Untitled Document

10 أيام في جبال النوبة

عرض المادة

أبو عاقله أماسا

الحلقة الثالثة

  • للحرب في جبال النوبة، بَصَمَاتٌ لا تُخطئها عين الزائر والمُقيم وحتى من لم يزر تلك البقاع الحالمة، فكل الحياة قد تكهربت بما يُسمى بالكتمة.. من 6/6/2011 وحتى تأريخه، صحيحٌ إنّ السكان المحليين قد تأقلموا تماماً على حالة عدم الاستقرار واعتادوا على التعايش مع أمنهم المنقوص.. فهم ولفترات طويلة لم يكملوا عشر سنوات من التآلف بعيداً عن الحرب، ولم يشهدوا نَشَاطاً حُكومياً يُركِّز على تنمية المكان والإنسان، ومجموع سنوات السلام لم تتجاوز ست سنوات امتدت ما بين تأريخ توقيع نيفاشا 2005 وحتى 2011، ولكن ثمة ملاحظات وقراءات من أرض الواقع لابد من الوقوف عندها، ومُشَاهَدات تُساعد الغير على القراءة الصحيحة لواقع ما يحدث هناك، ومَقاييس يُمكن تصويرها بالكلمة ليشاهدها من لم تتح له الفرصة أن يعيش ما يحدث على أرض الواقع خَاصّةً في منطقة الجبال الغربية، وثمة حقيقة أولى لابد أن تعرف عن منطقة الجبال الغربية، أو جبال (الأما) وما حولها، وهي أنّها لم تشهد الكثير من الأحداث في الفترة ما قبل 2005، ولم تكن أكثر من مناطق تناوش بين الطرفين من حدود "سلارا ووالي" في الجنوب الغربي، والأحداث المتفرقة التي شهدتها المنطقة كانت عبارة عن نشاط عصابات أكثر من كونه نشاط جيش مُنظّم، وشهدت المنطقة في تلك الحقبة حوادث سرقات لمواشي المواطنين، فبدأت الهجرات من مناطق كانت آهلةً بالسكان إلى مناطق أخرى بعيدة عن مواقع الأحداث، كما انتشرت فرق الدفاع الشعبي وغيرها لحماية المُمتلكات، وأذكر أنّنا وفي ذَروة الأحداث تلك تمكّنّا في إحدى المرات من زيارة منطقة كجورية في عُمق الجبال الغربية وأقصى الجنوب الغربي برفقة محافظ الدلنج الأسبق الراحل مجذوب يوسف بابكر، وكنا وقتها نشكِّل وفداً إعلامياً يُمثل كل المؤسسات الإعلامية القومية بدعوة من ذلك المحافظ الذي حُظي بالتأييد والمُسَانَدَة من الأهالي لعظم مَا قدّمه، وهنالك مناطق لم تُشاهد بعده مَسؤولاً إنقاذياً حتى الآن.
  • سَائقة الدراجة: هذه حُلولنا لمُواجهة أزمة مياه الشرب

بدا لي من الوهلة الأولى أنّني لم أرها جيداً.. ولكن بعد أن ركّزت عليها وجدتها (م. م. ج).. بنت في حدود الـ (17) من عمرها تقود دراجتها بمهارة وعليها (باغتان كبيرتان) عبر طرق غير مُمهّدة لتعود مُحمّلة بالماء ومن مسافة بعيدة جداً.. سألتها: كيف تستطيعين قيادة الدراجة في هذه الطرق الوعرة؟.. أجابتني بأريحية: بالتأكيد كما يقودها الرجال..!!

سألتها: ألا ترين في الأمر غرابةً؟

أجابتني بسؤالٍ واستغرابٍ: ما الغريب في ذلك..؟!

أنا وأكثر من عشر فتيات اعتدن على فعل ذلك حيث لا خيار لدينا لمُواجهة أزمة المياه بحلول سريعة نسبياً.. وبإمكاني قيادة الدراجة وعلى متنها هذه الحمولة التي تراها (باغتين كبيرتين سعة 8 جوالين) ومعها شقيقي الأصغر وبدون صُعوبات..

