Untitled Document

عشرة أيام على مشارف "كاودا

عرض المادة

الحلقة الأولى

أبو عاقلة محمد أماسا

محزن جداً أن تكون زيارة جزء من بلدي ضرباً من المغامرة الذي يستحق التسجيل، عشرة أيام أمضيتها في "جبال النوبة" أتمتع فيها بدهشة الجمال حين يصبح مسرحاً للقتال.

منذ أن اندلع الحريق في جنوب كردفان يوم (ستة، ستة، الساعة ستة)- أي 6 يونيو 2011 ظللنا نراقب النيران تتصاعد حينا، وتخبو أحيانا أخرى بمشاعر لم تعرف الحذر أبداً.. فأكثر من نصف أرحامنا هناك داخل بيتنا الكبير المحترق.

أمنية (مخيفة)!

كانت أمنيتي أن أزور بيتي المحترق في جبال النوبة، لكنها أمنية (مخيفة) معلقة في حبال المجهول؛ فالمنطقة ميدان حرب مفتوحة لكني قررت التخلي عن الحذر، واستغلال توقيت وقف إطلاق النار الساري حالياً بين الجانبين في زيارة متعددة الأغراض؛ لأنقل لكم مشهد ما لا ترونه هناك.. ثم زيارة الأرحام بعد قطيعة دامت ست سنوات كاملة.

في كنف المجهول!

الطريق ليس مفروشا بالورو بطبيعة الحال- وأفضل السيناريوهات لرحلة مشابهة إلى أي منطقة في جبال النوبة مفتوحة على الأهوال بالنسبة لأي إنسان في حالتي.. ينتمي عرقاً إلى جبال النوبة، وميلاداً إلى الجزيرة، ومهنياً إلى قبيلة الإعلام؛ فالإعلامي- في نظر المتوجسين من كل صنف- متهم أو- على الأقل- متطفل غير مرغوب فيه.

إذا وقعت في يد الحكوميين خاصة في مناطق الحرب؛ حيث جاوزت تبعات الحرب، وتصرفات البعض كل المعقول فأنا متهم حتى تثبت (تهمتي)، وليس براءتي، ففي ميدان الحرب للعدالة أكثر من وجه.

أما إذا وقعت في قبضة الحركة الشعبية ورغم أنهم من أبناء جلدتي- فلا شك- أنا "جاسوس" قادم إلى التلصص على الأوضاع هناك.. وسأكون متهما بالانتماء للمؤتمر الوطني وأجهزته إذا وربما لن تنقذني اللغة الأم التي أجيدها.

ولكن ثمة تطمينات جعلتني أخفف من هذا الاحتمال.. وهي أن والدي، وجزء غير قليل من أسرتي وعائلتي مقيمون في تلك المناطق.. والدي شيخ معروف لدى الجميع في المنطقة، الأمر الذي أعدّه في صالحي فلن تتجاوز الأمور مسألة ابن جاء لزيارة والده.

لن أتحدث العربية

من الناحية النفسية وجزء من أسلحة الحذر قررت ألا أتحدث باللغة العربية إلا عند الضرورة، والضرورات هناك ليست كثيرة فإجادة اللغة الأم المحلية تطوي المسافات بينك وبين من يخاطبك، وتجعلك أقرب إلى قلبه.. إذاً هي فترة تدريبية جيدة جدا وفرصة لا تعوض لتجويد اللغة، وهي من الفوائد الأولية لهذه الرحلة المغامرة.

الإعداد ليوم الرحيل

في العادة عندما نسافر إلى جبال النوبة نفكر في كل شيء يحتاجه الناس هناك ابتداء من السلع التي يعزّ توفرها من بقوليات وسكر وشاي وبن، وبمناسبة "البن" فإن أهلي في جبال النوبة يتفوقون على قبائل الشرق في استهلاك القهوة والجنزبيل لدرجة أن أغلى ما تهديه إلى المسن هناك كيس مختصر يحتوي على بن وسكر وجنزبيل.

بدأت في إعداد هذه الأشياء، بالإضافة إلى الملبوسات للمسنين من الرجال والنساء والأطفال، والأهم، الأهم، هو الاستعداد ليوم الرحيل الحقيقي، فالسفر إلى تلك المناطق، وفي هذه الظروف المعقدة والاحتمالات الشائكة تجعل الإنسان يتقرب إلى الخالق بشتى السبل عبادة وذكراً وصلاة وتسبيحاً، حتى إذا وقع القضاء يكون (زاد التقوى خيرا).. مخزون الإيمانيات، وعتاد العبادات هو أفضل متاع في رحلة قد تكون بلا عودة، التوقعات فيها مفتوحة على كل الاحتمالات.

خطة السفر

أولى خطط السفر أن أحاول تحاشي كل ما هو محتمل أو متوقع من محطات الخطر، ومحطة الخطر بالنسبة لكل مسافر إلى الجبال الغربية عبر الدلنج هي المدينة نفسها.. وهي مدينة أصبحنا مرغمين على التوجس منها، والمشي فيها على الأمشاط؛ تحسباً للألغام البشرية التي قد تفاجأ بها في أية لحظة.. ليس لأنك قائد من قادة الحركة الشعبية، وتخطط لتفجير مبنى حكومي، لكن لأن الحذر والريبة قد تقنصك في أية لحظة، وقد تضيع شهوراً أو سنوات هناك لا يسأل عنك أحد.

وفي الوقت الذي كنت أغالب فيه نفسي أمام هذه المخاطر، وأنا أضع خطة السفر جاءتني الأخبار بما يدعم هذه التخوفات والسيناريوهات المخيفة.. وابن عمي (خ. ي) وبرفقته ابنة عمنا (خ ح)، وآخرون اعترضوا في مدينة الدلنج فور نزولهم من البص السياحي، وظلوا رهن التوقيف حتى أطلق سراحهم بعد أيام بواسطة من المك (أريكا كردوش).. وبعد أن صودرت كل ممتلكاتهم من مأكولات ومشروبات وملبوسات حتى على الثياب النسائية وملبوسات الأطفال وهدايا للمسنين الأبرياء، ثم اضطروا للعودة إلى الخرطوم بخفي حنين.

لا أعرف من يفعل هذا، ولا أعرف تحت أي قانون يمكن أن تمارس هذه الأشياء- وربما- ليس من حقي حتى مجرد السؤال- وربما- هي مجرد تصرفات فردية لا يطالها منطق الأشياء السوية؟.

على كل حال.. الخطوة الأولى في خطة السفر.. تقوم على مبدأ (أبعد من الشر وغنيلو).. أبعد من الدلنج.

بندق في بحر

حسب تصريحات معتمد محلية الدلنج الجديد الأستاذ إسماعيل دقلس كانت التطمينات متزامنة مع قرارات وقف إطلاق النار، تدعمها تصريحات والي جنوب كردفان اللواء عيسى أبكر تتحدث عن المسارات المفتوحة أمام الجميع، لكن حقاً أو توهماً- بفعل الخوف- لم يكن في خطتي المرور عبر "الدلنج".

أعذروني.. لن أخبركم!

عبرت كل الطرق والحواجز إلى مناطق الحركة الشعبية وبسلام تام.. لكن أرجوكم لا تسألوني كيف.. فالمهم أنني عبر طرق وعرة وصلت إلى حيث أريد.. لا داعي لذكر المسار الجغرافي لكنني سأكتفي أن أقول لكم إنني سافرت على ظهر (ركشة) أكثر من ثلاث ساعات كاملة.. تقفز بي فوق الصخور والخيران والحشائش وكأني في فيلم إثارة مصور في عمق غابات "الأمازون".

وصلت إلى حاجز أمني يتبع إلى الحركة الشعبية قطاع الشمال.. كانت هواجسي عظيمة.. هنا لا أضمن ولا أعلم كيف تسير الأمور.

هيأت نفسي للإجابة عن ألف سؤال وسؤال من قوات الحركة ابتداءً من من أنت؟، وما هي أسباب مجيئك إلى هنا؟، افتح حقيبتك.. افتح فمك.. كل شيء جائز فأنا في أرض المعركة.. ميدان الحرب.

ربما إجابة خطأ، أو حتى صحيحة تلقي بي في زنزانات تحت الأرض- كما سمعنا وقرأنا- تهمة الانتماء إلى المؤتمر الوطني سهلة ومجانية.. فالشك هنا سيد الموقف والهواجس تعلو على الثقة.

المفاجأة!

تلاشت هواجسي بحذر عندما نظرت لي العيون الممسكة بالسلاح لكن دون سؤال.. الحيرة ألجمتني لكن يبدو أنهم اكتفوا بسؤال غيري، وأدركوا صلتي بالمنطقة، وزاد حماسي بدأت أشعر بالبشاشة عندما عرفوا أنني الصحفي ابن الشيخ محمد جمعة أماسا.. عبرت نقطة التفتيش بسلام.

كانت خطوط الضوء قد بدأت في الانسحاب تدريجيا وأذنت الشمس أن تتوارى خلف الجبال الشاهقة وهي تعلن بداية الليل عندما سلك سائق (الركشة) طريقاً وعراً نحو منطقة (فوني) مسقط رأس والدي وأجدادي، وعلى صخرة عملاقة كتب عليها بالأبيض (منطقة عائلة أماسا– تأسست عام (1917)

المكان بلغة أهل الخرطوم والحضر، كان مرعباً ووعراً وموحشاً يزيده الظلام أضعافاً على وحشته، غير أننا نحفظه ونتحسس تفاصيله بمزيد من الألفة والحب وشريط من الذكريات يمر أمامي ليضيء الظلام حولي.. نعم لقد وصلت وأصبحت على بعد أمتار من والدي بعد سنوات من التباعد.

أنا هنا في منطقة (أفوني) ناحية "كلهارا"، حفيد أكبر كجور بالمنطقة، وأعمامي أصحاب سطوة ومكانة، ورغم أن كل ذلك أصبح جزءا من الماضي والتأريخ إلا أنني في زاوية أخرى كنت أشعر أن الجبال من حولي تعرفني، وتنظر إليّ، وتسمع كلامي.. كل قد حمل في باطنه تأريخا إنسانيا ناصعا لم يخلد بالتدوين.. وبطولات ظلت تحكى بالتواتر لم تشملها كتب التأريخ.

نزف القلوب

في كل مكان يعدّ الإنسان هو المحرك الأساسي لكل شيء؛ لذلك كان اهتمامي بالإنسان المواطن لأرى ماذا فعلت به الحرب هناك، وكنت أعرف من قبل أن 70% من السكان والأطفال والمسنين؛ لأن غالبية الرجال والشباب قد هاجروا نحو الشمال للتعليم، أو العمل، وتفرقت بهم سبل الحياة في مدن السودان المختلفة.. تاركين خلفهم حزما من المآسي المرتبطة بكبار السن، فهم قد اعتادوا قسوة الحياة وألفوها.. وما في ذلك شك، لكن ثمة متغيرات حولت الأمر من طبيعي إلى مأساة، منها أن تقدم أعمارهم جعل تحملهم هذه لشدة أمرا صعبا، وثانيا قطعت الحرب أواصر التواصل بينهم وبعض ذويهم ممن كانوا يهتمون بأمورهم، وعلى سبيل المثال كان أبناؤهم يعودون في كل فترة لتجديد مباني القش القطاطي؛ لأن (آفة الأرضة) تجبرهم على ذلك مرة كل عامين، لكن المأساة الكبرى متعلقة بمياه الشرب، وهي- دائما- أزمة في المنطقة للجميع، ولكن ما بالكم في عجوز تشارف على ال 100 عام، وتقطن على بعد أميال أو كيلومترات عن أقرب مصدر لمياه الشرب؟

نواصل غداً.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود