زراعية مقدرة في مناطق معلومة بل أن ذلك العلم وقف الملايين لإلقاء نظرة عليه وهو يرتفع فوق السارية حباً واجلالاً وتقديراً ورمزاً للسيادة، وياله من موقف رهيب وذرفت فيه الدموع وانهالت على الخدود وهتف الفؤاد حباً باستقلال السودان وصناع الاستقلال ، وتعانق الناس واحتضن بعضهم البعض، وكان إجماعاً وطنياً قلّ أن يجود الزمان بمثله ، والحديث يطول حول العلم وألوان العلم وحب الناس لذلك العلم وذكراه في نفوسهم، ثم جاء انقلاب جعفر نميري في عام 1969م فتجاسر وبالغ أيما مبالغة حين قرر تغيير ذلك العلم في محاولة لتغيير مفاهيم الناس وارتباط وجدانهم الوطني بذلك العلم، فعل ذلك إمعاناً في إذلال مفاهيم الناس ونظرة الناس وصلتهم القوية بذلك العلم ومن ورائه قادة وطنيون أمناء شرفاء .إنه استغفال ما بعده استغفال، فعل ذلك جعفر نميري ورفاقه في خطوة لم يسبقه عليها حتى من كانوا رؤساءه بالقوات المسلحة وهو طالب حربي وضابط حربي وأعني بهم إبراهيم عبود وزملاءه الذين استلموا الحكم في عام 1958 لكنهم بفهمهم وحنكتهم وتقديرهم للأمور لم يقدموا على اتخاذ تلك الخطوة لما تنطوي عليه من محاذير كثيرة ، علماً وحسب رواية أحد ضباط القوات المسلحة بأن الفكرة كانت موجودة ونوقشت لكن استبعد تنفيذها احتراماً لشعب وانتماء شعب ومفهوم شعب ورموز وطنية يعرفون قدرهم ويجلونهم.. هكذا كان تقديرهم للموقف حينما كان الزمن الجميل الذي حافظ على كثير من المفاهيم والوشائج والرابط الوطني القومي، كانوا ينظرون إلى علم الاستقلال نظرة احترام وتقدير حيث إنه مطرز بتضحيات وقيم ومفاهيم وتلاحم شعبي مرددين السلام الوطني وهو يعلو، لكن نميري أبي واستكبر ، فأتى بعلم جديد حشد له من المبررات الكثير وتماشى مع مقولة الشيوعيين بأن علم استقلال السودان ما هو إلا مجرد خرقة أو (دلقون)؟! ومع ذلك ورغم ذلك ظل الكثيرون مرتبطين وجدانياً بذلك العلم العظيم رمز العزة والسيادة والاستقلال والخلاص من المستعمر ، لذلك كنا نراه عند مدخل منازل كثيرة مرفوع الرأس شامخاً، وفي أعياد الاستقلال تزين كثير من البيوتات أسطح منازلها بعلم رفعه الرئيس إسماعيل الأزهري والمحجوب، بل إن الحزب الاتحادي خاصة جماهيره وبيت الرئيس الزعيم نفسه لا ينكس فيه ذلك العلم أبداً، بل تراه مشرعاً خفاقاً وفي مناسبات الاتحاديين وغير الاتحاديين توزع أعلام متطابقة شكلاً ومضموناً مع علم الاستقلال ذي الألوان الثلاثة أزرقها وأصفرها وأخضرها ، وفي كثير من المهرجانات ترى العلم نفسه وفي احتفال المئات بالذكرى الخامسة والثلاثين لرحيل الشهيد الشريف حسين الهندي وزعت عشرات الأعلام ولا ذكرى ولا احترام لعلم نميري ونظام نميري.. إذا ليس هناك من تفسير لهذا البرود سوى أن أكثر الناس لا يزالون أوفياء لقادتهم الأول ، ولعلمهم الذي يحترمون ألوانه لارتباطه بتاريخ مسيرتهم الوطنية، وليس لعلم جاء تغييراً لمجرد التغيير ، وصرف الناس عن قناعاتهم وارتباطاتهم، وفي محاولة لطمس التاريخ وتغيير الثوابت لذلك ظهر تباين في وجهات النظر وخلق موقف التلويح وحمل ورفع علمين تساؤلات كثيرة بين الحبيب الغائب رسمياً المقيم فعلياً بين جوانحهم وحواسهم ومشاعرهم شعبياً، والأمر والاستخفاف الذي فرضه نظام شمولي استغفالي ..حقاً إنها قضية في تقديرهم تحتاج إلى دراسة وربما إعادة نظر حيث إنهم في ترقب لعودة الحبيب المنتظر ... والرئيس البشير وبعض زملائه ربما يدرسون إمكانية أعادة علم السودان الذي رفع في القلوب قبل أن يرفع على سارية القصر الجمهوري ومباني الوزارات والأبنية الرئيسية وقلوب الشعب السوداني.. إنهم إن فعلوا قاموا بتصحيح للخطأ واسترجاع للحظات تاريخية مستحقة.. إنه علم لا يمكن أن ينسى أو أن تتجاوزه عقارب الزمن، والفنانة القديرة حواء طقطاقة يرحمها الله (وثائقياً) جعلت علم الاستقلال راسخاً في النفوس مختزنا في الوجدان عميقاً في العقل الباطن ومع ذلك لربما يطرأ سؤال حول امكانية تحقيق ذلك وهو : هل نفس ألوان العلم صارت جزءاً من تركيبة علم دولة أخرى؟! وفي تقديري هذه مقدور عليها وأصحاب الفكر والرأي والابداع يمكن أن يجدوا حلاً ومخرجاً لها إذ ليس هناك مستحيل فمثلاً يمكن أن تكتب عبارة التوحيد في وسطه: لا إله إلا الله أو عبارة الله أكبر أو وضع خارطة السودان أو ... أو... الخ المهم أن نردّ اعتبار ذلك العلم ونرد اعتبار وطن وشعب لما لذلك من مفهوم ودلالة حيث إنه علم الاستقلال وليس علم نظام شمولي استغلالي استغفالي تجاوز حدوده – أن كانت له حدود- حيث إنه تدخل في شأن يمثل أكبر جريمة في التاريخ وهي أن تزور وتغير في ماهية رمز سيادة وطن وثوابت أمة بإكملها وملتقى إجماع تلك الأمة.. أكتب هذا وأنا من أبناء ذلك الجيل الذي مشى حافياً جزلانا فرحاً بذلك اليوم الأغر وذلك العلم الراسخ في النفوس والوجدان وليكن شعارك يا بشير مخاطباً هذا الشعب العظيم : هذه بضاعتكم ردت إليكم!

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 6 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية