Untitled Document

عبدالعزيز الحلو.. أخيل يتحسس كعبه!

عرض المادة


تروي الميثولوجيا الأغريقية أن أسطورة حرب طروادة أخيل كان بطلا لا يشق له غبار لكن ثمة نبوءة لازمته كطائر الشؤم أشارت إلى أنه سوف يموت في معركة، ومن أجل منع موته قامت أمه بتغطيسه في نهر ستيكس، الذي يعرف عنه أنه يمنح قوة عدم القهر، لكن بما أن أمه كانت تحمل أخيل من كعب قدمه أثناء غسله في النهر، فلم يصل الماء السحري إلى كعبه، وهكذا كبر أخيل ليصبح أحد الرجال الأقوياء الذين صمدوا في الكثير من المعارك، إلا إنه في أحد الأيام أصاب سهم مسموم كعبه متسببا في مقتله بعد فترة قصيرة.. فهل ستصيب عبد العزيز آدم الحلو اللعنة كأخيل أم سينجو؟!.
الخرطوم: خالد فتحي
أبصر عبد العزيز آدم الحلو النور بقرية الفيض أم عبد الله بالمنطقة الشرقية لجبال النوبة بجنوب كردفان لسبع ليالٍ خلون من شهر يوليو 1964م، قبل أشهر قليلة من تفجر ثورة أكتوبر الشعبية، تدرج الحلو في مراحله التعليمية ابتداء بالمدرسة الأولية بقرية دلامي الأولية، ثم المدرسة الوسطى بالدلنج الوسطى، ثم إلى المرحلة الثانوية بمدرسة كادقلي الثانوية العليا، قبل أن ينتقل إلى كلية الاقتصاد جامعة الخرطوم (الجميلة ومستحيلة)؛ حيث نال درجة البكلاريوس عام 1979، وتمتاز منطقة الفيض أم عبد الله بالمراعي الغنية والأشجار ذوات الثمر من قبيل المانجو والجوافة، وكثيرا ما يطيب المقام للرحل في الخريف لتلك الميزات، بالإضافة إلى قلة الحشرات الضارة بالإنسان والحيوان.
ما قبل الالتحاق بالشعبية
1979- 1985 عمل الحلو إدارىاً في الهيئة القومية للكهرباء، قبل التحاقه بالحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان 14/11/1985، وتدرج في الرتب العسكرية والسياسية حتى وصل إلى رتبة فريق وعضو المكتب السياسي للحركة، وعمل في كل مناطق الحركة وكان من أبرز القيادات الميدانية حتى لقب بـ (رجل المهام الصعبة).
2001-2005 تقلد منصب حاكم المناطق المحررة بجبال النوبة 2005- 2006 ظهر كمؤسس ورئيس قطاع الشمال بالحركة الشعبية لتحرير السودان.
وحظي الحلو- على الدوام- بثقة القائد الأسطوري للحركة الشعبية لتحرير السودان الدكتور جون قرنق دي مبيور، وأيقونة جبال النوبة، وبطلها الملهم يوسف كوة مكي، وكان قرنق شديد الاهتمام بعبد العزيز الحلو، وينظر إليه رجلا مفكرا، وكثيرا ما كان يركن إلى استشارته في كل ما يخص الحركة الشعبية، وظل الحلو- على الدوام- موضع ثقة يوسف كوة مكي الذي كان يتحدث إلى خاصته أن الحلو بعده خير من يقود جبال النوبة في (معركة التحرير).
ويروي عبد الوهاب الأنصاري في مقالته الموسومة (القائد عبد العزيز آدم الحلو أسطورة المهام الصعبة، وأمل المهمشين).. أن قرنق مر على أحد السجون- التي كان يتم فيها حبس الجنود حال ارتكابهم مخالفات أو تجاوزات عسكرية- فوجد عدداً من الجنود في الحبس فبدأ يسألهم واحداً تلو الآخر عن أسباب حبسهم، والقائد الذي قام بحبسهم، فأطلق سراح معظمهم حتى جاء دور أحد الجنود، فعندما سأله أخبره الجندي أن عبد العزيز الحلو هو الذي حبسه فاكتفى قرنق بذلك، ولم يسأله عن السبب، بل قال له (أنت لو عبد العزيز يا هو سجنك معناهو أنت عملت حاجة كبير، ما في طريقة ليك إلا عبد العزيز براهو يجيء يفكك) فتركه محبوساً.. وهذا يُوضِّح الاحترام والثقة والمكانة التي كان يضعها قرنق لعبد العزيز الحلو.
عزلة في واشنطون
بعد الرحيل المفاجئ والمأساوي لقرنق في يوليو 2005م اختار الحلو الذهاب بعيدا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومكث هناك أعواما قبل أن يعود ليتبوأ منصب نائب الأمين العام للشؤون التنظيمية ونائب رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام الثاني للحركة الشعبية لتحرير السودان- السكرتير القومي للشؤون السياسية والتعبئة في العام 2008م، ثم ينصب رئيسا للحركة الشعبية لتحرير السودان ولاية جبال النوبة جنوب كردفان، ونائب الوالي، ونائب رئيس الحركة الشعبية قطاع الشمال، ومرشح الحركة الشعبية لمنصب الوالي بجنوب كردفان، تلك المعركة الانتخابية التي تميزت بالندية والشراسة، والأجواء المشحونة بالقلق والتوتر؛ إذ ظلت القلوب لدى الحناجر كاظمين حتى تفجرت أنهار الغضب بعد إعلان ظفر مرشح المؤتمر الوطني أحمد هارون بمنصب الوالي فيما عرف بـ (الكتمة) في 6 يونيو 2011م.
تلك المغادرة الشبيهة بالعزلة شكلت نقطة هجوم عليه كما قال في استقالته: " عندما سافرت إلى أمريكا لأسباب معينة، قام المغرضين بالترويج أن عبد العزيز سافر وتخلى عن جبال النوبة، رغم أن جبال النوبة كانت تحت قيادة جلاب تنفيذيا وسياسيا وعسكريا في ذلك الوقت- أي أنني لم أكن مسؤلا عن الجبال وقتها، إضافة إلى أن الجبال كانت تتبع إلى قطاع الجنوب وليس إلى القطاع الشمالي على مستوى الحزب كذلك".
الزهد والتقشف
اشتهر عبد العزيز الحلو بالزهد الذي تبين ملامحه في قسمات وجهه– كما يؤكد عبد الوهاب الأنصاري: "عبد العزيز الحلو رجل زاهد في هذه الحياة ولا يملك من هذه الدنيا أي شيء، ولا يهتم بالمنازل أو السيارات الفارهة، ويأكل ما يأكله جنوده، وقد حَكى القيادي بالحركة الشعبية لتحرير السودان إدوارد لينو.. إنه في إحدى مأمورياته لزيارة جبال النوبة في الحرب الأولى، قد زار الجبال في وقت أزمة الملح بسبب الحصار الاقتصادي المفروض على المناطق تحت سيطرة الجيش الشعبي، ووجد جنود عبد العزيز يأكلون العدس دون ملح؛ فقرر أن يذهب ويتناول وجبته مع القائد عبد العزيز لعله يجد طعاماً جيداً يليق بمقام القائد، لكنه فوجئ أن الطبق الذي يأكله عبد العزيز هو نفس الطبق الذي وجده عند الجنود– نفس العدس (خالي ملح)..!، والحلو هو القائد الوحيد- ربما- في السودان وأفريقيا الذي لا يملك بيتاً باسمه".
ماركسي عتيد
أحد كبار الشيوعيين يشير إلى أن عبد العزيز الحلو رجل مبادئ من طراز فريد، وذو التزام عالٍ، ولافت للانتباه بالنهج الماركسي، ولعل ذلك الالتزام، وتلك المبدئية، والطهارة الثورية ما جر عليه نقمة أقرانه داخل الدوائر الضيقة في الحركة الشعبية لدرجة وصفه بـ (الحرس القديم)، ويضيف الشيوعي- الذي اشترط حجب هويته؛ لحساسية الموقف لـ (التيار)- أن اجتماعاً قصيراً لم يتجاوز نصف الساعة– خارج السودان- قبل توقيع اتفاقية نيفاشا بسنوات قليلة كشف له معدن الرجل الذي يجلس أمامه، وطريقة تفكيره التي تزن الأمور بعمق شديد، وشد انتباهته أن الحلو فوق أنه مستمع جيد كمعظم القادة الذين يتركون عقولهم تعمل بدل ألسنتهم كان متابعا مجريات الأمور في وسائل الإعلام حتى أنه انخرط في حديث معه بشأن مقالات وتحليلات سياسية نشرت على صفحات الصحف السيارة في ذلك اليوم الذي اجتمع إليه خلاله، وينهي القيادي الشيوعي شهادته المقتضبة عن عبد العزيز الحلو بالقول: "لا أخفيكم لقد أحببت الرجل كثيرا للدرجة التي تمنيته معنا في عضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي".
ولعل تلك المبدئية ما دفع الحلو ليعلو صوته بالشكوى من تجاوزات إنسانية خطيرة ارتكبتها قوات الجبهة الثورية التي يشكل الجيش الشعبي أحد أركانها الأساسية عند اجتياح بلدة أبو كرشولة بجنوب كردفان منذ ثلاثة أعوام، وكانت حجة الحلو أن حمل البندقية شرف وأمانة لا يستطيع أي أحد أداءه، وهذا الموقف شبيه بموقف قرنق عندما خاطب جنوده بعد سيطرة الحركة على منطقة همشكوريب بشرق السودان في منتصف تسعينيات القرن الماضي؛ حيث حثهم على عدم نهب المواطنين وعدم التطاول على المدنيين في نبل إنساني رائع.
سياسي جنوبي يتحدث
ويستجيب سياسي عريق إلى طلب (التيار) ليتحدث عن عبد العزيز الحلو فيقول بعد اشتراطه أيضا حجب هويته لحساسية الموقف: "الرفيق عبد العزيز آدم الحلو قائد سياسي وثوري من الطراز الفريد، حصيف، محنك، متشبع حد الترع بالأفكار الثورية، وهو من القلائل الذين يزاوجون بين معتقداته الفكرية والثورية بممارساته اليومية والحياتية، ولفرط بساطته تكاد لا تفرق بينه وبين رفاقه المناضلين من الجنود وضباط الصف حتى حراسه الشخصيين منذ التحاقه بالحركة الشعبية لتحرير السودان مطلع ثمانينيات القرن الفائت، عهد إليه المعلم قرنق بالعديد من المسؤوليات السياسية والعسكرية فاستحق بجدارة أن يحتل مكانة متميزة بين المجموعة التي عرفت لاحقا بـ (أولاد قرنق).
ما قبل الكتمة
ويمضي السياسي الجنوبي ليقول: "عمل الحلو قائدا لقوات الجيش الشعبي ضمن لواء السودان الجديد في شرق السودان بهدف تعزيز فكرة السودان الجديد بين قوات التجمع الوطني الديمقراطي- آنذاك- الجبهة العسكرية السادسة للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان- حظي- ولا يزال- باحترام قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان قبل وبعد استقلال جنوب السودان، عقب أداء الراحل قرنق القسم نائبا أول لرئيس الجمهورية، ورئيسا لحكومة جنوب السودان، وفي إطار تحول الحركة إلى حزب سياسي كلف عبد العزيز الحلو بتوطين الحركة في خارج مناطق نفوذها التأريخية فكان المشرف السياسي لها في شمال السودان، وألحق ذلك التكليف بآخر لا يقل أهمية، وهو إعداد المناهج الفكرية للحركة الشعبية، وبناؤها حزبا سياسيا في زمن السلم، بعد تعيينه نائبا لحاكم إقليم جنوب كرفان، أحمد هارون، نجح في خلق أنموذج شراكة عملية بين طرفي اتفاق السلام إلى أن اندلعت الحرب مجددا في يونيو 2011".
كعب أخيل
لطالما واجه الحلو حربا نفسية بسبب أن والده من دارفور ووالدته من جبال النوبة، وتحولت تلك المسألة إلى (كعب أخيل) في رحلة نضاله وواجَه حرباً نفسية شرسة بادِّعاء أنه ليس من جنوب كردفان، في محاولات يائسة لدمغه بعدم الولاء، ولم تنجح حيَلهِم التي كان المقصود منها إبعاده عن الإقليم لتحل محله قيادات أخرى، وفي الاستقالة المطولة التي دفع بها الحلو أخيرا لم يجد مفراً من الاعتراف بتلك المسألة قائلا: "عدم اتفاق أبناء النوبة على تمثيلي لهم في القيادة بسبب الإثنية، فتح الباب للرئيس والأمين العام لتجاهل آرائي باستغلال بعض ضباط جبال النوبة من وراء ظهري لخدمة أجندتهم وتمرير قرارات مصيرية خطيرة على مستقبل الثورة، كما فعلوا في اتفاق نافع /عقار، وعندما طرحوا مطلب الحكم الذاتي في 2015، والتنازل في الترتيبات الأمنية في أغسطس 2016".
فك ارتباط
ويأتي الحلو إلى نقطة مهمة في تلك المكاشفة ليقول: "عدم الاتفاق على تمثيلي للنوبة في القيادة مكن المؤتمر الوطني من شق صفوف النوبة باستخدام هذا الكرت، وخلق عدة تنظيمات معارضة للحركة الشعبية باسم الأغلبية الصامتة مرة، وأهل المصلحة مرة، وأهل الشأن مرة، والحركة الشعبية جناح السلام وغيره، استنادا على حقيقة أنني لا أنتمي لإثنية النوبة، وأصبحت لدي قناعة أن هذه التنظيمات التي يتم تفريخها يوميا قد تؤدي إلى أضعاف الحركة الشعبية في جبال النوبة، بل وإلى هزيمة المشروع، كما حدث في مؤتمر كمبالا في 2002، وكل ذلك بسببي؛ لذلك هناك ضرورة لوضع حد لهذه المشكلة ولمصلحة الثورة- خاصة- أن مرحلة التطور الاجتماعي التي نمر بها في السودان يجعل للإثنية دور أساس في القضايا التي تتعلق بالقيادة والقضايا المصيرية للشعوب المختلفة".
ثم ماذا بعد هذا؟
ويسطر التأريخ أن الدماء التي سفكت بين يدي انشقاق الناصر في تسعينيات القرن الماضي ضجت بها الأرض هناك، فهل سيتكرر ذات السيناريو بساحة الحركة الشعبية شمال أم ستتجاوز المحنة؟!.






   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية