Untitled Document

قرية كرج.. أسئلة في مواجهة الحكومة

عرض المادة

تحقيق وتصوير: راشد أوشي

الرحلة من كوستي إلى قرية كرج بمحلية قلي في ولاية النيل الأبيض، تستغرق حوالي (45) دقيقة، بالسيارة، غير أن الحياة في كرج تستغرق، أو استغرقت، سنوات من الإهمال والتهميش التنموي. للإجابة على أسئلة كثيرة تتعلق بوجود حكومة الولاية وإحساس المواطن بقربها منه. في كرج تقودك الشوارع إلى أزقة ضيِّقة تعكس مشاهد مؤلمة، الأطفال الذين اضطروا لترك مقاعد الدراسة يمتطون الحمير صباحاً إلى قرية بير الكتر، المجاورة لجلب الماء في رحلة قد تمتد حتى بداية هبوط العتمة. في خريف العام الماضي أعاد المواطنون تطهير الحفير وتوسعته عبر آلة حفر (بوكلن)، والمدرسة الوحيدة بالقرية صارت بيئتها طاردة، فعدد المعلمين لا يكفي مقارنة بعدد الطلاب، والمركز الصحي الوحيد بالقرية انهار قبل أكثر من (35) عاماً، والنساء الحوامل، إذا قدِّر للمخاض أن يأتيهن في فصل الخريف، حيث تنفصل القرية عن العالم الخارجي لعدم وجود طرق معبَّدة، تفقد بعضهن حياتها في الطريق إلى مستشفى كوستي. التحقيق التالي يسلِّط الضوء على واقع حياة مواطنين هم أنفسهم لا يصدق أن الواحد منهم يعيش في القرن الـ(21).

كان هنا

ونحن نتجوَّل في قرية كرج، أشار أحد المواطنين إلى قطعة أرض مسطحة. وقال: (كان هنا مركز صحي انهار في عام 1989م)، أثناء جلوسنا لتناول الإفطار سألت أحدهم عن الكيفية التي يتلقى بها المرضى علاجهم، وعن تشخيص الحالات. فقال: (في فصل الطريق يمكن أن يموت المرضى وهم في طريق لمستشفى كوستي، بعد أن يكون المركز قد استفحل)، ويبلغ عدد الأسر بالقرية حوالي (1200) أسرة، ويتم تشخيص الأمراض عن طريق المعاون الصحي الذي لا يوجد كثيراً. ويقول بعض ممن استعمت إليهم: (إذا كانت أعراضك مشابهة لأعراض الملاريا تأخذ دواء الملاريا، وإذا كنت تكح يقال لك أنك مصاب بالتهاب في الصدر)، ويضيف آخرون: (بعض ممن يعرفون أطباء في كوستي يتصلون عليهم وبناءً على الأعراض يتم تشخيص المرض). غير أن الطريقة العشوائية المتبعة في تشخيص الأمراض قادت ولا تزال تقود الكثيرين لتناول علاج تكون له آثار جانبية على الكلى أو الكبد. ويقول أحدهم:(الحكومة التي يفترض أن توفر لنا الخدمات لا نراها إلا عند تحصيل الرسوم أو الضرائب)، وفي فصل الخريف، حيث تنقطع القرية عن العالم الخارجي ترتفع نسبة وفيات الأمهات الحوامل. ويقول أحدهم: ( المرة لما تتوجع ما بنلقا ليها وسيلة توصلا للزلط والطريق مقفول)، ويضيف: (مرات المرة تموت في الطريق أو لما تصل المستشفى، نتيجة حالة تسمم).

عاوزين حقنا

في خريف العام الماضي قام المواطنون بقرية كرج بتطهير الحفير الوحيد، ويقول أحدهم: (استأجرنا البلكن ونظفنا الحفير، ولكن إدارة المياه بالمحلية قالت لنا: علينا أن ندفع مبلغ (15) ألف جنيه، للاستفادة من ماء الحفير، أو أن علينا شراء الماء بواقع خمسة جنيهات في حضور شرطي يحرس الحفير). ويقول آخرون: (إدارة مياه الشرب لم تساعدنا عندما دفن الحفير، وقد قمنا بإعادة تأهيله بأموالنا). الحفير الذي تجف مياهه بعد حوالي شهرين من توقف هطول الأمطار، هو مصدر المياه الوحيد للحيوان والإنسان، وفي زيارتنا للحفير لاحظت وجود كلاب داخل ما تبقى من مياه راكدة مخلوطة بالطين، ولاحظت أيضاً أن هنالك أطفالاً يقوم بعضهم بملء (الجركانات) الفارغة من تلك المياه.

