Untitled Document

ويسألونك عن الميل أربعين

عرض المادة

الناجي عبد الله يكتب

تمر هذه الأيام الذكرى العشرون لمعركة الميل أربعين؛ إذ جرت أحداث تلك الغزوة التأريخية الكبرى في مثل هذه الأيام.. الإثنين والثلاثاء والأربعاء 17-18-19 مارس 1997م في جنوب الاستوائية على بعد 40 ميلا من مدينة جوبا على طريق كايا- ياي– جوبا.

وكانت ملحمة بطولية نوعية ومتفردة في كل حيثياتها– الزمان، المكان، الظرف العسكري المادي والمعنوي، العدة، العتاد-؛ حيث قدم أبناء الحركة الإسلامية درسا غير مسبوق انحنت له هامات الجبال، والغابات، والرجال، والدبابات، والمدافع، وحركة التمرد، واللوبي الصهيوني الاستعماري، متمثلا في التحالف الكبير- حينها- الذي كانت تقوده وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (مادلين أولبرايت).

صعدت أرواح أميرنا الشهيد علي عبد الفتاح وأخوانه (85 شهيدا) في ثلاثة أيام من أصل سرية واحدة، كان تعدادها 105 من الدبابين، جادوا بأرواحهم الطاهرة الزكية فكتبوا بلون الدم، ورائحة المسك أسطورة متفردة في الثبات، والبطولة، والفداء.

وقبل أن نخوض في مجريات المعركة وأجوائها، بل حتى قبل الوصول إلى الاستوائية نفسها، أريد أن أتحدث وبشيء من الإجمال- غير المخل- عن الأجواء التي سبقت دورة الدبابين، معسكر خالد بن الوليد، حيث كان إعداد هذه الكوكبة المجاهدة من أبناء الحركة الإسلامية قبل الفتنة والسقوط في مستنقع السلطة الآسن.

عقب الخسائر الفادحة والكبيرة التي منينا بها نحن- المجاهدين- في المعارك الأولى بعد انطلاقة متحرك القعقاع بشرق الاستوائية رغما عن الانتصارات النوعية التى أكرمنا الله بها، ووفقنا لوقف الزحف الصليبي الماكر، الذي مثّله تحالف (يوغندا، مصر، أثيوبيا) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، واللوبي الصهيوني في المتحرك الشهير، الذي عرف- وقتها- (بالأمطار الغزيرة) خريف العام 1995م.

كانت المواجهة الأولى والكبرى مع العدو الزاحف كالسيل الهادر من شمال يوغندا (قاعدة قولو) على الحدود الجنوبية الشرقية للسودان (شمال شرق نمولي)، نحو حاضرة الولايات الجنوبية جوبا؛ حيث تمكنت قوات الحركة الشعبية المدعومة من الجيش اليوغندي النظامي، المسلحة بالمدرعات (للمرة الأولى) في تأريخ حربها الطويلة بجنوب السودان)؛ حيث تمكنوا من دحر متحرك (وعد المتقين)، المتمركز في مناطق فرجوك، وفرتاك بقيادة العميد (عيساوي)، وتشتيت قواته، وغنمت جميع عتاده، وأسلحته المهولة، وتمكنت- كذلك- من دحر متحرك (ونجبول)، وغنمت- أيضا- جميع عتاده، وسلاحه الكثير.

أول مواجهة تمت بين المجاهدين وقوات العدو كانت في الميل (73) شرق الاستوائية، وكانت في صباح الخميس 16/11/1995م واستطاع المجاهدون تنفيذ هجوم كبير، ومباغت على الخوارج في معسكرهم في ذلك الصباح.