  • مُناسبة زواج

يُحاول الإنسان هنا أن يجعل حياته تسير بشكلٍ طبيعي دون أن يظهر تأثراً جرّاء الحرب الدائرة، وقد لاحظت ذلك من خلال مُناسبة زواج حضرتها وكانت لكريمة قريب لي اعتاد على إقامة مراسيم الزواج لأبنائه بكامل مراسمها التي تُقام بالخرطوم، نعم.. لا مَجال للدهشة.. ففي تلك الظروف المُعقّدة تُقام مُناسبة زواج بملامح حضرية تشتمل على عقد يشهده رهطٌ من الناس من مناطق مُتعدِّدة جاءوا على ظهور الدواب والدراجات البخارية ذات (اللستكين وذات الثلاثة لساتك) التي تعمل كوسيلة للمُواصلات.. وبعد انتهاء عقد الزواج، احتفل الحُضُور بشكلٍ مُحترمٍ لم أتخيّله في مَنطقة يَتَأبّط فيها كل شخص تقريباً سلاحاً، ومع وفرة الذّخيرة، وبعد ذلك شَاهدت مَوائد الطعام تُقدّم للضيوف تماماً كما كنا في واحدة من أحياء الخرطوم، وفيها من الأصناف ما يُثير الفُضُول للتذوُّق، أو قل التهام كل ما تراه العين على الصواني الكبيرة، فالنساء هنا ماهرات في طبخ الأصناف المُختلفة، والخُضروات مُتوفرة في الأسواق القريبة.. وبعد المغرب كان كل شيء جاهزاً لحفل الزفاف، مُولِّدٌ ضَخمٌ وكَشّافات وأجهزة صوت جيء بها من مكان ليس ببعيدٍ ووُضعت بعناية.. خرجت من هناك برفقة أخي لأبي لتلبية دعوة زوج واحدة من الأخوات.. وبعد أن فرغنا من تلك الدعوة كان همِّي هو: كيف نتجاوز كل هذه الجبال ونَحنُ عَائدون إلى مكان حفل الزفاف، راودتني فكرة بتأجيل مشوار العودة للصباح، ولكن كُنت في نفس الوقت توّاقاً لحُضُور حفل الزفاف، أريد أن أحضر هذا الحفل بأيِّ ثمن، ولو كان الثمن تسلُّق واحدة من الجبال الشاهقة.. وبعد حوارات كثيرة تخلّلها الضحك، خرجنا في الطريق إلى الحفل، ولحُسن الحظ كانت الليلة واحدةً من ليالي مُنتصف الشهر، وضوء القمر يضرب على الجبال والأدغال ويُوضِّح معالم الطريق بجلاءٍ.. والمُدهش إنّنا كنا نلتقي بمجموعة من الناس في كل مائتي متر تقريباً، وكلهم يقصدون مكان الحفل.. وبعد ساعتين من المشي المُتواصل وصلنا إلى المَكان المقصود ووجدنا الأنوار تَسطع في المكان وأصوات الموسيقى الصاخبة ينبعث من أجهزة ضَخمة وُضعت على مكانٍ عالٍ في باحةٍ واسعةٍ..

رحّبوا بنا أيّما ترحابٍ، وأجلسونا في مكانٍ مُميّزٍ وأنا أعمل حاستي الصحفية تارةً، وأعيش اللحظات الدافئة مع أقاربي تارةً أخرى نتبادل القفشات باللغة المحلية الأم.. كنت مُستمتعاً للغاية، ولكن قمة المُتعة في ذلك الحفل إنّني تمكّنت من الالتقاء بكل من لم تسعفني ظُروف رحلتي الضّاغطة على مُلاقاته، التقيت بابن عَمِّي وصديق طفولتي عندما كُنت أزور المَنطقة في إجازات المدارس، وقد ارتقى المراتب في الجيش.

المُدهش حقاً أنّ الحفل كان قد جمع كل الجبال الثمانية وما حولها في تواصلٍ اجتماعي حميمٍ، وزفاف العروس كان مزيجاً من الأسلوب المدني والمحلي معاً، حيث جاءت برفقة عريسها وهي ترتدي (الزفاف) الأبيض النّاصع، وبكامل هيئة العروس في أفخم صالات العاصمة المُترفة (الخرطوم) والعريس نفسه يرتدي بدلة كاملة مع ربطة عُنق أنيقة.. والجميع يبث نفسه الأفراح ويعيش لحظات لا تتكرّر كثيراً هنا.

  • منطقة (تيقا) شاهدٌ على دمار الحرب

لا أقصد دعاية لخزانات المياه، ولكن حقيقة كان اسم المنطقة (تيقا) واحدةً من مناطق (تندية) المُتعدِّدة، زُرتها في صباي الباكر لأنّها كانت من موارد المياه الدائمة، وكانت منطقة تزدحم بالسكان، عَلاوةً على أنّها تقع بين منطقتين كبيرتين من تندية وهما (ورنقي) و(تندية التنقطة) ويفصلها جبل من (تندية أفونج).. تسلّقنا جبلين في طريقٍ وعرٍ ما عاد الناس يسلكونه، ولكننا أخذنا الطريق نحو (تيقا) عبر أدغال صنعها غياب الإنسان، فنبّهني (أخي ومُرافقي) أن هذا المكان كان بيت عمنا (حجير جديد ساوري) أحد زعماء المنطقة.. كان رجلاً مزواجاً لا يكاد يتذكّر أمهات أبنائه، أو تختلط عليه الأشكال، ولم نتفاجأ إلاّ بقبر بُني بعناية ووُضعت حوله شواهد حديدية كتبت باللغة العربية بوضوح: هذا قبر المرحوم حجير جديد ساوري.

كان رجلاً ملء السمع والبصر، ومازالت طرائفه تسير بين المجالس، والآن قبره يقبع وحيداً بين الأدغال والجبال في مكانٍ لا يكاد يخطر في بال أحد أنه كان يعج يوماً بأبنائه وذريته وأحفاده ونسائه.. كلهم في مملكته الصغيرة وقد ذهب كل منهم في حال سبيله، بينما المكان الذي كان في يوم من الأيام أحد أحياء (أفونج) الضاجّة بالسكان قد أصبح دغلاً مُوحشاً.

  • (تيقا) من قرية نضاحة بالحياة إلى مكانٍ مُوحشٍ،

تسلّقنا جبلاً وطريقاً وعراً لكي نصل إلى قرية (تيقا).. أو قرية كانت تُسمى بهذا الاسم قبل الحُروب وموجات الهجرات إلى مُدن السودان المُختلفة..

لم أتخيّل أنني سأجدها قد انحسرت إلى ثلاثة منازل فقط.. والرابع يقطن فيه شخصٌ كبيرٌ في السن وتقريباً منتصف الستينات من عُمره.. منزل في مكان أكثر وحشة من أيِّ مكان رأيته في الجبال، تُحيط به أشجار الشوك من كل ناحية.. البيت مُكوّنٌ من (قطية) واحدة فقط آيلة للسقوط..

لم نجده في بيته وحدّثنا عنه أحدهم بأنّه يتمسّك بالعيش في المكان دون اكتراث لأيِّ شيء.. وقد يتحرّك من أفونج بعد الثانية عشرة من منتصف الليل وعبر ذلك الطريق الذي سلكته مع شقيقي نحو تيقا.. استمعت للحكاية وأنا فاغرٌ فاهي والدّهشة قد بلغت مني أقصى ما يُمكن..!

بعد مسافة ليست بالقريبة ثلاثة بيوت هي كل من تبقى من تلك القرية التي كانت تضح بالحياة ويقصدها الناس من كل حدبٍ وصوبٍ للحُصُول على مياه الشرب.. كل الآبار التي رأيتها في طفولتي كانت أثراً بعد عين.

  • شجرة (سورنقا).. رمز كلارا القديمة

(سورنقا) هي شجرة تبلدي تُنسج حولها الأساطير وتحكى الحكايات.. ولكن الحقيقة الثابتة من كل تلك الحكايات أنّها شجرة مُعمّرة، تتجاوز عمرها مئات السنين.. كانت برلماناً لأعيان (كلارا).. وعندما يكون هنالك حَدَثٌ ما استحق اجتماع الأهالي، فإنّ المكان الوحيد للالتقاء يكون في (سورنقا)... تحوّلت الشجرة بمرور الزمن إلى مكان مقدس تحيط بها الهيبة من كل مكان، ورغم أنها لا تزال معطاءة وتنتج من ثمار (القنقليز)، إلاّ أنّ أحداً لا يجرؤ على قذفها بحجر أو تسلقها لأنّها رمزٌ.. وفي مكان ليس بالبعيد منها كان الميدان التأريخي للعبة (الدسول) التي اشتهرت بها منطقة كلارا القديمة.. وهي من الألعاب الشعبية التي كانت تُلعب في فصول الجفاف وتُغنى فيها أغانٍ ذات مدلولات روحية، كانت تعني السلام والأمن والاستقرار قبل أن تبدأ الحرب في إجبار الناس على الهجرة، وكان (الدسول) واحداً من مظاهر الحياة التي اختفت مع أحداث الحروب، وواحداً من مُلتقيات قبيلة (أما) التي اختفت عن الوجود.. وميدانها الآن أصبح غَابةً من أشجار اللعوت.. وأغانيها لا يحفظها إلاّ جيلٌ محددٌ من الكبار بينما نشأ جيلٌ يَستحق عن جدارة أن نطلق عليه (ضحايا الحرب).. لم يشهدوا مواسم (الدسول) ولم يعيشوا مُتعة المكان..!

أعيان كلارا بعد الفتنة السياسية انقسموا ما بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي، ومن هنا تأثّرت المنطقة للمرة الثانية بالأحداث الرياضية بعد الفتنة الأولى التي كانت إبان الديمقراطية الثانية والاستقطاب الذي كان بين حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي.. وقد شهدت المنطقة وقتها أحداثاً مريرة ما زالت تذكر من مساويء السياسة.

  • أعياد الحصاد والسبر مازالت تُقاوم وتصمد

من ملامح الحياة التي تعيد ضخ الدماء في مناطقنا، مواسم أعياد الحصاد برمزيتها العميقة، ومواسم السبر وورق اللوبيا، ومع التغييرات العديدة بسبب الحرب أصبحت احتفالات لها رمزيتها، كان يُؤمّها العديد من السّيّاح الأجانب من الذين قرأوا عنها وسَمعوا بها حتى من آبائهم المُستعمرين، وتُعد تلك المواسم من الأسباب النّادرة التي تفتح الجبال على مصراعيها لتدفق الشباب خَاصّةً لحُضُور سبر (النتل)، حيث شهدت فترة السلام بعد 2005 أكبر أعداد الحضور من الدلنج والخرطوم والمناطق المُجاورة، وفيها تُقام الكثير من العادات وتُجرى مُباريات المُصارعة البيئية بكل زخمها.. ومع إغلاق الطريق بين الجبال الثمانية غرب الدلنج والمدينة، انقطع التواصل وما عاد الآلاف يتدفّقون من مناطق السودان المُختلفة في موسم الاحتفالات، وما عاد الشباب يقصدون ميادين الأعيان على دراجاتهم من الدلنج والجبال المجاورة وكل ذلك بسبب الحرب..!

  • أرض بكر ومُنتجة وثروة حيوانية غير مُستغلة

تتميّز المنطقة بإيجابيات طبيعية لا تكاد تتوفّر في مناطق أخرى، والأرض هي رأسمال ثروات المنطقة، حيث أنّها أرضٌ مُنتجةٌ بشكلٍ مُدهشٍ، ورغم أنهم يستخدمون المعدات الزراعية البدائية، إلاّ أنّ مستويات الإنتاج تُؤكِّد وتُشير إلى أنها واحدةٌ من المناطق الواعدة إن هي وجدت آلات حديثة بعض الشيء.. هنالك ثروة غابية تتمثّل في بعض الثمار التي تنبت أشجارها بشكل طبيعي.. وإنتاج عالٍ للفحم.. ويكفي خريفٌ واحدٌ فقط لإعادة الشباب للغطاء النباتي.. وثمار مثل (القضيم) باهظ الثمن في أسواق العاصمة، والمعروف طبياً بأنه يعزز (الهيموقلوبين) في الدم يتكاثر بشكلٍ كثيفٍ في الأدغال دون أن يُستثمر.. كما تغطي بعض الأشجار الاقتصادية مساحات واسعة جداً دون أن يُستفاد منها.

فيما يخص الثروة الحيوانية، فالأغنام والأبقار بأعداد كبيرة جداً وتتميّز بقُدرتها على التحمُّل، حيث يعتبرها المُصدِّرون الأنسب للصادر لقلة الفاقد من كميات الصادر، خًاصّةً الجديان والماعز الجبلية التي تُصَدّر إلى الخليج، والأهم أنّها تتكاثر بسُرعة وبعضها لها القدرة على ولادة أربعة توائم دفعة واحدة وهي حالة تُعتبر طبيعية هنا، بينما تُعتبر شاذة في المناطق الأخرى.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية