Untitled Document

خنساء عمر سوار الذهب تكتب :

عرض المادة

ملاحظات حول وثيقة الحزب الشيوعي السوداني لتقييم 19 يوليو 1971

الحلقة الثانية

قبل عقدين من الزمان، وتحديدا في يناير 1996، أصدرت قيادة الحزب الشيوعي السوداني وثيقة تقييم حركة 19 يوليو 1971، وهو التقييم الذي أعدته سكرتارية اللجنة المركزية في مارس 1985، مما يعني أنه صدر بعد أكثر من 10 سنوات بعد إعداده ، و من بينها 4 سنوات في الحقبة الديمقراطية، كانت تتيح مساحات كافية للنقاش و التداول بشأنه. هذا التقرير صدر دون أن تناقشه أو تجيزه اللجنة المركزية، وفق ما أفادت به السكرتارية في مقدمة الوثيقة بأن الظروف، بعد انقلاب 30 يونيو 1989، لم تسمح بعقد دورة مكتملة أو موسعة للجنة المركزية لمناقشة التقييم، واستقرّ الرأي، بعد التشاور مع أعضاء اللجنة المركزية الموجودين، على أن يصدر التقييم كما أعدته السكرتارية المركزية. و يدفعني ذلك إلى طرح التساؤل :لماذا تأخر التقرير لأكثر من عشرين عاما؟ ألم يكن من المتاح تأجيل نشره لعدة أشهر إضافية حتى تجتمع اللجنة المركزية لمناقشته و إضافته ليصبح وثيقة مكتملة الأركان ، تعبر بالكامل عن رأي الحزب ممثلا في لجنته المركزية.

من جانبي، و منذ استلامي الوثيقة، حرصت على قراءتها بدقة، عدة مرات، وسجلت ملاحظاتي حولها، ولكني احتفظت بالملاحظات لنفسي فقط ، طيلة هذه المدة حتى لا أجعل من حديثي مادة لإثارة غبار ، أحرص ألا يصيب الحزب رزاز منه. والآن، وبعد أن عقد الحزب مؤتمريه الخامس والسادس بسلام، وبعد التهنئة بعقد المؤتمرين، وبعد الأماني الصادقة بمزيد من النجاحات والمعالجات لسلبيات وأخطاء الماضي والاستفادة منها، أنشر بعضا من ملاحظاتي حول التقييم الذي أصدره الحزب حول حركة 19 يوليو، ونشره جماهيريا. صحيح أن الكثيرين ممن عاصروا تلك المرحلة لم يعودوا في عالمنا و ذهب بعضهم من دون أن يقدم شهادته بشأن هذه الأحداث المفصلية في تاريخ الحزب و السودان. و من هنا يأتي حرصي على نشر ملاحظاتي على محدوديتها و قد سبق لي أن نقلت وجهة نظري عبر الهيئات الحزبية التي عملت من خلالها وبكل شفافية و صدق.

وقبل الخوض في تفاصيل ملاحظاتي حول التقييم، أشير إلى العبارة التي أعلنها الحزب إبان القمع الدموي بعد 22 يوليو 1971، والتي تقول بأن "19 يوليو تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه". هذه العبارة استوقفتني كثيرا، ورأيت فيها بعض الغموض. ولكن، ربما أرادها الحزب هكذا، بغموضها البلاغي. فالحزب لم ينكر التهمة إلا تأكيدا لرباطة الجأش في المحنة، وهي شرف لن يدعيه لأنه يتفادى الإشارة إلى أنه قد يكون قد أوعز بها ولم تثبت.

أشارت الوثيقة إلى أنه خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 1970وحتى يونيو 1971 عقدت قيادة الحزب عدة لقاءات مع العسكريين الشيوعيين، وفي إحدى هذه الاجتماعات قال الشهيد بابكر النور إنهم يواجهون ضغوطا من الديمقراطيين داخل الجيش لتنظيم عملية عسكرية متكاملة للإطاحة بالسلطة، وانهم يواصلون مناقشة أولئك الضباط عن ضرورة الارتباط أكثر بالحركة الجماهيرية، وضرورة تجميع أوسع قوى ممكنة داخل الجيش. بالنسبة لي، واضح من حديث الشهيد بابكر عدم موافقته على الانقلاب الذي تم في 19 يوليو، وهو دائما كان يكرر القول حول إمكانية نجاح العملية الانقلابية، ولكن ستكون هناك صعوبة في الحفاظ على السلطة نتيجة للظروف والأسباب الموضوعية، العالمية والإقليمية والمحلية لوجود قوى رجعية معادية بالمنطقه نجحت في تشكيل تنظيمات تابعة لها داخل السودان ، بالإضافة إلى اتفاقيات الدفاع المشترك و التحالف الثلاثي بين الأنظمة الحاكمة في مصر و ليبيا و السودان و الخلافات داخل تنظيم الضباط الأحرار. ظلّ هذا رأي الشهيد بابكر حتى مغادرته السودان بعد آخر اجتماع للتنظيم، ووافقه الرأي الشهيد هاشم العطا، وأنا أشهد على ذلك. وحتى بمجرد سماعه لخبر الانقلاب في 19 يوليو، كانت أول كلمات الشهيد بابكر " كيف الجماعة ديل يعملوا إنقلاب والتنظيم مازال يحبو ؟ ، وعدد من المايويين الأساسيين غير موجودين في البلد ( خالد حسن عباس، مأمون عوض أبوزيد ، بابكر عوض الله ، محمد عبدالحليم " ، الأمر الذي ساهم بالطبع في تعبئة القوى الخارجية المعادية و هزيمة حركة 19 يوليو.

وأشارت الوثيقة إلى أنه في ذات الاجتماعات أعلاه أحيط العسكريون علماً بأن الحزب يواصل خطواته لتهريب عبد الخالق من المعتقل. هذه الإشارة دفعتني للتساؤل حول كيفية إحاطة العسكريين علما وهم المسؤولون؟. كيف كانت تصل رسائل الشهيد من المعتقل الحربي إلى الحزب؟ أليس من خلال الضباط الشيوعيين ؟؟ ومن ناحية أخرى، لماذا لم تصدر كلمة ثناء في حق العسكريين الذين هربوا الشهيد عبدالخالق من سجنه العسكري بدرجة عالية من التأمين وبكفاءة نادرة عسكرياً وسياسياً ؟ أيضا، لماذا لم يكشف الحزب ملابسات الطائرة المصرية التي فتح لها المجال الجوي قبل وصول طائرة الشهيدين، وكان بها أحمد حمروش وأفراد من المخابرات المصرية راج أنهم نقلوا معهم أبر الدبابات التي استخدمت في ضرب 19 يوليو ؟

جاء في الوثيقة أن العسكريين عرضوا على الشهيد عبد الخالق بعد هروبه فكرة الانقلاب. وقد جاء اقتراحهم، كما تشير الوثيقة، مصحوبا بعدد من الملاحظات حول الجوانب السلبية في قيادة الحزب والتي تكشفت إثر إطلاعهم على ما أدلى به المنقسمون من الحزب لأجهزة مايو. وأوردت الوثيقة ردود الشهيد عبد الخالق محجوب عليهم والتي تتلخص في أن تحفظاتهم وملاحظاتهم يجب أن تطرح علي قيادة الحزب ومناقشتها، وأن اقتراح الانقلاب يجب ان يطرح علي اللجنة المركزية وأخذ رأيها. كما أوردت الوثيقة ملخصات لعدد من المراسلات والاجتماعات حول هذا الامر شارك فيها عدد من العسكريين. من هذه الوقائع يمكننا استنتاج الآتي:

  • هذا يدل علي ان هنالك مناقشات كثيرة كانت دائرة مع العسكريين حول التحرك، وأن إصرار الشهيد عبد الخالق على مناقشة الأمر مع اللجنة المركزية، يدل علي عدم الاعتراض علي الفكرة، بل أن يكون التحرك مسؤولية الجميع.
  • طلب عبد الخالق التأجيل، ولم يعترض، حتي يتمكن من العمل مع كل الجهات : الامانة العامة، المكتب السياسي، والتحضير لاجتماع للجنة المركزية يعرض فيه الموضوع.
  • أفاد ضابط قيادي أنه قابل الشهيد بابكر آخر إبريل 1970، وعلم منه أن التنظيم مازال يواصل التجنيد، كما أن الشهيد بابكر ذكر في تصريح له بعد الانقلاب بانه كان على علم بوجود حركة داخل الجيش تحضر للإطاحة بنميري.. لا أعتقد أنه من المتوقع أن يصرح بابكر بغير ذلك ، وهو قد عين رئيساً لهذا الانقلاب، ولكن حديثه يدل على أن الحزب كان يعلم بفكرة الانقلاب.
  • وبالإشارة إلى ما جاء في الوثيقة حول اللقاء الذي تم يوم 19 يوليو مع الشهيد هاشم ، ونقلت له ملاحظات ومناقشات المكتب السياسي، وقال الشهيد هاشم إنه يتفهمها جيداً وأنه في نهاية الامر مُسرَّح وليست لديه قوة عسكرية وسلطة أمر عسكري...، أخلص إلى أن هاشم لم يجتمع بالمكتب السياسي، وأن المجموعة التي اجتمعت به طلبت منه تنفيذ عمل عسكري!!. أيضا هنا يبرز سؤال مهم: من هم أعضاء المكتب السياسي الذين اجتمعوا بهاشم؟.

ولمزيد من التوضيح، أطرح الوقائع التالية:

  • يفهم مما جاء في مجلة الحزب الداخلية، الشيوعي 157، أن الحزب ساعة الاقتضاء أصر على محاربة السلطة المايوية بسلاحها، سلاح الانقلاب العسكري، مما أعطي موافقته لتفجير حركة 19 يوليو، بصرف النظر عن كون هذه الموافقة صريحة أو ضمنية، ولسان حاله يقول عله بذلك يفتح الباب لحكم الجبهة الوطنية الديمقراطية.
  • تحدثت صحيفة الميدان عن الذين ضحوا من أجل قضية لم يشتركوا أو يخططوا لها...!!
  • في إفادة للأستاذة سعاد إبراهيم أحمد، قالت إنها وجدت عبد الخالق مهموماً ومعه نقد، وأن عبد الخالق كان يقول "هم بفتكروا أنهم عملوا العليهم وخلوا الباقي للحزب". وبعد ذلك جلس عبد الخالق ونقد وصاغا بياناً باسم الحزب بعنوان "ويذهب الزبد جفاء".
  • في مقابلة مع نقد قال: بعد أن علمت أن هنالك انقلاباً بواسطة هاشم العطا ذهبت للمنزل الذي به عبد الخالق فقال لي "الواضح إنو الجماعة انضغطوا لذلك تحركوا". ماذا يعني ذلك ..؟؟
  • السفير أحمد عرابي [ مصري ] قدم إفادات هامة حول أحداث 19 يوليو، أعتقد أنها يمكن أن تساعد في توضيح بعض الملابسات. جاء في إفادات السفير:
  • أن الانقلاب الذي جري في 19 يوليو يمثل ذروة تصعيدية لذلك الخلاف الكبير والتشعب الذي نشب داخل مجلس قيادة الثورة بين فريقين: العناصر الموالية لمصر وليبيا، والعناصر الاستقلالية ذات النزعة اليسارية.
  • ميثاق اتحاد الجمهوريات العربية كان بمبادرة من القذافي، وقدم للرؤساء للتوقيع عليه، وكان مقترحا أن يكون النميري نائباً للرئيس. وعندما طرح نميري مبادرة الاتحاد في مجلس قيادة الثورة، تحدث بابكر النور بغضب شديد عن الطريقة الساذجة التي يريد النميري أن يقرر بها أمراً مصيرياً كهذا، وقال "ان من يحق له التصويت علي قرار الوحدة ليس مجلس الثورة بل الشعب السوداني" فقاطعه نميري بسخرية "تريدنا ان نجلس هنا ونطلب من الشعب السوداني ان يقف طابور ليقول كل واحد رأيه في المبادرة؟!". فرد بابكر بلهجة لا تقل سخرية "لا.. لا توقفهم في طابور لأن الشمس حارة جداً، لكن اطرح عليهم الفكرة في استفتاء عام!". وعقب نميري علي بابكر قائلاً إن رأيه فردي ولا يمثل الأغلبية ، ثم طرح الأقتراح للتصويت، فانضمّ فاروق حمد الله وهاشم العطا لبابكر، بينما صوّت البقية ، ومن ضمنهم بابكر عوض الله ، والبقية مع نميري.
  • بعد ذلك انفتحت أبواب العداء واسعة بين مايو والحزب، بحيث أصبح وجود أحدهما نافياً بالضرورة وجود الآخر. وهكذا أصدر الحزب أواخر مايو، أخطر بياناته معلناً بوضوح وربما لأول مرة عن عزمه إسقاط السلطة.
  • صبيحة الثلاثاء 28 يونيو 1971 تم تهريب الشهيد عبد الخالق من معتقله.
  • في يوم 21 يوليو توجه عبد الخالق لوداع صديقه أحمد حمروش الذي حضر ضمن وفد صحفي صغير ضم أيضاً أحمد فؤاد رئيس مجلس ادارة بنك مصر وكانت الزيارة في واقع الأمر بتكليف من السادات.
  • حينما وقع الانقلاب تواصلنا نحن في ليبيا ومصر وسوريا مع بعضنا وقررنا ضرورة إعادة نميري.
  • وفي اليوم التالي ذهب اللواء خالد حسن عباس وزير الدفاع برفقة الوزير محمد عبد الحليم، الَّذين كانا خارج السودان، الي القاهرة وفي اليوم التالي أتيا الي طرابلس برفقة وزير الحربية المصري اللواء محمد صادق.. تناقشنا وقمنا بتحضير القوات التي يمكن ان تدخل السودان خلال 7 أيام.

أخيرا، هذه الملاحظات المتفرقة قمت بكتابتها قبل سنوات و أعتقد أن الوقت قد حان لأضعها بين يدي كل المهتمين بهذا الحدث الكبير في تاريخ السودان، حركة 19 يوليو، علها تساعد في إعادة قراءته بصورة مختلفة بغرض تحديد المسؤوليات و الاستفادة من الدروس و إنصاف أولئك الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الحزب و الوطن. و كما جاء في وثيقة التقييم، أن "لو" حرف شرط لا يفيد الا من حيث استخلاص الدروس والتجربة واتخاذها زاداً للمستقبل، وهذا ما نتمناه،،

مارس 2017

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة