Untitled Document

خنساء عمر سوار الذهب أرملة بابكر النور تكتب:

عرض المادة




الحلقة الأولى
قبل الخوض في تفاصيل ملاحظاتي عن التقييم، أشير إلى العبارة التي أعلنها الحزب إبان القمع الدموي بعد 22 يوليو 1971، والتي تقول إن "19 يوليو تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه"، هذه العبارة استوقفتني كثيراً، ورأيت فيها بعض الغموض، لكن- ربما- أرادها الحزب هكذا، بغموضها البلاغي؛ فالحزب لم ينكر التهمة إلا تأكيداً لرباطة الجأش في المحنة، وهي شرف لن يدعيه؛ لأنه يتفادى الإشارة إلى أنه قد يكون قد أوعز بها، ولن تثبت.
""""""""""""""""""""""""""""
تقول الوثيقة بلغة أقرب إلى الندم: إنه كان على الحزب أن يتعرف على تقديرات الشيوعيين والديمقراطيين للوضع داخل الجيش، ومسار الصراع، ومستقبله... إلخ، وبالتعرف على تقديرات هذه القوى، كان الحزب- بالضرورة- سيتعرف على مواقف القوى السياسية العسكرية الأخرى. ولكن السؤال الرئيس، ونقوله- بلهجة المندهش المستعجب: إذا لم تناقش هذه التقديرات في اجتماعات قيادة الحزب بالضباط والعسكريين من أعضاء الحزب فماذا كان يدور في تلك الاجتماعات، والتي من أولوياتها مناقشة ذلك؟.
""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""


قبل عقدين من الزمان- تحديداً- في يناير 1996 أصدرت قيادة الحزب الشيوعي السوداني وثيقة تقييم حركة 19 يوليو 1971، وهو التقييم الذي أعدته سكرتارية اللجنة المركزية في مارس 1985- ما يعني أنه صدر بعد أكثر من 10 سنوات بعد إعداده، ومن بينها 4 سنوات في الحقبة الديمقراطية كانت تتيح مساحات كافية للنقاش، والتداول بشأنه.
هذا التقرير صدر دون أن تناقشه أو تجيزه اللجنة المركزية وفق ما أفادت به السكرتارية في مقدمة الوثيقة أن الظروف بعد انقلاب 30 يونيو 1989 لم تسمح بعقد دورة مكتملة، أو موسعة للجنة المركزية؛ لمناقشة التقييم، واستقر الرأي- بعد التشاور مع أعضاء اللجنة المركزية الموجودين- على أن يصدر التقييم كما أعدته السكرتارية المركزية.
ويدفعني ذلك إلى طرح التساؤل إن التقرير تأخر أكثر من عشرين عاماً ألم يكن من المتاح تأجيل نشره عدة أشهر إضافية؛ حتى تجتمع اللجنة المركزية لمناقشته، وإضافته؛ ليصبح وثيقة مكتملة الأركان تعبِّر بالكامل عن رأي الحزب ممثلاً في لجنته المركزية؟.
من جانبي، منذ استلامي الوثيقة، حرصت على قراءتها بدقة، عدة مرات، وسجلت ملاحظاتي حولها، لكني احتفظت بالملاحظات لنفسي فقط طوال هذه المدة حتى لا أجعل من حديثي مادة لإثارة غبار أحرص ألا يصيب الحزب رزاز منه. والآن، وبعد أن عقد الحزب مؤتمريه الخامس والسادس بسلام، وبعد التهنئة بعقد المؤتمرين، وبعد الأماني الصادقة بمزيد من النجاحات والمعالجات لسلبيات وأخطاء الماضي والاستفادة منها، أنشر بعضاً من ملاحظاتي عن التقييم الذي أصدره الحزب عن حركة 19 يوليو، ونشره جماهيرياً، صحيح أن الكثيرين ممن عاصروا تلك المرحلة لم يعودوا في عالمنا، وذهب بعضهم من دون أن يقدم شهادته بشأن هذه الأحداث المفصلية في تأريخ الحزب والسودان.
ومن هنا يأتي حرصي على نشر ملاحظاتي- على محدوديتها- وقد سبق لي أن نقلت وجهة نظري عبر الهيئات الحزبية التي عملت من خلالها، وبكل شفافية وصدق.
وقبل الخوض في تفاصيل ملاحظاتي عن التقييم، أشير إلى العبارة التي أعلنها الحزب إبان القمع الدموي بعد 22 يوليو 1971، التي تقول إن "19 يوليو تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه"، هذه العبارة استوقفتني كثيراً، ورأيت فيها بعض الغموض، لكن- ربما- أرادها الحزب هكذا بغموضها البلاغي، فالحزب لم ينكر التهمة إلا تأكيداً لرباطة الجأش في المحنة، وهي شرف لن يدعيه؛ لأنه يتفادى الإشارة إلى أنه قد يكون قد أوعز بها ولن تثبت.
أما الوثيقة فقد كشفت عن خلل كبير، وقصور واضح في أداء الحزب في التعامل مع تقييم هذا الحدث، الذي زلزل أركان الحزب، والحياة السياسية في البلاد. فالوثيقة تتحدث عن نقص كبير في امتلاك الوقائع المتعلقة بحركة 19 يوليو، وتبرر لذلك بأن سلطة مايو تعمدت التعتيم على المعلومات، وكأن المتوقع منها عكس ذلك، ثم بكل بساطة تقر الوثيقة أنها لا تتضمن تقرير لجنتين مهمتين وأساسيتين، لم تفلح أي منهما في إنجاز مهمتها إلى أن صدرت الوثيقة، وهما لجنة العسكريين المسرحين الذين شاركوا في 19 يوليو، والمناط بها تقييم كل الجوانب العملية العسكرية من فترة التحضير إلى نجاح الانقلاب ثم هزيمته، ولجنة تقصي الحقائق عن أحداث بيت الضيافة، وبغرض الاستمرار في تجميع الشواهد والشهادات التي تعمدت السلطة المايوية التعتيم عليها، لا أدري كيف يمكن القول إن التقييم أنجز في غياب مساهمة هاتين اللجنتين المناط بهما بحث وتقييم مسألتين تشكلان عظم الظهر في الأحداث؟!، وهل فعلا أن مهمتيهما هي مجرد إضاءة للتقييم ولا تمس جوهره، كما ذكرت الوثيقة؟!، لا أعتقد ذلك أبداً، والأدهى والأمر أن اللجنتين لم تنجزا تقيمهما حتى صدور التقييم في 1996، أي طوال ربع قرن!، ولم يبلغ علمي أنهما قد أنجزتا مهمتيهما حتى لحظة كتابة هذه السطور، ويصبح هذا غير مفهوم بالنظر إلى أن العديد من الضباط الذين شاركوا في العملية ألفوا ونشروا كتباً، وأجروا حوارات صحفية عن العملية؟، ألا يفتح هذا التصرف من قبل قيادة الحزب مجالاً للشكوك، التي يعززها أن قيادة الحزب لم تناقش، أو تستفسر، أو تعرض مسودة التقييم على عدد من الوطنيين الذين لديهم علاقة بالحدث، أو ربما تكون لديهم معلومات تفيد، أو حتى مجرد أن الأمر يهمهم كأسر الشهداء من العسكريين، ومن بينهم أعضاء في الحزب، والذين لم يطلعوا على الوثيقة إلا بعد صدورها ونشرها إعلامياً؟، أنا- شخصياً- عضو في الحزب، وعايشت تلك الفترة من خلال عضويتي في الحزب، وكذلك من خلال علاقاتي الشخصية زوجة للشهيد بابكر النور، لم أطلع على هذه الوثيقة إلا بعد نشرها إعلامياً مثلي مثل العديد من الرفاق والرفيقات.
وفي فقرة أخرى، تـحدثت الوثيقة أنه قبل وليس بعد 19 يوليو بعشرة أيام كان الشهيد عبد الخالق محجوب ينتظر اجتماعاً مع التجاني الطيب، والجزولي سعيد، وشكاك؛ للتشاور، بينما كان أعضاء المكتب السياسي الآخرون مشغولين بمهام ولقاءات واجتماعات في جبهات عمل أخرى!.. هل يعقل هذا، وماذا تسمونه؟!، أين المهم والأهم في نظر المكتب السياسي؟، وهل يمكن أن يكون في تلك اللحظات ما هو أهم من حدث بمستوى أهمية 19 يوليو؟!، أم إن المقصود من ذلك الإيحاء بعدم علم المكتب السياسي بهذا التحرك؟.
تحدثت الوثيقة بلغة تبريرية عن فكرة الانقلاب العسكري، بل أشارت إلى أن الحزب يضع في اعتباره الظروف السياسية، والمصالح الطبقية التي يخدمها التكوين الطبقي، والفكري، والسياسي لقادة أي انقلاب، وعلى ضوء ذلك يحدد موقفه من الانقلاب، وأقرت الوثيقة إنه على ضوء هذا الفهم عارض الحزب انقلاب نوفمبر 1958؛ لأنه رجعي، لكنه أيد وشارك في محاولات الانقلاب الأربع التي قام بها ضباط وضباط صف وجنود وطنيون؛ لإسقاط نظام الفريق عبود في أول مارس 1959 وفي 22 مايو 1959، ونوفمبر 1959، في نظري هذا طرح ملتبس فكرياً، ويشوبه التناقض، وعدم الموضوعية تجاه قضية التغيير بواسطة الانقلابات العسكرية، وأشير- هنا- إلى مناقشة الشهيد عبد الخالق محجوب في أكتوبر 1969 بعد ظهور بوادر الصراع مع مايو على السطح، واقتراح بعض الشيوعيين المشاركين في السلطة بالاستقالة، حيث قال الشهيد: إن الاستقالة هروب من الصراع، وأن التحرك لتنفيذ انقلاب سيبدو أمام الرأي العام سرقة للسلطة، وبالنسبة لي هذا يجعل الأمر جلياً؛ ففكرة الانقلاب مطروحة منذ العام 1969 في أوساط قيادة الحزب، وأن الأمر لا يتحمل المقاربات النظرية التبريرية اللاحقة للحدث.
صحيح كما جاء في الوثيقة إن سلطة مايو كانت طرفاً فاعلاً- تخطيطاً، وتنفيذاً- في الانقسام الكبير الذي وقع في داخل صفوف الحزب، لكن الوثيقة أغفلت أن الصراع الفكري بشأن الانقلاب تفجر داخل الحزب قبل مايو، وليس بسببها، هذه النقطة أراها مهمة جداً، وليس أقل أهمية منها العلاقة الوثيقة التي ظلت تربط أطراف في قيادة الحزب بمجموعات القوميين العرب.
اعترفت الوثيقة أن الحزب لم يمنع اعتقال الشهيد عبد الخالق محجوب رغم أن ذلك كان ممكناً في تلك الظروف- سياسياً وجماهيرياً- كما أشارت الوثيقة. لكن هذا الاعتراف لا يجيب عن السؤال الذي ظل ينتظر إجابة دون جدوى، وهو ما دام أن ذلك كان ممكناً فلماذا لم يحدث؟، قناعتي أنه في حال عدم اعتقال الشهيد عبد الخالق لتغير المسار كلياً؛ بفضل قدرات السكرتير العام المعروفة.
تقول الوثيقة بلغة أقرب إلى الندم: إنه كان على الحزب أن يتعرف على تقديرات الشيوعيين والديمقراطيين للوضع داخل الجيش، ومسار الصراع، ومستقبله... إلخ، وبالتعرف على تقديرات هذه القوى كان الحزب- بالضرورة- سيتعرف على مواقف القوى السياسية العسكرية الأخرى، ولكن السؤال الرئيس، ونقوله- بلهجة المندهش المستعجب: إذا لم تناقش هذه التقديرات في اجتماعات قيادة الحزب بالضباط والعسكريين من أعضاء الحزب فماذا كان يدور في تلك الاجتماعات، والتي من أولوياتها مناقشة ذلك؟، ثم ماذا عن حديث الشهيد بابكر النور إلى الشهيد عبد الخالق محجوب في 25 مايو 1969، وكنت قد أخبرت الأخت نعمات مالك بمضمون هذا الحديث بعد إبعاد مجموعة بابكر النور، وهاشم العطا، وفاروق حمد الله من عضوية مجلس قيادة الثورة في 16 نوفمبر 1970؛ حيث أبلغني الشهيد بابكر النور أن عبد الخالق محجوب قال له: "لقد كان من السهل استيلاؤكم- كشيوعيين- على السلطة"، فكان رد الشهيد بابكر النور "صحيح كان في إمكاننا ذلك، لكن لن نستمر بها؛ لأن هناك مجموعات القوميين العرب، والضباط الوطنيين الآخرين الذين- دائما- كانوا يقولون: "أبعدونا من الشيوعيين".
نواصل



   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 7 = أدخل الكود