Untitled Document

النساء في ظل حكم البشير

عرض المادة


الحلقة الثانية
أزمنة متغيِّرة
أزمنة متغيِّرة شهدتها المرأة على مر التاريخ، ويعتبرها البعض ارتداداً أو تراجعاً إلى الخلف، وعندما نمعن النظر في التاريخ والممالك السودانية ما قبل الميلاد، نجده ناصع البياض ومشرفاً للمرأة ومحتفياً بها، ونصبت الكنداكات مقاليد إدارة الممالك كـ(أمانجي ريناس)، التي حكمت مملكة كوش من سنة 40 ق.م-10م، المتعارف عليه باسم الكنداكات، وكلمة الكنداكة تعني (الزوجة المليكة الأم)، وقد اشتهرت الكثير من الكنداكات على رأسهن " الملكة أماني ريناس والملكة أماني شاخيتي" حتى قال عنهن المستشرق البريطاني والعالم اللغوي ماكس ملر: " ليس ثمة شعب قديم أو حديث رفع منزلة المرأة مثل ما رفعها سكان وادي النيل" (السودان ومصر)، ولكن تراجعت المكانة الزاهية تدريجياً في عهد مملكة الفونج الإسلامية بعد تغيير نظام الأمومة إلى الأبوة، وتغلغل الثقافة العربية وسط المجتمع، وعمل الاستعمار على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه حتى كسر الشيخ بابكر بدري، الحاجز الاستعماري، وأنشأ مدرسة للبنات في عام 1907م، وبعد جلاء الاستعمار كسبت المرأة الكثير من الحقوق، التي قال عنها المراقبون إنها سابقة للمواثيق والاتفاقيات الدولية، فيما يخص المرأة، حتى علقت الدكتورة درية أحمد محمد، في كتابها المعنون "المشاركة السياسية للمرأة السودانية منذ 1989م". إن الإنقاذ قيَّدت المرأة من التمتع بالحقوق المكتسبة، وهذه الفترة هي أكبر حركة تراجع عن حقوق المرأة حتى تلك التي اكتسبتها تاريخياً.
تحقيق : محمد إبراهيم الخليفة
التأرجح
اختلفت مكانة المرأة وما تتمتع به أو يجب عليها من حقوق وحريات عبر رحلة الإنسانية على مر العصور وحتى في الأديان، فتارة نجدها الآلهة والملكة المتوَّجة وقائدة للجيوش وشريكة في بناء الحضارة وحرة في إدارة شؤونها الخاصة، وأحياناً نجدها تباع وتورث ولا تمتلك مقدرات نفسها، وسجلت صفحات التاريخ فصولاً عن علاقة الرجل بالمرأة، ودوَّنت الأخرى أطر حقوق المرأة القانونية والتشريعية، ورسمت الثالثة ملامح الحركة النسائية المدافعة عن حقها وحريتها وكرامتها وصانعة للسلام وواهبة الأمان.
الباحثة في كلية الآداب جامعة الخرطوم ريان عبد الرحمن محمد، تقول في بحثها "الحركة النسوية في الفلسفة المعاصرة ": في بداية حضارة الرافدين وبرغم قيادة الرجل للحروب وقيامه بكل مهامها وتفوقه اجتماعياً على المرأة، سجلت أولى الشرائع في حضارة الرافدين، وهي شريعة "أورنامو" حقاً للمرأة ضد الاغتصاب، وحقها في الإرث من زوجها، ونظرت كثير من الأديان القديمة للمرأة على أنها شر مطلق، ومن تلك الديانات المانوية والطاوية. وتقول الباحثة ريان : سجل التاريخ الكوني أن حضارة وادي النيل (السودان ومصر)، قد رفعت المرأة شأوا عظيماً، ويقول ماكس ملر " ليس ثمة شعب قديم أو حديث رفع منزلة المرأة مثل ما رفعها سكان وادي النيل"، وكانت نواة أساسية في صناعة وجودها وتقدم مسيرتها منذ قرون ما قبل التاريخ. من أمانجي ريناس، التي حكمت مملكة كوش من سنة 40 ق.م-10م، ويتم النسب للأم في السودان القديم، ولم يتحوَّل هذا النظام إلا في ظل مملكة سنار في عهد الهمج، وتم تحويل النسب من الأم إلى الأب، ورغم إعطاء حضارة وادي النيل المرأة منزلة خاصة عكس كل الحضارات والديانات، فإنها كانت تمارس ضدهن عدد كبير من الانتهاكات، فقد كانت تعطي المرأة كقربان للآلهة، إضافة إلى عادة الختان التي شكلت أزمة كبيرة بالنسبة للمرأة.
نماذج من التاريخ الإنساني
والتاريخ الإنساني بشكل عام مخزٍ، فيما يتصل بالموقف العنصري للقانون من المرأة. فقانون (حمورابي) الذي يمثل أول قانون كتبه البشر يحمل نصاً، يقول: (إذا أشار الناس بأصابعهم إلى زوجة رجل لعلاقتها برجل غيره، ولم تضبط وهي تضاجعه، وجب على المرأة أن تلقي بنفسها في النهر حفظاً لشرف زوجها). وكانت قوانين حمورابي تجيز للرجل تطليق زوجته لأتفه الأسباب، بأن يقول لها: (لست زوجتي)، أما إذا نطقت المرأة بهذه العبارة وجب قتلها غرقاً، وهناك نص قانوني فضفاض موغل في الظلم بحق المرأة والإصرار على إذلالها يقول بأنه إذا لم تكن الزوجة حريصة على أداء واجبها وكانت دوارة غير مستقرة في منزلها مهملة لشؤون بيتها مستخفة بأطفالها وجب إغراقها في النهر، ويقول هيرودوت بأن البابليين إذا حوصروا " كانوا يخنقون زوجاتهم لكيلا يستهلكن ما عندهم من الطعام.
المرأة السودانية عبر التاريخ
مني عبد الفتاح، تقول في مقالها الموسوم: "المرأة السودانية صدى الكنداكات" قائلة :" رغم عدالة الدساتير والقوانين في نصوصها الأصلية، إلا أن حكومة الإنقاذ قامت بتعديلات عليها لتكريس إقصاء المرأة، وبهذا خفت صوت المرأة السودانية وكثرت معاناتها خلال سنوات حكم الإنقاذ، وشكّلت المرأة السودانية نواة أساسية في صناعة وجودها وتقدم مسيرتها منذ قرون ما قبل التاريخ، من أمانجي ريناس، التي حكمت مملكة كوش من سنة 40 ق.م-10م، إلى مهيرة بنت عبود، ورابحة الكنانية، وغيرهنّ ممن أسهمن في العمل العسكري والسياسي، إبان الثورة المهدية 1885م، مروراً برائدات العمل الوطني في القرن الماضي، وصولاً إلى المساهمات والمدافعات عن حقوق المرأة في العهد الحالي، وتاريخياً عرف المجتمع السوداني القديم الزراعة، وجعل صلته مع الإلهة الأم التي كان يتصور المجتمع آنذاك أنها جزء من الطبيعة فتم تقديسها، ويسطر التاريخ أنه كانت للمرأة مكانة عظيمة في ذلك العهد، وصلت مرحلة أن تكون المرأة قائدة للدولة، والكنداكات شاهد على عظمة المرأة في تلك الحقبة وعلى مكانتها العالية. وكلمة الكنداكة تعني(الزوجة المليكة الأم)، وقد اشتهرت الكثير من الكنداكات على رأسهن " الملكة أماني ريناس، الملكة أماني شاخيتي، الملكة شنقد أخيت" غير أن أشهرهن على الإطلاق هي الملكة (أمانجي ريناس)، و شهرتها لأنها غارت على مصر وحكمتها عندما كانت مصر تحت سيطرة الرومان، وذلك عندما انشغل الرومان بشن هجمات على جزيرة العرب، فأحبت الملكة (أماني ريناس)، فقد كانت الممالك السودانية القديمة مثل مملكة كوش القديمة (725- 591 ق.م)، تخُصّ الأم بقدسية ومكانة خاصة، مما يعكس دور المرأة ومركزها الذي لا يقل عن دور الرجل الحاكم، وقد فرضت المملكة أن تلعب والدة الملك دوراً أساسياً في حكم البلاد، وإذا ماتت الملكة الأم أو “الكنداكة” وهي تعني الأم العظيمة، يتم اختيار امرأة أخرى من العائلة المالكة لتحل محلها مما يفسّر الدور المهم الذي كانت تقوم به المرأة في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية، وتذهب الكاتبة مني، رغم رسوخ مكاسب المرأة السودانية، إلّا أنّ وضعها الراهن يواجه تدنياً عبر أنماط من السلوك تسعى إلى إقصاء النساء عن دائرة العمل في مؤسسات الدولة وتوزيع الفرص في هذه المؤسسات حسب الولاء السياسي وعبر الانتماء إلى الحزب الحاكم، لكن النساء السودانيات اللاتي ما زلن يواصلن نشاطهن للحفاظ على مكتسباتهن، والتقدم بخطى ثابتة صوب الإسهام في ترسيخ دعائم مؤسسات المجتمع المدني، ومفاهيم حقوق الإنسان. وحصلت المرأة على جملة من المكتسبات هي حق التصويت والانتخاب حسب نصوص الدستور، ولكن وجودها الحالي في البرلمان رغم كثافته يعتبر وجوداً شكلياً لا يساهم في صنع القرار ولا يتخذه. والناظر إلى تاريخ مشاركة المرأة السودانية في الحياة السياسية قد يرى الصورة مقلوبة بعض الشيء.
الوافدون
ورغم الدور البارز للمرأة السودانية في الحياة العامة منذ عهود ما قبل التاريخ إلّا أنّ مركز المرأة تواضع فيما بعد خاصة بعد قيام دولة الفونج عام 1505، تم الانتقال من نظام الأمومة إلى نظام الأبوة، وتغيَّرت الملكية من جهة الأم إلى جهة الأب، وهي أول دولة إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية، فأثرت مفاهيم العرب والمسلمين الوافدون على رؤية المرأة، واتسم النظام الاجتماعي في تلك الدولة الإسلامية بملامح نظام شبه إقطاعي حصر المرأة في مجالين: إما أن تكون زوجة مهمتها الأساسية التسرية عن زوجها وتطوير قدراتها الجسدية لإرضائه وتقبّل نزواته العديدة، أو أن تكون جارية تُباع وتُشترى، حسب كتاب (عصر البطولة في سنار) لمؤلفه (جاي أسبولدنق).
المرأة في كنف الاستعمار
في ورقة "المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أمام مشاركة المرأة في الحياة العامة السودانية " عفاف أبو كشوة، تقول :" لعب الاستعمار دوراً رئيساً في الإبقاء على تخلف المرأة وعائقاً أمام تطورها، مما جعل البون شاسعاً مع الرجل، لأن السياسية البريطانية تعي جيداً أن المجتمعات لا تنهض بنصف مواطنيها، الأمر الذي يطيل من عمره قابضاً على زمام البلاد، ساداً أي باب لمحاولة المقاومة الوطنية، وبدأ المستعمر التعليم الأوَّلي بالبلاد مقتصراً على الولد دون البنت، وجعل المستعمر من عادات وتقاليد المجتمع، ومن الدين مبرراً لإهمال تعليم البنت، وتجاوب المجتمع مع تلك المبررات حتى تصدى لها الشيخ بابكر بدري، رائد تعليم البنات في البلاد، وأنشأ أول مدرسة أولية لتعليم البنات في عام 1907م، وبعد نجاح الفكرة وبداية قبولها من المجتمع قررت الحكومة فتح خمس مدارس أخرى، وتوالي وانتظم بالمدن افتتاح العديد من المدارس، وارتفع الوعي العام بأهمية تعليم المرأة ومشاركتها في العمل الاجتماعي الذي يشمل المنظمات التطوعية وحملات التوعية ومحو الأمية وبرامج الدعوة وتأسس المدارس ورياض الأطفال، وكافة مؤسسات المجتمع المدني، هذا إلى جانب دور المرأة الاجتماعي المؤثر في الحياة العامة كالحكَّامة في غرب البلاد والفقيهة في الخلاوى، والآن ظهرت تسميات جديدة مثل سيدات الأعمال تماشياً مع أطروحات العولمة.
الاتحاد النسائي
يعتبر الاتحاد النسائي من أقدم المنظمات الطوعية غير الحكومية في السودان، وقد يكون أيضاً أقدمها على نطاق العالم العربي أو الأفريقي، وقد ساهم الاتحاد النسائي في بناء بعض من تلك المنظمات النسوية على النطاق الإقليمي - أما على مستوى العالم فقد أصبح جزء من الحراك النسوي العالمي، وتسلم قيادة المنظمة النسوية العالمية في عام 1990 ولمدة 3 سنوات، استطاع الاتحاد النسائي استقطاب معظم النساء المتعلمات، ولكن يظل عمله وسط ربات البيوت وجذبهن إلى مواقعه هي النقطة الأساسية في عمله، حقق الاتحاد النسائي كثير من الإنجازات للنساء، ولأنه ابتلى بشبهة اليسار، فقد أصابه كل ما أصاب قوى اليسار من اضطهاد وتشريد للعضوات والحبس والحبس الانفرادي ومصادرة الممتلكات.
تعرض الاتحاد النسائي في أواخر التسعينات إلى حملة شرسة، وقد تكون قبل ذلك، ولكن بشكل مستتر، جردت تلك الحملة الاتحاد النسائي السوداني من كل التاريخ المضئ، وكل الإنجازات والمكتسبات وجعلها تقع في خانة التطور الطبيعي، والتعليم الذي أصاب المرأة السودانية، وحتى لو سلمنا جدلاً بأن هذا هو الصحيح، فقد نسي هؤلاء بأن الاتحاد النسائي لديه مساهمة كبيرة في تعليم البنات في السودان وجهوداً مقدرة والتي بدأها الاتحاد النسائي في عام 1952م، فور تكوينه فقد أفتتح الاتحاد النسائي في الفترة ما بين 1952--1958 حوالي 15 مدرسة، ليلية، في العاصمة المثلثة وحدها، كما حذت فروع الأقاليم نفس الحذو، وافتتحت أيضاً المدارس الليلية في الأقاليم، وقد بلغ عدد الفروع 22 فرعاً، شملت - الشرق والغرب والشمال والجنوب - ولابد هنا من ذكر جهود المنظمات الأخرى في التعليم، مثال لذلك جمعية نهضة المرأة الثقافيه بأم درمان والخرطوم، والتي أيضاً أقامت فصولاً مسائية ساعدت في دفع حركة تعليم النساء - هذه نقطة مهمة في مسار الاتحاد النسائي، وهي اهتمامه بالتعليم والمحاولات الجادة في محو الأمية مما أدى إلى دعوة منظمة اليونسكو للاتحاد النسائي في عام 1970م، لعقد حلقة دراسية أو سمناراً حول موضوع محو الأمية وكيفية معالجتها - وقد كانت تجربة فريدة لمعرفة ما يحدث في الأقطار الأخرى- عربية كانت أم أفريقية، وقد كانت هذه الحلقة الدراسية دافعاً للقائمين بأمر تعليم الكبار في زيادة فرص ووضع آلية أكبر لمحو الأمية.
سطوع فاطمة
وسطع نجم فاطمة أحمد إبراهيم، رمزاً لنضال المرأة السودانية والتصدي لحكومات التسلط العسكري. وهي من القيادات النسائية الرائدة في ظروف اجتماعية صعبة، ولعب الاتحاد النسائي السوداني الذي قادته عام 1952م، وتحوَّل إلى حركة جماهيرية واسعة النطاق تطالب بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية.. دوراً مهماً في النضال ضد حكم الفريق عبود، العسكري. وساهمت مجلة الاتحاد النسائي "صوت المرأة"، التي ترأست تحريرها فاطمة إبراهيم في توعية النساء وقيادة الحركة النسائية، وفي عام 1954م، انضمت فاطمة، للحزب الشيوعي السوداني الذي يعد أول حزب يضم داخله تنظيماً نسوياً. إلى أن قامت ثورة أكتوبر عام 1964م، التي تمكنت خلالها المرأة السودانية من حقها في التصويت والترشح لعضوية المجلس النيابي.
وفي عام 1965م، انتخبت فاطمة أول نائبة في البرلمان السوداني، وهو موقع حققت من خلاله إضافات أدرجها الدستور السوداني سنة 1968م، ليكفل حق المرأة في كل المجالات العمل والمساواة مع الرجل في الأجر، وفي فرص التأهيل والتدريب والترقية إلى جانب منع الزواج الإجباري وتحديد السن الأقصى للزواج وإلغاء قانون "بيت الطاعة". وانتبهت فاطمة، بوعي شديد إلى أن قضايا الحريات والفقر مقدمة على القضايا الأخرى التي تتصدر اهتمامات منظمات المجتمع المدني بالوقت الراهن التي يعدها كثيرون ظواهر ثقافية واجتماعية يتغلب عليها المجتمع بالمزيد من الوعي، وفي ذلك يختلف الناس.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية