Untitled Document

مرة أخرى.. القضاء يسقط قرار الرئيس

عرض المادة
مرة أخرى.. القضاء يسقط قرار الرئيس
818 زائر
18-03-2017
عثمان ميرغني

حديث المدينة الجمعة 17 مارس 2017

للمرة الثانية، القضاء الأمريكي يُسقط قراراً جمهورياً للرئيس "دونالد ترمب"، أمس وقبل سويعات من بدء سريان الأمر التنفيذي– المعدل- الذي يحرم شعوب ست دول– ذات غالبية مسلمة- من دخول الولايات المتحدة إلا باستثناءات محدودة.

الرئيس "ترمب"- الذي كان غاضباً من قرار القضاء الأمريكي الأول- ازداد غضبه، وقال- في تحدٍ: أنه سيواصل المعركة صعوداً حتى المحكمة العلياSupreme court.. لكن- بالطبع- ليس في إمكانه فصل أو نقل القاضي أو حتى إبداء أية إشارات تحمل ما يمكن أن يندرج تحت طائلة (إهانة) القضاء.. فقرار القاضي أقوى وأكبر من قرار الرئيس.

وللحقيقة؛ مثل هذا القرار القضائي في أمريكا لا يحتاج شجاعة أو جرأة من القاضي.. فأصغر قاضي في أصغر محكمة يملك إصدار أي قرار في اختصاصه بمنتهى الإحساس بالأمان الكامل.. حتى في مواجهة أعتى سلطة في البلاد.. البيت الأبيض- نفسه.

ولهذا، في مثل هذه البلاد عندما تخرج الشعوب إلى التظاهر في الشوارع فهي لا ترفع شعار (الشعب يريد إسقاط النظام)، أو (تفيك النظام)، وما إلى ذلك من المفردات، التي تعني إعادة تأسيس الدولة كاملة من الصفر.. فالشعوب تثور على نظم بنتها هي عبر السنوات الطوال.. أو على قانون ظل يتطور مع عمر الدولة ليواكب مطلوبات العصر.

ولهذا أيضاً؛ لا تحتاج السلطة في تلك البلاد إلى كبت الحريات، أو تكبيل العمل السياسي، أو التصدي بالقوة المفرطة للتظاهرات، أو أي تعبير جماعي عن رأي عام.. لأن البلاد محكومة بمنتهى عدالة توازن القوى checks and balances بين السلطات الثلاث- التنفيذية والتشريعية والقضائية- توازن يحقق الاستقرار الموجب للنهضة والتنمية.

سرّ النهضة في الدول الغربية هو (سيادة دولة القانون).. عندما يكون القضاء فوق الجميع ولا سبيل إلى التعامل معه إلا وفق نظمه، وتدرجه الطبيعي.

ومن هنا يجب أن يبدأ حل المعضلة السودانية، (دولة القانون)، فالحوار الوطني الذي أفضى إلى قسمة السلطة (وطبعاً الثروة رديفة السلطة).. لن يحل سوى مشاكل المتحاورين، الحزبية والشخصية.. والسبيل الوحيد للحصول على دولة مستقرة، ونهضة وتنمية هو تأسيس بلاد لا تحتاج شعوبها أن تهتف (الشعب يريد تغيير النظام).. تتظاهر الشعوب؛ لتعلن رأيها في الخدمات قبولاً أو رفضاً.. أو لتظهر مواقفها تجاه القضايا المصيرية قبولاً أو رفضاً لكن لا لتطالب بـ (الفرمطة) بمسح الدولة، وأجهزتها، وإعادة التهيئة Setup.

و(دولة القانون) ليس شعاراً هتافياً بلا معالم في الطريق.. هو حزمة إجراءات يقصد منها توفير أكبر قدر من الاستقلال للمؤسسة القضائية؛ حتى لا تتأثر بأية مؤثرات من خارج سلطانها.. وعلى سبيل المثال، تعيين ونقل وعزل القضاة بواسطة السلطة القضائية وحدها.. من أدنى سلم القضاء إلى قمته.. وتحصين قضاة المحكمة العليا من الفصل إلا بأمر المحكمة العليا- نفسها- حتى يحس القاضي بالطمأنينة، وحرية الضمير.

وعندما يصبح الجميع سواسية أمام القانون.. الأفراد مهما علوا.. والهيئات مهما تنمرت.. يتحقق العدل الموجب لطمأنينة المجتمع، وسموه.

أمريكا تقدم كل يوم دروسا مجانية في دورة بعنوان (كيف تصبح دولة قوية وثرية).. لكن- بكل أسف- لا نلتقط إلا القشور.. أليس من الأجدر أن نحاول أن نستقصي الأسباب التي جعلت السودان ضمن الدول المحظور رعاياها من دخول أمريكا؟، أليس جديراً أن ندرس الأسباب التي جعلت أمريكا تفرض علينا حظراً اقتصادياً مدمراً أكثر من عشرين عاماً، قبل أن نجتهد في رفعه؟!.

من الحكمة أن ندرك أننا فعلنا كل ذلك طوعاً وبأيدينا!.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 9 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
جديد المواد