وقد كانت معركة ضارية، ويمكن أن نسميها (محرقة)؛ نسبة لكثرة الخسائر، والأرواح التي فاضت فيها، والدماء الزكية التي أهرقت- يومها- فقد كتبت- أنا- بنفسي خلال اليومين اللذين تليا المعركة (الجمعة والسبت) أسماء 185 شهيداً من المجاهدين- فقط- وكان على رأسهم الشهيد (حمدي مصطفى) أمير "السائحون" في الاستوائية، والمعز عبادي، ومصطفى ميرغني، والوسيلة الضو، وأمين الدولب، وشمس الدين إبراهيم، وقتادة محمد عثمان صالح، وخطاب الجعلي، والنعمان محمد إدريس، ومحمد شيبة، ونزار محمد عبد الرحيم، ومحمد النور، ووو... 185 من خيرة أبناء الحركة الإسلامية الأفذاذ، الأطهار فاضت أرواحهم في (ضحوة واحدة)، هذا بالإضافة إلى قائديهم النقيب (أبو عاقلة) والملازم أول (يوسف سيد)، هذا- بالطبع- غير إخواننا الشهداء من القوات المسلحة- ضباطا وجنودا- وما كان يشعل الحسرة العميقة في قلوبنا ونفوسنا أن جميع هؤلاء لم يدفن منهم إلا شهيدين- فقط- الشهيد (أمين الدولب)؛ لأنه أصيب في المعركة، وقام بإخلائه الأخوان (الأرقم الجيلاني، وأشرف بابكر)، ثم استشهد أثناء الطريق، ودفن عند (الصندوق الإداري) في خور كيت (الميل 69 شرق الاستوائية)، والآخر الشهيد (خطاب أحمد الجعلي)؛ حيث كان قد أصيب، وتم إخلاؤه إلى السلاح الطبي جوبا، ثم استشهد في اليوم الثاني للمعركة، وتم دفنه في مدينة جوبا، أما البقية- جميعهم- فتركناهم في الغابة، وقلوبنا تنزف دما، وأفئدتنا تمزقها الحسرة، والأحزان العميقة، ولم يكن أمامنا في ذلك اليوم من سبيل غير ذلك.

وعدت إلى الخرطوم عقب إصابتي في المعركة الثانية صباح الإثنين 20/11/1995م، ولحق بي أميرنا الشهيد علي عبد الفتاح بعد أن كسرت كلتا يديه بعد بضعة أيام.

وفي الخرطوم بدأنا تحركات قوية وفعّالة مع العديد من القيادات التنظيمية، والعسكرية؛ حيث قمنا بتنويرهم بتفاصيل مجريات العمليات، وحاورناهم في سبل المعالجات المطلوبة.

حيث كان اللقاء الأكبر والأشهر مع الأمين العام (الشيخ حسن الترابي)- رحمه الله- في منزله بالمنشية، وكان ذلك ليلا في شهر رمضان من ذلك العام.

وقد ذهبت إليه رفقة الشهيد علي عبد الفتاح، والأخ الصادق محمد علي الشيخ، والأخ أبو القاسم المتعافي، ووجدنا- يومها- في معيته (الشيخ محمد الأمين خليفة)، وكان- وقتها- رئيس المجلس الوطني الانتقالي– ومعه أحد قادة القوات المسلحة برتبة لواء (لا أذكر اسمه الآن).

وقد كان اللقاء مع الشيخ الترابي (ساخنا جدا)، والسبب الرئيس لتلك الزيارة التل كان قد قام بها إليه قبلنا دكتور عوض الجاز رفقة أحد الإخوة (السواقين)؛ حيث قاما بتنويره، وتزويده بمعلومات مغلوطة جدا، وسوف أفصل في ذلك لاحقا- بإذن الله تعالى.

الزيارة الثانية المهمة كانت إلى الشهيد أبراهيم شمس الدين (مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الأمنية)- وقتها- وكانت أكثر سلاسة، ومرونة من سابقتها بحكم إلمامه بالملف العسكري، واطّلاعه الميداني على سير العمليات الحربية في الجنوب؛ جراء زياراته الماكوكية المتلاحقة،

واتفقنا مع الشهيد إبراهيم أن نقوم بوضع تصور متكامل لإنشاء قوات خاصة من المجاهدين من أبناء الحركة الإسلامية الملتزمين- فقط.. وذلك بعد نقاش مستفيض، وتحليل الوضع الميداني، وتقييمنا المشترك أن كثرة الخسائر في صفوف المجاهدين كان مردها إلى ضعف التدريب، وانعدام المهارات العسكرية، وضعف التسليح؛ حيث كان المجاهدون- وقتها- يستخدمون الكلاش- فقط.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة