Untitled Document

النساء تحت حكم البشير ..!!

عرض المادة


الحلقة السادسة


عفوا أيها القانون
امتدادا لملف السودان ما بعد البشير، نأتي إلى هذا التحقيق، في محاولة للإجابة على السؤال الجوهري، كيف آلت أوضاع النساء في هذه الفترة؟. هل تحسَّنت أوضاع النساء أم تراجعت إلى الخلف؟، وماهي أبرز المعيقات التي تكبلهن وتضع العراقيل في طريق حياتهن الكريمة؟.
قيود مكبلة
معلوم أن وضع المرأة في كل زمان ومكان يتأثر بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وتحكم مشاركة المرأة في العمل النظم والقوانين السائدة ، باعتبار أن قضايا المرأة جزء لا يتجزأ من قضايا المجتمع ، فإنها لا تحل الا في إطاره ، مما يجعلنا نتساءل هل القوانين الحالية تفضي لكفالة حقوق المرأة.؟!
تحقيق : محـمـد إبـراهيـم الــخليفة
رؤية ثاقبة...!!
ففي هذا الملف الناظر لسودان ما بعد البشير المرتكز على دولة المواطنة ، نحاول تسليط الضوء على قوانين الأحوال الشخصية وقانون النظام العام ،اللذين يعتبرهما الحقوقيون العقبة الكؤود التي تفضي إلى اضطهاد المرأة في المجتمع ويدعو إلى تفكيكها وتعريتها حتي يجد النسوة حقوقهن الكاملة مناصفة مع الرجل . استعنّا بالورقة المنتَجة من مبادرة لمجموعة من النساء السودانيات و الرجال المهتمين بقضايا الإصلاح القانوني ، وبشكل خاص قانون الأحوال الشخصية لعام 1991 "وترتكز الورقة لتحقيق العدالة والمساواة، وقد تبلورت بعض الرؤى الفكرية ترتكز على التشريع الأسلامي بأعتباره يتيح مداخل للأصلاح و اخرى تبنت المنظور الحقوقي لتعديل قانون الأسرة"، وقد عقدت المبادرة عدة اجتماعات تشاورية حول الورقة – مركز سالما لدراسات ومصادر المرأة، إضافة الي استعراض أبرز ملاحظات ورقة "القوانين ومشاركة المرأة السودانية في الحياة العامة" للدكتورة انتصار التوم .

الطلاق
وتقول الورقة إن أكثر ما تعاني منه المرأة في هذا القانون أحكام الطلاق، فهي أوسع المداخل لتكريس دونية المرأة وإذلالها وقهرها، ، ذلك للآتي: أن الطلاق وهو حل عقدة النكاح بالصيغة الموضوعة له شرعا لا يقع وفقا للمادة 132 إلا من الزوج، أو من وكيله، أو من الزوجة، إن ملّكها الزوج أمر نفسها، فحتى إن وقع من الزوجة فهو رهين بأن يكون الزوج قد ملّكها أمر نفسها، أما إذا أرادت المرأة الطلاق وحل عقد الزواج فإن أمامها أحد الطرق الآتية: الخلع (وهو حل عقدة الزواج، بتراضى الزوجين, على بدل، بلفظ الخلع, أو ما في معناه م 142 ).. التطليق بواسطة المحكمة لأحد الأسباب الآتية: العيب أو المرض، أو العنّة، الضرر والشقاق، الإعسار وعدم الإنفاق، الغياب والفقدان والحبس، الإيلاء والظهار واللعان. ودون الدخول في تفاصيل هذه الحالات فإننا نقول إجمالا بأن فرص حصول المرأة على الحكم بالطلاق مضيقا عليها جدا بالنظر إلى القيود والمواقيت والمطلوبات المرتبطة بهذه الأسباب والتي حددها القانون ، فعلى سبيل المثال بالنسبة للتطليق للعيب والمرض إذا كان المرض أو العيب يرجى البرء منه قبل مضي سنة تعطي المحكمة أجل سنة قبل الحكم بالتطليق، وهو ذات الأجل بالنسبة للتطليق للعنّة والغياب والحبس! وحتى التطليق على الفدية لا يكون إلا للمرأة الناشز - التي صدر حكم قضائي بنشوزها- بشرط أن تمضي على النشوز سنة كاملة والأدهى من كل ذلك أنه يجوز للزوج أن يرجع مطلقته ما دامت في عدة الطلاق الرجعى وإن لم ترض بذلك، ولا يسقط هذا الحق بالتنازل عنه!! المادة 139 وبينما يستطيع الرجل أن يطلق المرأة وقت ما يشاء ودون أن يسأل لم وفيم.
الأكثر ترددا ...!!
وتعتبر الورقة : لا تستطيع المرأة الحصول على الطلاق إلا أمام محكمة وبعد أن تطلبه لأحد الأسباب المنصوص عليها في القانون المذكورة آنفا، إن الإحصائيات تقول إن أكثر ما تنظره محاكم الأسرة في السودان هو قضايا طلب تطليق لأحد الأسباب المذكورة أعلاه. إن واقع المحاكم السودانية يقول بأن الضرر الذي يلحق بالمرأة جراء عدم الحصول على الطلاق أكثر منه من الذي يحدث جراء الطلاق. إن تضييق فرص حصول النساء على الطلاق، قهر للمرأة وإهدار لحقوقها وإخلال بعقد الزواج في الإسلام الذي هو "إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" كما في قوله تعالى .
قضايا فقهيـة..!!
وتعتبر الورقة أن النفقة في التشريع الإسلامي واجب رجالي مرفوع عن المرأة، وهذا هو الذي يفسر اختلاف أنصبة الميراث في بعض الأحوال بين الرجال والنساء، خاصة حالة للذكر مثل حظ الأنثيين.. من الغريب أن القانون أهمل هذه الحقيقة وأوجب النفقة على المرأة في بعض الحالات وهي نفقة الوالدين حيث أوجب القانون على الولد - ذكرا أو 1- أنثى- الذي له فضل من كسبه نفقة والديه إذا لم يكن لهما مال. المادة 85 فأقفل بابا كان الممكن أن - أخذ القانون بالرأي الذي يحرم الوارث من الوصية إلا إذا أجازها بقية الورثة المادة 297 تلج منه كثير من النساء المعوزات.

نظرة على القوانين المميزة
التمييز ضد النساء في المجال المهني و التنمية كان السمة العامة بالمجتمع، لكن بتبني الأطار القانوني المعتمد على الشريعة الإسلامية تم التكريس لمزيد من التمييز ضد النساء مع صعوبة فرص النساء في الدفاع عن قضاياهن بالمحاكم و تحقيق العدالة. هذا الضياع يتم في غياب تام لسياسات التمكين الأقتصادي للمرأة و سيادة المنظور الاجتماعي الذي يرسخ تبعية المرأة للرجل داخل العائلة و في المجتمع ويسعي لتقييد حريتها بالتشجيع على تعدد الزوجات.
حسب قانون الجنسية 1991 ؛ تمنح الجنسية وفقا للمادة ( 4) (يعتبر الشخص سودانيا بالشروط التالية (أ) الحصول على الجنسية بالميلاد (ب) تمت ولادته بالسودان أو ولادة أبيه. ثانيا الأقامة بالسودان أو أقامة اسلافه منذ يناير 1956، من هنا لا يتم منح الجنسية لأبناء النساء السودانيات من أبناء أجانب، وفقا لقانون الجوازات وإجراءات الهجرة 1990 ؛ يحظر سفر النساء خارج السودان دون موافقة ولي الأمر ( الأب، الزوج، الأخ، او حتى الابن) بإقرار مكتوب ويشمل هذا السفر داخل السودان. كما يحق للسلطات المخولة ان تطلب حضور ولي الأمر بشكل شخصي وفقا لتقديرها.
قانون مثير للجدل
قانون النظام العام- و الذي أثار جدالاً كثيفاً وحوارا حول مواده التي تقيد حرية وحركة النساء ، المادة( 7 تمنع الرقص المختلط ولا تسمح برقص النساء أمام الرجال، المادة ( 9) تخصيص عدد 10 مقاعد للنساء بالمركبات العامة المادة ( 16 ) تحديد عمر المرأة التي تدير صالون للنساء بعمر 35 سنة ، المادة ( 18 ) يحظر ممارسة الرجال خياطة ملابس النساء دون الحصول على إذن من السلطات المحلية تنظيم الخدمة العامة،تحكم العاملين بالدولة المادة ( 1)تعرف الاسرة على أساس (زوجة العامل (لا تتجاوز الأربعة نساء) والأطفال دون سن الرشد حيث يتم الاعتراف بالأسرة التى يعولها الرجل المادة ( 43 ) نصت على التزام النساء بالزي الإسلامي ، قانون العمل ( 1997 ) المادة ( 19 ) تمنع عمل النساء بالورديات الليلية مع استثناء بعض العاملات في المجال الإداري والمهني الفني ، مما حرم النساء الأخريات ممارسة حقهن في العمل أثناء الليل .
الكارثة..!!
وهنا اعتبر المحامي الشهير كمال الجزولي أن أوضاع النساء في ظل فترة حكم البشير تعتبر الأسوأ مقارنة بالأنظمة السابقة ،وأكد أن النظام الحاكم لم يكلف نفسه عناء بث الوعي المجتمعي السلبي تجاه النساء وعمل على إبقاء الوضع كما هو عليه ،وكرس الجزولي جل نقده لقانون النظام العام ويجزم بانه من أبرز القوانيين التي تهدر كرامة النساء في البلاد ، وقال كمال الجولي لـ(التيار) تعرضت النساء في ظل حكم الانقاذ إلى ظلم فادح في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تتجسد في قانون النظام العام كما يعرف شعبياً ووصفه المحامي الشهير بالبغيض ،لعام 1996م دون إهمال بقية العوامل التي تهدر كرامة المراة ،واستطرد كمال هذا القانون استهدف المراة المهمشة كما استهدف مبدعي الفن الموسيقي ، واعتبره سيفا مسلطاً على أعناق النساء وقطاعات واسعة من الشعب .
ولفت المحامي الي أن الظلم والتهميش والإدارة الرعناء أنتجت أوضاعا ماساوية وتمدد الفقر في وسط قطاعات الشعب إضافة الي الحروبات ، وأن الفقر في الاقاليم أجبر فئات كبيرة للنزوح الي العاصمة قادمين من الهامش ،في السنوات الاخيرة حتي صنعوا حزاماً ضخما حول الخرطوم الكبري و انخرطت النساء في المهن الهامشة غير الإنتاجية : إما بائعات للشاي أو بائعات للاطعمة ،ولفت إلى المطاردات والكشّات المستمرة من قبل المحليات والسلطات التنفيذية ضد هذه الفئات المهمشة والمقهورة ،واعتبر ان هذا القانون يعامل النازحات كأنهن أجنبيات ومواطنات من دولة أخري وليس كسودانيات صاحبات حقوق ،ويسترسل الجزولي : بنفس القدر يطلب قانون النظام العام من النازحات الالتزام الأعمى بنصوصه ومواده ولا يراعي مبدأ المواطنة الذي يرتكز على الثقافة المشتركة التي يجب على الاخرين احترامها ونحن بلد متنوع ومترع بالتعدد ولاينبغي ان تكون هنالك ثقافة طاغية على بقية الثقافات الأخرى .
سيوف في أعناقهن...!!
وأشار المحامي الجزولي إلى بعض المواد في قانون النظام العام التي تضطهد النساء وتهدر كرامتهن الانسانية كالاحتفاليات ،وقال إن الاحتفاليات من حيث طبيعتها معلوم مشاركة النساء والرجال فيها لكنها في كنف قانون النظام العام هي عرضه لمعاملة مأساوية من قبل كل الأجهزة المخول لها تطبيق القانون ،ويمضي قائلاً :"ويقتصر القانون على تقسيم الاحتفالية بين رجال ونساء وهذا لعمري توصيف مخل يتجاهل ويهمل وجود ثنائيات مثل الزوج وزوجته والأخ وأخته والأب وابنته ،وليس كل الرجال و كل النساء مشكوك في علاقتهما كما يفعل هذا القانون البغيض ،وتعجب الجزولي لعدم حظر رقص الرجال ، وكذلك رقص النساء أمام النساء كأنه يهدف إلي تشجيع المثلية الجنسية ،وقال المحامي لعل هذا الأمر يوضح لنا جلياً أن هذا القانون وضع على طريقة سلق البيض ولم يشمل من عالجوه وعالجوا نصوصه ووضعوه ، لم يشمل علماء اجتماع وعلماء سياسة ونفس كما ينبغي في |أي قانون ،والمشرع لم يكتفِ بهذا بل ذهب الي القانون الجاني وجلب المادة 152 الزي الفاضح ،وأكد الجزولي أن تعريف الزي الفاضح لايوجد في القانون الجنائي ولا حتي في قانون النظام العام ،ولا حتي في اللوائح التي تضبط عمل من يسمون بشرطة النظام العام ،واعتبر الجزولي أن الأمر ترك للتقديرات الشخصية للذي يقوم بتطبيق القانون سواء أكان رجل الشرطة أو القاضي ، ونبه الي أن هذه المسالة تعتبر الأخطر على الإطلاق لأنه عندما تضع مصائر الشعب وكرامتهم وعزتهم بأنفسهم ورأيهم حول أنفسهم تضعها في يد تصورات وتهيؤات وتخيلات يمارسها أشخاص اخرين ،وضرب مثلاً قائلاً : " عندما ينظر رجل شرطة إلى امرأة ويقرر أن هذا زيّ فاضح ما الذي يدفعه إلى هذا القرار ؟ حتما سوف تدفعه تربيته وتنشئته الاجتماعية وبيئته وثقافته وتكوينه النفسي والاجتماعي ،واعتبر الجزولي أن كل هذه العوامل ذاتية ليس فيها منطلق قانوني ،وينبغي أن توضع القوانين على أسس موضعية صريحة ،واختتم الجزولي حديثه قائلاً :" هنالك المئات من القوانين في ظل حكم النقاذ تكبل المراة وتهدر كرامتها سواء كانت في القانون الجنائي أو الأحوال الشخصية ،وإن المساحة المفردة الآن لا نستطيع ان نجملها جميعها بل ينبغي ان نكتفي بقانون النظام العام باعتباره صاحب الصوت الأعلى في قهر النساء".
مذلون ومهانون
يقول تعريف منظمة حقوق الانسان 1993 إن كل النساء اللائي يعانين ويعايشن أساليب حياتية مليئة بالذل والحرمان والاستضعاف والفقر والتفرقة وعدم المقدرة على المشاركة في التنمية هن نساء مستضعفات، وهذه الصفة تشمل النساء : الفقيرات غير العاملات أو اللائي يعملن في قطاعات غير نظامية أو عاملات موسميات في المصانع والمشاريع الزراعية أو أي فئة من النساء ينلن أجرا ضئيلا لا يغطي احتياجاتهن الأساسية من مأكل وملبس وعلاج ، النساء النازحات من مناطقهن إثر ظروف بيئية (الجفاف و التصحروالفيضانات والزلازل) واللاجئات لظروف سياسية او بسبب الحروب والنزاعات العرقية ، المعوقات جسمانيا وعقليا ، النساء في السجون نتيجة لأحكام قضائية أو لقرارات صادرة عن السلطة الحاكمة , وهذا يؤدي إلى حرمانهن من المشاركة في المجتمع ، النساء من الأقليات في المجتمع , وهن اللائي يعانين من تفرقة عنصرية إثر تباين عرقي أو ديني او طبقي أو نتيجة لكل الاسباب المذكورة ، النساء الوحيدات والمطلقات والأرامل خاصة اللائي يقمن برعاية أطفالهن دون الحصول على مساعدة مادية أو اجتماعية ، النساء اللائي يتعرضن لممارسات العنف داخل المنزل بصورة مستمرة دون أن يلجأن للقانون والعدالة ولغياب من يقدم لهن الدعم والمساندة من افراد الاسرة الممتدة.
من المحرر:
أدت الأزمة الوطنية الشائكة في السودان الى اتساع نفوذ المؤسسات الدينية المحافظة والنصية (النمو المريب للوهابيين وجماعات الإسلام السياسي الأخرى في أطراف المدن السودانية ) التي تخاصم التاريخ , وذلك رغم التآكل الذي كان قد أصابها على طريق تقدم المجتمع في السودان إلى التنوير و الحداثة والديمقراطية وأصبح هذا النفوذ الذي كان مرشحا للزوال في صيرورة التطور يعبر عن نفسه في شكل ما يسمى : الصحوة الاسلامية , التي تعادي غالبية فصائلها قضية تحرير المرأة ومساواتها بالرجل وتقف حجر عثرة في طريق تغيير الدستور والقوانين (كما رأينا الخلاف في نيفاشا حول قومية العاصمة وإسلامية الشمال وفصل الدين عن الدولة ، حتي لانذهب بعيداً فأخرها هي وأد التعديلات الدستورية الأخيرة فيما يخص زواج التراضي والحملة الشرسة التي واجهتها به هذه القوة ) إلى جانب الإصرار التاريخي على أن الاسلام هو مصدر التشريع لبلادنا .


   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 4 = أدخل الكود