Untitled Document

مأساة مريض .. لاتدع (الدمعة) تفوتك ..!

عرض المادة


الخرطوم: حمد سليمان الخضر
القصة التي بين أيدينا تحكي عن مأساة حقيقية يعيشها أبناء بلادى كل يوم وأكثر من يعاني منها أبناء الاقاليم خاصة عندما تقودهم الظروف المرضية للعاصمة الخرطوم.. بين أيدينا قصة مؤلمة تحكي عن واقع يعيشه أحد المواطنين الذي توقفت قليلاً عند وقائع قصته فاخترت سرد وقائعها كما عايشتها..
يعد يوم الجمعة من كل أسبوع ضمن الأيام التي ننتظرها لتحيّن وقت الراحة والاستجمام قليلاً أو للتواصل الاجتماعي أو صلة الأرحام ، إلاّ ان الجمعة الماضية حملت في جوفها وقائع تحكى عن الواقع الذي نعيشه اليوم، ففي مساء ذلك اليوم زارني ابن عمي(عمر حسن) زياره طفيفة حيث مكثنا قليلاً بالمنزل ، بعدها طلب مني مرافقته لأحد اغراضه فوافقت على طلبه ليقيني التام أنه عندما يصبح المرء قريبا من الشارع يتعرف على حقيقة ما يدور فيه . تحركنا من المنزل صوب محطة الشهداء أمدرمان .. جلسنا مع أحد الأقرباء وهو صاحب محل لبيع الهواتف النقالة (موبايلات) بمجمع الشهداء وسط حركة دؤوبة تسيطر على المكان.
لم تمض سوى لحظات قلائل حتى وقف أحد المواطنين الذين تظهر على تقاسيم وجهه البداوة.. يرتدى جلابية يحمل في إحدى يديه كيساً وفي الأخرى يحمل خاتم نحاس فيما يبدو .. توقف عند صاحب الهواتف المجاور يساومه لبيع (الخاتم) الذي يحمله.. كنت أتابع المشهد دون تدخل مني.. جرى بينه وبين صاحب المحل الحوار التالي للتفاوض ومن ثم شراء الخاتم.
"المواطن: يا ابن العم خاتم للبيع والله أنا بايعوا لظروف داير قروش ضروري عشان كدا عارضو للبيع!
صاحب الطبلية: بكم؟
المواطن يا أخوي أنا والله ما بغش عليك وعشان ما آكل حق حرام انا اشتريتو بـ 37 جنيهاً، اها انت بتدفع كم؟
رد صاحب الطبلية: بدفع ليك ورقتين، أي مبلغ (20 جنيهاً).
المواطن: والله سمعت فيهو (30 جنيهاً) لذا ترك صاحب المكان واتجه صوب صاحب الهواتف الاخر (أحد أقربائي)، وتقدم بذات الطريقة لعرض سلعته للبيع بقوله: يا أخوي خاتم للبيع..!
دار بينهما نقاش طويل حول تحديد سعره، في هذه الاثناء انشغلت قليلاً عنهم تركتهم في شأنهم فالأمر لم يعد ذا اهمية بالنسبة لي لأنني عايشت التفاوض السابق بينه وبين بائع الهواتف، انتبهت عندما رأيت الشخص يحمل في يده خاتمه ويتحرك صوب مشتر أخر ، وهذا ما يعني عدم توصله لاتفاق للبيع ليواصل عرضه مرة أخرى، بعد ذهابه وجدتهم يتحدثون عنه ..سألتهم عن قصة هذا الشخص، فبدأ ابن عمي يقص ما سمعه منه. أثناء حوارهم معه تعرفوا عليه وعرفوا أنه مواطن جاء للخرطوم للعلاج ولديه زوجته مريضة بالمستشفى يقوم بعرض خاتمه لشراء دواء لزوجته، أثناء حديثه معهم لم يصدقوا ما يجري أمامهم لان الأمر برمته لا يكاد يدخل العقل حتى.. عندما أكمل حديثه سألتهم: هل حديثه صحيح؟ قالوا : لا ندري صحة قوله و|أثناء تشاورنا في أمره طلبنا البحث عنه لمعرفة حقيقة أمره إذا كان صادقا أم لا، بعد دقائق قليله عثرنا عليه، سألناه عن منطقته والظروف التي قادته لبيع خاتمه؟ ليروى لنا مأساته .. صمت الجميع وكل منهم ولى وجهه للارض بدأ معرفاً نفسه واسمه (م .ع ) يرافق زوجته المريضة (م. م) من ولاية غرب كردفان زوجته تلازم سرير المرض لأكثر من خمسة عشر يوماً بمستشفى أم درمان.. لديها جلسات غسيل كلى.. طلب منه الطبيب إحضار بعض الأدوية (كتبت على روشتة) ولكن نفسه عفيفة لم يشأ إخبار الطبيب بإنه لا يستطيع شراء تلك الأدوية، فحمل أغلى ما عنده (خاتم نحاس) لبيعه ..سعره فقط (37) جنيهاً ومن ثم شراء الأدوية المقرره من قبل الطبيب (روشتتين) وأجزم أن سعرها يتجاوز أضعاف مبلغ خاتمه ودونكم أسعار الادوية بالصيدليات! واصل حديثة ليزيح الستار عن تفاصيل مرض زوجته وقال إنها ظلت لـتسعة سنوات تصارع المرض.. ظل طوال هذه السنوات متجولاً ما بين الخرطوم وقريته النائية، فكلما تحسنت حالتها اصطحبها لبيته بتلك القرية، وعندما يغلب عليها المرض مرة أخرى يجمع ما يملكه من مال ويحضرها للخرطوم، ففي زيارته الاخيرة وجد أن زوجته اصيبت بـ(فشل كلوي) وأثناء حديثه أبرز كل كروت العيادة التي تؤكد حديثه فمن بينها كرت يعود تاريخه للعام 2012م، قمت بالاطلاع على الروشتات التي يحملها في يده لمزيد من المصداقية، فوجدت حديثه صحيحاً .. عرفني على كل التفاصيل المتعلقه بزوجته المريضة وعنوان العنبر الذي ترقد فيه ورقم الغرفة وما إلى ذلك، اخذت هاتفه، أوقفنا في لحظتها بيع الخاتم وذهب ليشترى الأدوية، ففي اليوم التالي (السبت) ذهبت إليه بالمستشفى وجدته اصطحبني للعنبر الذي ترقد فيه زوجته المريضة وترافقها والدته، وقفت على حالة المريضة (م.م) بنفسي حدثني بأنها ستذهب الساعة الرابعة لجلسة غسيل كلى، خنقتني عبرة لم أستطع تمالك نفسي فودعته على عجل ليبقى بيني وبينه التواصل، تلك قصة واحدة من بين قصص كثيرة تشهدها الشوارع كل يوم.. تحكى عن حالة الشعب وما وصل إليه في ظل التدهور الذي تشهده البلاد، ولكن ما لمسته من هذا الرجل تلك الشهامة والتماسك في أحلك الظروف، فلم يمد يده طالبا العون ليصفه البعض بالمحتال ولم يصارح الطبيب بأنه لا يملك قيمة الدواء ليكون مثالا للشخصية السودانية عزيزة النفس حتى في وقت الحاجة، نسأل الله ان يسهل أمره ويمنّ عليه بشفاء زوجته، فمثله لا ينكسر رغم الظروف.


   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 4 = أدخل الكود