Untitled Document

الطريق الثالث.. قوى المعارضة ما بين الإسقاط والتسوية...( 1)

عرض المادة
الطريق الثالث.. قوى المعارضة ما بين الإسقاط والتسوية...( 1)
164 زائر
21-03-2017
مجدي عبدالقيوم (كنب)

في المشهد السياسي السوداني ثمة متغيرات عديدة وعميقة التأثير في مواقف كل الفاعلين السياسيين، وغير بعيد عن الحقيقة القول إن عوامل الأزمة الوطنية المركبة وتعقيداتها ومحدداتها، قد شهدت تحولات كبرى في الآونة الأخيرة أدت إلى تغيير كلي في المشهد، مما يستوجب إعادة القراءة واتخاذ مواقف مغايرة تماماً وتتسق مع المعطيات الواقعية.

طالت تلك المتغيرات والتي شكلت واقعاً مختلفاً كل تفاصيل المشهد السياسي، فعلى مستوى الحكومة ثمة تغييرات جذرية، فيما يتصل بالبنية السياسية لها والسياسات الخارجية والمنظومة القانونية، بل بدأ أن السلطة تؤسس نظرياً لمواقفها الجديدة من ذات المنطلق الفكري الذي ارتكزت عليه وشادت عليه دولتها، وعلى الجانب الآخر بدأ أن أطياف القوى المعارضة تتلمس خطاها لتحديد مسارات الطريق الجديد، وغير شك القوى السياسية ظلت وطوال تاريخها تمتلك من الرشد والنضج السياسي ما يجعلها قادرة على القفز فوق الجراحات ووضع مصلحة الوطن نصب أعينها.

صحيح أن المسرح السياسي شهد بروز قوى جديدة مدنية كانت أو عسكرية شكلت ملمحاً مختلفاً وتركت بصمتها على الخارطة السياسية، لكن وبالرغم من ذلك تظل قوى بعينها هي الفاعل الأساسي في صناعة الأحداث، قوى تمتلك إرثاً سياسياً ومكوِّناً اجتماعياً يستند على رؤى فكرية اتفقنا أو اختلفنا معها.

هذه القوى ودون التقليل من دور اللاعبين الجدد هي التي سترسم تفاصيل اللوحة، وعلى الرغم مما أصاب تلك القوى من وهن أو اعتراها من ضعف، إلا أن العقل السياسي لها يظل قادراً على قراءة الأحداث واتخاذ ما يلزم من مواقف.

الآن يتخلق مشهد جديد، هو قطعاً نتاجاً طبيعياً للكثير من التطورات.

نتناول القوى المعارضة بالتركيز على القوى المؤثرة في تشكيل السياسة السودانية بمواقفها المتباينة نسبياً بين بعضها والمختلفة جذرياً مع البعض الآخر في ظل تلك المتغيِّرات ومآلات المشهد المستقبلية وإيجازاً نشير إلى أننا نتناول قوى المعارضة الرئيسة وهي:-

1/ قوى الإجماع الوطني.

2/ قوى نداء السودان.

3/ الحركات المسلحة.

في هذه الجزئية نتناول تحالف قوى الإجماع، ولعل ابتدار الحديث فيما يتصل بالطريق الثالث بأكثر مكونات المعارضة راديكالية، وبالتالي أبعدها عن الطريق الثالث الذي نرى أنه ينبغي أن تؤسس له القوى السياسية مجتمعة له ما يبرره، ليس فحسب باعتباره أهم الفصائل التي تنادي بإسقاط النظام، إنما لاعتبارات تتصل بقدرة أهم فصائله على تحريك خيوط اللعبة السياسية، وما تراكم له من خبرات ثرة في التعامل مع القضايا التي تحتاج لمعالجة تتمدد في المساحة ما بين الأيديولوجي والبرغماتي، على عكس بعض فصائل قوى الإجماع التي ترهن موقفها من القضايا الوطنية بموقفها من المجتمع الدولي أو بالأحرى السياسة الأمريكية في المنطقة العربية، لذلك يظل التعويل على قدرة الحزب الشيوعي في اجتراح معالجة للأزمة الوطنية. صحيح أن الحزب الشيوعي رفض سيناريو الهبوط الناعم، لكن رفضه لم يتأسس على المطبخ الذي أعد السيناريو، إنما على تفاصيله، وقد أظهر الحزب مرونة كبيرة في التعاطي مع المواقف المختلفة التي طرحها المجتمع الدولي.

سبب آخر يجعلنا نبتدر المقالات بقوى الإجماع، وهو التفاف المجموعات الشبابية الثورية حول موقفه السياسي، وهي مجموعات تشكل لحمة وسداة الخطاب الثوري وبالتالي ضرورة التفافها حول الطريق الثالث كضمانة لنجاحه.

من بين كل الفاعلين على مستوى المعارضة يظل تحالف قوى الإجماع رقماً صعباً عصي على التجاوز رغم الإدعاءات الجوفاء هنا وهناك والمحاولات المستميتة بمختلف السيناريوهات لتفكيكه، والتي ظلت تسجل الفشل الذريع، ولعل مرد منعه تحالف قوى الإجماع أنه ظل مبدئياً في تعاطيه مع الموقف من النظام.

ظل تحالف قوى الإجماع وطوال فترة الصراع مع الإنقاذ، ظل يرفع شعار إسقاط النظام مراهناً على القوى الجماهيرية الحية، دون أن يستطيع جعل هذا الشعار واقعاً من حيث الآليات والتاكتيك وحتى القدرة على تنظيم كل القوى التي تتفق مع الشعار، ولعل ملمح الفشل الأبرز هو الافتقار للقدرة على تنظيم القطاعات العريضة ليس من الجماهير خارج مظلة التنظيمات فحسب، بل حتى القوى السياسية بمختلف مكوناتها.

إجمالاً يمكن القول إن تحالف قوى الإجماع فشل في ذلك للآتي:-

1/ عجز التحالف عن تنظيم الجماهير لأسباب ذاتية .

2/ عزوف الجماهير نفسها وانفضاضها من حول القوى السياسية لأسباب موضوعية.

صحيح أن ما يمكن تسميته بالحس الشعبي ونبض الجماهير يصب في اتجاه الشعار، ولكن قوى الإجماع فشل فشلاً ذريعاً في تنظيم تلك القوى وتحويلها إلى قوة حقيقية يمكن التعويل عليها في ميزان القوى في سياق أي ترتيبات أياً كانت، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ماهي العلة؟ وهل المسألة تتصل بالأشكال والقوالب التنظيمية وآليات وطرق ومناهج عمل التحالف، أم أن الأمر ذو صلة بواقعية الشعار نفسه في ظل المعطيات الراهنة؟ وفي ظني أن الأمر متصل بواقعية الشعار نفسه على الرغم من الالتفاف الواسع والاحتشاد حوله، ذلك أن الشعار كهدف أساسي أغفل معطيات مهمة تتصل بتقاطع الإستراتيجي دولياً وإقليمياً في ظل التقلبات في الساحة، حيث أن طبيعة النظام من حيث البنية السياسية والتوجهات والسياسات أقرب للتعاطي وفقاً لمنهجه البرغماتي مع كل القضايا الشائكة في المشهد الدولي، حيث ظل النظام يغيِّر جلده بما يتسق مع المناخ السياسي واتجاهات الرياح فيه، وبالتالي مكَّن النهج البرغماتي النظام من البقاء على سدة الحكم رغماً عن حالة الضعف التي ظلت تنتابه طوال مسيرته، والتي سرعان ما يعمل على الخروج منها بإعادة تدوير نفسه وتقديمها في صورة تتناسب وطبيعة المشهد.

هذه السياسة البرغماتية هي التي مكنت النظام من البقاء حتى الآن، رغماً عن عزلته الجماهيرية والأزمات بمختلف أشكالها التي ظلت تعصف به.

منذ أن برز إلى السطح سيناريو الهبوط الناعم رفضته القوى التي يمكن نسميها الثورية، باعتبار أنه يهدف لاستمرار السلطة مع تغيير يطال البنية السياسية لها دون أن يمس السياسات في سماتها الأساسية، وبالتالي فإن السيناريو في نظر تلك القوى يكرِّس لذات السياسات التي جعلت البلاد قاب قوسين من الانهيار.

باعتبار أن تحالف قوى الإجماع هو المظلة الرئيسة للقوى التي تنادي بإسقاط النظام، وهذه حقيقة، فإن تنظيماته ظلت باستمرار تعلن عن رفضها لأي تسوية مع النظام لا تنتهي بتفكيكه ومحاسبة رموزه سياسياً وجنائياً، ومن هذا المنطلق، ظلت حريصة على السمات الرئيسة لخطابها السياسي، وفي تقديري أن ذلك الخطاب تجاوزته الأحداث والوقائع على الأرض لذلك ظل شعاراً معلقاً دون إمكانية تحقيق على الواقع وسيظل، وتبقى الشعارات المقترنة به محض خيالات مآته لا تخيف النظام ولا القوى الدولية الرامية للحفاظ عليه كوكيل حصري لإنفاذ سياساتها.

في ظل هذا الواقع المزري ظلت الحرب العبثية تطحن الضحايا طحناً في المناطق التي تشتعل وتنداح دائرتها لتجعل الحياة في الوطن المأزوم نوع من العبث من حيث المكابدة وشظف العيش وكافة صنوف المعاناة، وظل التردي مستمراً في كافة المناحي.

صحيح أن الاشتراطات التي تطالب بها القوى التي ترفع شعار إسقاط النظام حتى يتسنى لها الدخول معه في حوار، والمتصلة بتهيئة المناخ والتي من أهمها:-

1/ إيقاف الحرب.

2/ إلغاء القوانين المقيِّدة للحريات.

3/ فتح المسارات لتوصيل الإغاثة للمناطق المتضررة.

تظل هذه الاشتراطات ليست مشروعة فحسب، بل ليست كلفة باهظة وواجبة السداد، بالنظر إلى ما اقترفته بعض أطراف النظام من جرائم، غير أن مياه كثيرة مرت تحت الجسر وتغيَّر المناخ كلية بالنسبة لكل الفاعلين السياسيين على المسرح، فمن جهة نفخت الرياح التي هبت أشرعة السلطة الحاكمة ومكنتها من عبور الأمواج المتلاطمة التي أحاطت بمركبها وتقاذفته يمنة ويسرة. رياح المناخ السياسي العالمي التي فكت طوق العزلة المضروب حولها، وفي الضفة الأخرى تقلص مدى بندقية الحركات المسلحة بسبب عوامل شتى أهمها:-

1/ الافتقار للدعم اللوجستي بعد أن بدَّل النظام جلده وتماهى مع المتغيِّرات في الساحة الدولية.

2/الرهق والمعاناة التي أصابت المواطنين في المناطق المشتعلة وجعلت مطلبهم الأساسي البحث عن الحق في الحياة.

في منطق الأشياء أنك لا يمكن أن تتحدث عن حقوق أخرى في ظل انعدام حق الحياة، إلا ويعد ذلك ترفاً نخبوياً بالنسبة لمن يكابدون ويلات الحرب.

تأسيساً على جملة تلك المتغيرات يظل إسقاط النظام هدفاً بعيد المنال ومحض توهمات ليس إلا، وبالتالي يتوجب على قوى الإجماع باعتبارها المكوِّن الرئيس الذي ينادي بإسقاط النظام، يتوجب عليه البحث عن طريق ثالث ما بين التسوية والإسقاط، وذلك ما يمليه الضمير الحي بالنظر لحجم الكارثة الإنسانية وتداعياتها.

معلوم أن قوى الإجماع رفضت السوية وفقاً لخارطة طريق أمبيكي، لعدة أسباب، سبق ذكرها آنفاً، وبالتالي فهي من حيث المبدأ لا ترفض العملية التفاوضية، وهذا يجعل من إمكانية قبولها التفاوض يؤدي إلى تسوية تضع هي اشتراطاتها أمراً ممكناً أو تحسين شروط التسوية وفقاً لخارطة طريق الآلية الأفريقية بقيادة "أمبيكي"، وبالنظر إلى أن الحكومة نفسها تنصلت من خارطة الطريق بالرغم من توقيعها عليها، يصبح الطرفان متفقان وأن كان كل بزاويته من الموقف من خارطة الطريق.

هذا الوضع هو الذي يشكِّل الأرضية التي ينطلق منها مسار الطريق الثالث، ما بين التسوية وفقاً لخارطة أمبيكي والدعوة لإسقاط النظام.

ما هي ملامح هذا الطريق وما تفاصيله؟. يتبع...

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية