Untitled Document

جوهر الأزمة

عرض المادة
جوهر الأزمة
165 زائر
11-03-2017
نصرالدين عبدالقادر

جوهر الأزمة

الشعب السوداني مكتنز بثقافاته وموروثاته الأدبية والفنية الكبيرة، فمضت السنوات وأصبح ضنك العيش وتشظي القيم هما السمة التي وُسم بها في هذا الزمن الأغبر. تدهور المجتمع في كل شيء ليس لأمر سوى أن الذين اعتلوا المنابر وتصدروا الأحداث من النخب لم يلامسوا جوهر قضية المجتمع والتي تتمثل في التنوير، ونحن الآن في عصر الإعلام الذي يثير ولا ينير. شوارعنا "المزعمطة" وتردي خدمتنا المدنية كلها ترجع لتردي ثقافتنا نفسها. فأزمة المثقف السوداني مسألة قديمة، خاصة في علاقته بالمجتمع وثقافته وهمومه، بل إن معظم أزماتنا وخيباتنا هي نتاج لما يقوم به هؤلاء المثقفون، فنجدهم بنوا لأنفسهم أبراجاً عاجية يراقبون من عليائها مجتمعاتهم عن بعد.. ربما ترفعاً عن شعبهم وزهدا فيه وفي همومه. أتفق مع غرامشي في تعميمه بأن كل المجتمع مثقف، وأن النخب الفكرية النيرة بحكم امتلائها المعرفي هي الفاعلة والمؤهلة لتغيير الواقع. فالمثقف عند غرامشي هو الذي تشغله هموم أمته ناذرا نفسه لعطاءات بلا حدود مدى الحياة، ومؤمنا حد الذوبان بدوره الفاعل في تغيير ما بالنفوس..." بهذه الصورة التي يراها غرامشي كان ينبغي أن يتشبع بثقافة مجتمعه ومن ثم يسعى لمواءمتها مع الواقع، لكن الذي يحدث عندنا هو عدم مقدرة مثقفينا على التغيير، والعجز على إيصال الفكرة نفسها لعامة الناس، وربما يرجع إلى تشبعهم بالثقافة المستوردة دون هضمها وتحويلها إلى لغة بسيطة تمشي بين الناس حتى يتقبلوها كما فعل د. عبدالله الطيب، أو الطيب صالح الذي أجبر الآخر على الاحتفاء بثقافة مجتمعه المحلية، وهناك أمثلة أخرى على قلتها لذلك لا يمكن تعميم الأمر على كل النخب. لكن الغالبية مفتونون بحشد المصطلحات الكبيرة، ربما لنقص عند هؤلاء يريدون سده وإثبات الثقافة لأنفسهم، بذلك يختزلونها في معرفة أكبر قدر من المصطلحات الأجنبية.. المثقفون في غير دول العالم النامي يعتبرون أن المعرفة الإنسانية ليست بينها حواجز أو حدود، فيأخذون ما يمكن أن ينفع مجتمعاتهم، هذا مع احتفائهم بثقافتهم المحلية وليس إلغائها كما هو الحال عندنا.

غياب المثقف وبعده عن هموم مجتمع أتاح للمثقف فرصة الهيمنة على الميدان خطاباً وممارسة، فضاعت القيم التي كانت تحكم حياتنا، وها قد أصبح الآن المثقف والسياسي كبائعي خرد على قارعة السوق.

ما نحتاجه الآن مراجعات شاملة، حتى تركيبة الشخصية السودانية، عندها ربما نستطيع أن نفي بما قال محمد المكي إبراهيم:

من غيرنا ليغير التاريخ والقيم الجديدة والسير

من غيرنا لصياغة الدنيا الجديدة

وتركيب الحياة القادمة.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية