Untitled Document

التعديلات الدستورية : إرباك حسابات المؤتمر الشعبي

عرض المادة
التعديلات الدستورية : إرباك حسابات المؤتمر الشعبي
204 زائر
09-03-2017
الصادق محمد سلمان

د . الصادق محمد سلمان

أثارت قضية التعديلات الدستورية التي كانت إحدى توصيات الحوار لاستيعاب مستجدات ما بعد الحوار ، أثارت جدلا لم ينتهِ حتى اليوم ، وكونت لجنة لإجراء تلك التعديلات وتقديمها للمجلس التشريعي لإجازتها . و كان المؤتمر الشعبي متربصاً بهذه الفرصة ليبدأ حملة أعدّ لها العدة من قبل مستندا إلي موجهات خطها زعيمه الراحل ، تتعلق بهذه التعديلات ، واستثمارها في تغيير ما رسخ في أذهان الناس عنه .. هذه القضية حركها المؤتمر الشعبي بذكاء ليجعل منها قضية الساعة ، وموقفا يريد به أن يجُبَّ به ما سبق من مواقف لا تزال حاضرة في أذهان كثير من السودانيين . إن قادة الشعبي الذين كانوا وقتذاك في قمة السلطة مسؤولون عنها ، إذ رسخ في الذاكرة أن أكثر الأوقات التي شهدت تضييقا على الحريات كانت إبان وجودهم على سنام السلطة . ولكنه كالعادة يريد أن ينسى الناس كل ذلك ، ويصفقوا له إذا نصّب نفسه مدافعاً عن الحريات التي وأدها من قبل ، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ، فمنذ البداية لم تساند الأحزاب المشارِكة في الحوار رؤيته في هذه التعديلات التي ظل يكرر أنه لن يقبل أن تُحذف منها شولة ، وهذا لعمري قول يتنافى مع مبادئ كثيرة ، سواء كانت متعلقة بالشورى أو التواضع ، والاعتداد بأن هذا الرأي لا يأتيه الباطل من بين يديه وغيرها من المبادئ التي تحترم الرأي الآخر .. وتكاثرت تصريحات قادة الشعبي بأن مشاركتهم في الحكومة تتوقف على إجازة التعديلات التي قدموها ، فهاهو أحد قيادات الشعبي التي ظهرت مع الحوار ، عمار السجاد يقول مستحقرا الشعب السوداني " أن الشعب السوداني ليس لديه خيار سوى مشروع الترابي " ( التيار 2/ 3 / 2017 ) لا يا سيدي الفاضل! الشعب السوداني لديه ألف خيار ، والترابي ليس نبيا أو رسولاً حتي يكون لزاماً على الشعب السوداني أن يتبع سنته ، وهو لو كان حياً لما رضي هذا الكلام الذي يتنافى مع أبسط مبادئ الحرية واحترام الرأي الآخر .

الأحزاب المحاورة التي يرأس لجنتها التنسيقية المؤتمر الشعبي كانت أول من اعترض على التعديلات التي قدمها الشعبي على قانون الأمن .. جاء ذلك في تصريح لعضو الآلية رئيس مجلس أحزاب الوحدة الوطنية الموالية للمؤتمر الوطني بأنهم لا يرون ضرورة لتعديل قانون الأمن ، وكان هذا موقف معظم الأحزاب التي شاركت في الحوار . استراتيجية الشعبي لاستغلال قضية التعديلات الدستورية كانت مكشوفة ، إذ إنه من بين تلك التعديلات اختار الشعبي قانون الأمن وانتقى منه لافتة لها جاذبية خاصة ، ليخوض بها معركة يظن أنه إذا خرج منها منتصرا أو مهزوماً فهو رابح في كلا الحالتين، ليعود للساحة السياسية كبطل تكلله أكاليل الغار .

قانون الأمن في بنوده التي تمس قضية الحريات لا يختلف اثنان على أهميتها ، وكان من الأجدى أن يتم التداول في عقيدة جهاز الأمن نفسها التي شابتها ظلال منذ العهد المايوي فهي التي يترتب عليها تطبيق بنود القانون ، فهل مهمة الجهاز حماية الدولة أم النظام ؟ فإذا كانت حماية الدولة ، هنا تكون النظرة للعلاقة مع المواطنين نظرة إيجابية، تحترم حق وكرامة المواطن ، لأن القضايا التي تتعلق بحماية الوطن ، تصب في مصلحة المواطن ، أما إذا كانت الحماية للنظام ، فالأمر مختلف ، فالذي يراه المواطن حقا مكفولا له بحكم الدستور ربما لا يراه النظام كذلك ، ومن هنا يأتي التجريم للفعل ، وبالتالي تكون النظرة للمواطن نظرة سلبية ، وقول الشعبي إنهم يريدون أن تنحصر مهمة جهاز الأمن في جمع المعلومات غير واقعية ، ولا تصب في مصلحة أمن الوطن ، وقد تكون المطالبة أكثر معقولية إذا ما تبنت عملية تنقيح للمواد المتعلقة بحرية الصحافة والتجاوزات في التعامل مع المعارضين للحكومة ، والاعتقالات لفترات طويلة دون محاكمة ، والتعامل مع المواطنين بصفة عامة في الأمور التي تدخل في نطاق اختصاص أمن الوطن بإسلوب حضاري إنساني يراعي حقوقهم الإنسانية . والأمر الآخر الذي يحتاج إلي وقفة هو وجود أجهزة أمنية لا تتبع للدولة وهذه لا يعرف لها قرار أو مكان ، فجهاز الأمن جهاز معروف من أجهزة الدولة الرسمية ومنسوبوه من العاملين بالدولة ، وتجاوزاتهم يمكن رفع شكوى بها لرئاسة الجهاز ، بل يمكن مقاضاتهم ، أو مقاضاة الجهاز نفسه ، أما تلك الأجهزة التي تتبع لجهات غير معروفة للمواطن، فإن ما تقوم به ينسب للمجهول وأحداث سبتمبر شاهد على ذلك . هذه النقاط هي التي كانت جديرة بالبحث والمطالبة بتعديلها أو إضافتها إذا لم تكن موجودة .

وعلى كل حال ،انقشع غبار المعركة ولم يبق من التعديلات الدستورية إلا زواج التراضي الذي انبرى له عدد من المؤسسات الدينية الرسمية مثل هيئه العلماء ومجمع الفقه ، وبعض أئمة المساجد ، والجماعات الدينية والتنظيمات التي تتبنى أطروحات إسلامية ، والناشطون في مجال حقوق المرأة . أما غالبية الشعب الذين أصابهم الإحباط من تجاهل مخرجات الحوار لحياتهم المعيشية ، وكانوا يأملون أن تحظى الأوضاع المعيشية بنصيب من هذا الجدل لذلك لم يأبهوا لموضوع زواج التراضي ، فهمومهم اليومية لا تترك لهم وقتا للخوض في مثل هذه الأمور الفقهية التي يعتقد أكثرية من أصحاب الرأي أنها لا جديد فيها وأن الموضوع يهدف منه الشعبي إلهاء الناس بمسرحية من مسرحياته . وسمعت أحدهم من عامة الناس يتحدث مع آخرين يقول : " لو بقى جسمي كله إضنين ما بصدق البقولو الجماعة ديل في الجرايد " .

واتضح من البداية أن هدف قادة الشعبي من الضجة التي صاحبت الحوار وما بعده هو تمهيد لعودتهم لأحضان المؤتمر الوطني والمشاركة في السلطة " كأهل بيت " ، وكانت أعينهم على مكافأة المؤتمرالوطني لهم على ترويجهم للحوار والدفاع عنه ، وكانوا يتوقعون أن تكون المكافأة كبيرة بقدر الجهد الذي بذلوه ، مما يتوجب على الوطني أن يشكرهم على حسن صنيعهم بأن يميزهم عن بقية الأحزاب المحاورة في الحصة التي تليهم من الكيكة ، وكان تقديرهم أن يؤول لهم منصب رئيس الوزراء وقبول التعديلات الدستورية التي دفعوا بها دون أن تنقص شولة، كما يقولون ، والمتابع للصحف تتأكد له هذه الإستراتيجية ، فقادة الشعبي يقومون بحملة منظمة لابتزاز المؤتمر الوطني بهذه التعديلات ، وفي نفس الوقت يسعون إلى أن يرسخ في أذهان الناس أنهم المناضلون من أجل الحريات ، فلا نكاد نجد صحيفة من الصحف اليومية في هذه الأيام تخلو من مقابلة مع أحد قادة الشعبي يرددون الكلام نفسه .

والآن بعد أن استأثر المؤتمر الوطني بمنصب رئيس الوزراء وسقطت التعديلات الدستورية التي قدمها لم يبق أمام المؤتمر الشعبي إما أن يبرّ بقسمه وينسحب من المشاركة في الحكومة ويواجه شبح الانقسام ، لأن هناك فريقا منهم " برمج " نفسه على المشاركة ، ولن يقبل الانسحاب ، أو يشارك مثله مثل الأحزاب التي وصفها أمينه بأنه لا ينسحب عليها مسمى أحزاب ، وهكذا يكون الشعبي ينطبق عليه القول لا ظهرا أبقى ولا أرضاً قطع .

*** سطور للوطن

عزيزي المواطن ..الطبيب في المستشفى لخدمتك ...لا تحمله ما ليس باستطاعته ...إذا كان هناك قصور في تقديم الخدمة توجه إلى سلطات المستشفى وقدم شكواك ....لكن لا تلجأ إلي الاعتداء على طاقم الخدمة ...هذا ليس من أخلاقنا .

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 5 = أدخل الكود