Untitled Document

النيل لا ينبع من الشمال

عرض المادة
النيل لا ينبع من الشمال
568 زائر
23-03-2017
أبو فاطمة أحمد أونور

تم تداول مقطع فيديو يضع فيه إعلامي مصري جزمته على منضة الاستوديو مخاطباً بها من يفترضهم خصوم حكومته من زعماء الدول بلغة موغلة في الجهالة والإسفاف والسباب الذي لا يمكن مجاراته طالما تستنكره الفطرة السوية، وهو إعلام يسفه بلاده أمام العالم، ويهينها أكثر مما يضر، ومن يضع عقله تحت أقدامه من الطبيعي أن يكون لسانه في الجزمة، وللأسف سفاهة هياج الإعلام المصري على السودان مرتبط بحقيقة

بقاء أو فناء مصر المتوقفة على مياه النيل، تأكيداً لمقولة مصر هبة النيل، لأن كل الحملات المصرية التاريخية على بلادنا كانت لتأمين منابع النهر، وما إصرار عبد الناصر لضم (السودان لجامعة العرب البيضان) سوى محاولة لضمان أهم دول حوض النيل حليفاً إقليمياً يضمن تدفق شريان الحياة المصرية بلا عوارض، رغم الاعتراض المحق حينئذ من بعض الدول العربية أن يوجد بينها كائن غريب اللون واللسان والوجدان، وربما أيقنت أخيراً بأن القيمة الإنسانية للسوداني أسمى من أي تعريفات قشرية، وكذلك قصة هدية الباخرة النيلية المصرية والتي تطلب توصيلها للخرطوم تدمير صخور الجنادل العاملة كسدود طبيعية، ليست إلا خدعة مصرية لسحب كل قطرة مياه نحوها، وأيضاً المحاولة المصرية الماكرة لحفر قناة جونقلي بدعوى توفير فاقد التبخر من منطقة البحيرات، وأفضل خدمة قدمها جون قرنق تدميره للحفار المصري في مارس 1983م، ذلك المشروع الذي صوَّرته لنا مناهج الجغرافيا المطبوعة حينها بمصر بأن كله إيجابيات بلا أدنى سلبيات، وكذلك اختيار مصر لموقع خزان خشم القربة لحماية بحيرة السد العالي من الإطماء الكثيفة للأتبراوي، وكما ذكر خبير ري سوداني أنه كان في مهمة مسح طوبوغرافي مع خبير مصري بأسافل حوض نهر القاش، مستغرباً بأن الضيف أغدق له هدايا قيِّمة ثم طلب منه التوقيع على تقرير مفاده بأن نهر القاش ضمن روافد الأتبراوي، إلا أن الخبير الوطني رفض ذلك بشدة، لأنه كان أكثر يقظة ووطنية ومهنية وحس أمني، لأن ذلك يعني تلقائياً ضم مياه القاش لاتفاقية مياه حوض النيل وعندئذ بلغ الحنق بالخبير المصري، فطلب استرجاع الهدايا، إذن مشكلة مصر معنا ليست سياسية، وإنما في طوبوغرافيا بلادنا التي قد لا تسمح كلياً بإنسياب أي قطرة ماء إلى الشمال.

وما احتلال حلايب سوى ذريعة مسمار جحا للابتزاز عند الضرورة القصوى تمهيداً لاكتساح الساحل السوداني تحت أي مزاعم.

تمكنها من خنق وإخضاع حوض النيل ربما عبر تنشيط الأسطوانة الكامنة للتهميش البجاوي، وذلك بفتح جبهة تمرد شرقاوي انطلاقاً من حلايب، وخاصة بعد التمصير الذي يجري حالياً لسكانها عبر سياسة التكثيف الخدمي المتميز لدرجة أن نيل الهوية المصرية صارت حلماً يراود العديد من الشباب السوداني اليائس بالتسلل عبر المثلث المسلوب، ولكن السلطات المصرية متشددة تجاههم ربما لأن مرحلة تمصير الجيل الأخير بحلايب لم تكتمل بعد فتتحسب لأي تشويش سوداني مضاد، ومختصر القول: إن الرضا المصري عن السودان يتناسب مع ضمان تدفق أكبر نسبة مياه للنيل في بحيرة ناصر ولأطول فترة زمنية ممكنة، وهو ما يتعارض تماماً مع أي مشاريع تنموية بالسودان.

لذلك تحتفظ مصر بملف بلادنا مع جهاز الاستخبارات وليس بوزارة خارجيتها، لأنه ملف حياة أو موت بالنسبة لها، وهي نفس الخطوة التي ينبغي أن تتبعها بلادنا مع أثيوبيا ليس بمفهوم عسكرة الملف، وإنما إمعاناً في التأكيد على إستراتيجية العلاقة، وللحقيقة والتاريخ ما من حكومة سودانية حجمت التمدد المصري بصورة ممنهجة مثل الإنقاذ على علاتها لذلك وجدت من مصر عداوة غير مسبوقة أبرزها احتلال حلايب، وأخيراً لابد من التسليم بأن النيل لا ينبع من الشمال وبالتالي ليس ما يدعونا لاسترضاء مصر وإنما ينبغي أن ندفها لاسترضائنا.

ولا سبيل لذلك سوى التعجيل بتأسيس نواة لاتحاد إقليمي كونفدرالي قرن أفريقي تمهيداً لتكامل إستراتيجي واقتصادي ينبغي أن يبدأ أولاً مع أثيوبيا التي تجمعنا معها الكثير من القواسم المشتركة، أقلها ثقافة التواضع الفطري في العلاقات الأفقية بين أفراد المجتمعات نقيضاً لباشوية العلاقات الهرمية بين المصريين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 4 = أدخل الكود