تبادل المضار والمنافع

ويقول مواطنون إنهم يشترون الماء من (تانكر) بقيمة (1500) جنيه، وتفريغه في حفرة صغيرة، يوضع عليها مشمع وتباع (الجركانة) بخمسة جنيهات، وعادة ما تتعرض المياه للتلوث، لأنها تكون مكشوفة، ويعاني المواطنين في الحصول على مياه صالحة للشرب أو غير صالحة طوال الفترة من مارس حتى يونيو من كل عام، ويقول مواطنون: (منظمة بلان سودان ساعدتنا في حفر بير ودفعنا (500) ألف جنيه، لشراء جهاز لتحلية المياه)، غير أن البئر تعطلت بعد مرور نحو ثلاث سنوات. ويقول أحدهم: (عندما تعطلت البئر لأسباب لا نعلمها رفضت إدارة المياه صيانتها وأخذت جهاز تحلية المياه الذي دفعنا ثمنه)، وبينما نحن نتجوَّل في القرية يشير أحدهم إلى غابة بعيدة من الأشجار. ويقول أحدهم: (أطفالنا يذهبون إلى هنالك لجلب الماء)، حيث أشار إلى أن قرية بير الكتر تقع على بعد (18) كيلو متراً، ويمتطي الأطفال الحمير من كرج في الصباح في رحلة تستغرق نصف اليوم، إذ أن الكثير من القرى المجاورة تأتي إلى بير الكتر للحصول على الماء من الآبار السطحية، غير أن هنالك وسيلة أخرى للحصول على المياه من حفيرة في القرية المجاورة، وتسمى (النقيعة)، ولكن المياه في الحفيرة سرعان ما تتلوث قبل أن تجف تماماً قبيل شهور من حلول فصل الخريف، ويتعاون المواطنين في قريتي كرج والنقيعة في الاستفادة من المياه الموجودة في الحفائر.

ضد التنمية

في عهد معتمد كوستي الأسبق عمر برشم، ظهرت إحدى القضايا للسطح، القضية التي أطلق عليها اسم (فصول بسطاوي)، كانت محاولة من المعتمد لتشييد عدد من الفصول في كوستي وبعض القرى التي تتبع لها، ومن بينها قرية كرج قبيل صدور قرار تأسيس محلية قلي، قبل نحو (5) سنوات، ولكن أحد المواطنين يقول: (حضر مسؤولون كبار في حكومة الولاية حينها ومزقوا قرار برشم أمامنا)، ويقول آخر: إن من مزقوا قرار تشييد الفصول في مدرسة كرج قالوا لهم: (تشوفوا برشم دا كيف ح نشيلو ليكم ولا ما ح نشيلو)، والسبب كما يقول الكثيرون الصراع السياسي والمكايدات السياسية بين قيادات المؤتمر الوطني، ويضيف آخرون: (مرشح دائرتنا في المجلس التشريعي يأتي إلينا ويستجدينا لمنحه أصواتنا، وما أن يضمن فوزه لا نراه مرة أخرى)، حينها اضطر المواطنين لتشييد خمسة فصول في المدرسة التي شُيَّدت في العام 1976م، ويدرس الآن بالمدرسة حوالي (700) طالب، بينهم نحو (200) طالب، يتكدسون في الفصل الأول. ويقول أحدهم: (من معاناة الحصول على الموية لا يبقى سوى حوالي 80 طالباً، في سنة أولى عند نهاية الفصل الدراسي)، فيما يقول آخر: (بعض الأسر ترحل بالقرب من قرية بير الكتر للحصول على الماء فيضطر الأطفال لترك مقاعد الدراسة). ويضيف آخر: (في قريتنا دي كلها، بت عندها شهادة سودانية مافي، خليك من الرجال، لأنو ما عندنا مدرسة ثانوية)، ويقوم خمسة من المعلمين بتدريس كل الطلاب، وهم من أبناء القرية، منهم من يتقاضى راتبه من الحكومة ومنهم من يتولى المواطن أمر صرف راتبه، فيما لا يتوفر الإجلاس إلا لطلاب الصف الثامن. ويقول أحدهم: ( والله السنة الفاتت دفعنا للمدرسة 500 جنيه، عشان يشتروا طباشير ويُمَشُّوا بيها أمورهم وعشان أولادنا ما ينقطعوا عن الدراسة)، ويؤكد: (الحلة دي كلها فيها واحد عندو شهادة سودانية من بين 13 ألف شخص، وشغال متعاون في المدرسة ورفضوا تعيينه).

لا علاقة لهذا بهذا

من جهته نفى معتمد قلي، أحمد الصادق السفوري، أن تكون هنالك أي علاقة بين تسرُّب الطلاب من المدرسة وبين مشاكل المياه. وقال: إن من مشاكل مناطق قلي، من بينها قرية كرج، لايمكن أن تحفر فيها آبار نسبة لأرضها الصخرية، وأكد: (بالنسبة لكرج فإنها أفضل من قرى أخرى من جهة توفر مياه الشرب)، وأضاف: (هناك لا تساهم مشاكل المياه في رفع نسبة تسرُّب الأطفال من المدارس، وإنما عملهم في تربية المواشي)، وقال أحمد الصادق: إن في كرج سد كبير، ولكن نسبة لقلة الأمطار العام الماضي لم يتمكنوا من توفير المياه، وأكد: (اتفقنا مع المواطنين على صيانة خزان للمياه لتوفير المياه عبر التانكر كأحد المعالجات حتى حلول فصل الخريف).

مشكلة الولاية كلها

وقال المعتمد: إن مشكلة الإجلاس في مدرسة قرية كرج ليست فريدة في نوعها، وأكد أحمد الصادق: (الولاية كلها في مشكلة إجلاس)، وأضاف: (بالنسبة للمعلمين فإن كرج أحسن حالاً من قرى أخرى رغم أن المدرسة فيها خمسة معلمين، وقد أضفنا إليهم واحد السنة الماضية)، وأشار إلى تعيينات المعلمين التي تتم الآن في الولاية سيكون نصيب المحلية منها (105) معلمين، وسيكون لمدرسة كرج نصيب منها في إطار استهداف المدارس التي تواجه مشاكل نقص في المعلمين، ولفت إلى أن المحلية تعتمد في الغالب على المتعاونين لسد النقص. وقال: إن المحلية قامت بالعديد من المساعي لحل مشكلة المركز الصحي، وأكد: (وفرنا عيادة متحركة لكرج لفترة ثلاثة شهور، بالإضافة لمخيم علاج)، وأضاف: (بالنسبة للحل النهائي اتفقنا مع بنك التنمية الأفريقي لتشييد ثلاثة مستشفيات ريفية في قرى عوض الله وقلي وكرج، تبلغ كلفته 30 مليون جنيه).

معادلة رغبة المجتمع

من جهته قال وزير التربية حامد عمر: إن إنشاء أي مدرسة ثانوية يتطلب وجود مسح تربوي ومدى استعداد المجلس التربوي لإنشاء البنيات الأساسية مثل: الفصول وميز المعلمين ومساهمة الدولة، وأكد: (بعض المدارس تم فتحها سابقاً بدافع سياسي ولم يستفد منها)، وأضاف: (فيما يتعلق بالمدرسة الثانوية فإننا نعد دراسة حول وجود مدارس أساس مغذية للمدرسة واستعداد المنطقة لتشييد المدرسة). وقال: إن الوزارة لم تتسلم أي طلب من السكان في قرية كرج لإنشاء مدرسة ثانوية طوال السنوات الماضية، وأكد: (إذا قدم لنا طلب سنقوم بدراسته مع السكان، إلا أن التسرُّب الدراسي لا يساعد في مسيرة التعليم وهنالك فصول كثافتها أقل من المعدل)، وأضاف: (في النهاية الأمر يعود لرغبات المجتمعات نفسها في تعليم أبنائها).

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة