Untitled Document

أصول لعبة المصالح

عرض المادة
أصول لعبة المصالح
352 زائر
28-03-2017
ياسين حسن بشبر

كما أشرت في عدة مقالات سابقة فإن أحد سمات العقلية السياسية السودانية هي الجهل التام بأصول لعبة المصالح في عالم معاصر يقوم على لعبة المصالح.. وأدى ذلك إلى حدوث أضرار كثيرة لحقت بالوطن منذ يناير 1956 حتى الآنP حيث سادت عقلية العواطف والمشاعر والشعارات والأوهام السياسية التي تسمى )مواقف وثوابت (، وامتزج كل ذلك؛ ليكون عقلية سياسية لا علاقة لها بالواقع الدولي المعاصر. إن لعبة المصالح في الواقع الدولي المعاصر لها أصول يجب أن تلتزم بها الدولة، التي تهدف إلى خدمة مصالحها في محيط هائج تتناقض وتتصادم فيه المصالح.. ويمكن الإشارة- باختصار- إلى أهم تلك الأصول- حسب تقديري الشخصي– في السطور التالية: أولاً: أن تعرف الدولة حجمها السياسي والاقتصادي والعسكري الإقليمي والدولي ومدى تأثيرها في مجرى الأحداث الإقليمية والدولية وتتخذ المواقف من القضايا الإقليمية والدولية وفق حجمها. ثانياً: أن تمتلك الدولة القدرة على اكتشاف نقطة التقاء المصالح مع كل دولة في العالم؛ لكي تتجه نحوها، ونقطة التصادم؛ كي تبتعد عنها.. مثال للتوضيح.. مسألة العلاقة مع دولة إسرائيل؛ الحديث الذي يدور- حالياً- عن تطبيع علاقات السودان مع إسرائيل هو حديث نظري ليس له علاقة بالواقع الإقليمي؛ لأن إسرائيل لا تهدف إلى إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية وعلمية وعسكرية مع السودان؛ لأن السودان ليس دولة مؤثرة على المستوى الإقليمي والدولي فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني ولا على المستوى الإفريقي جنوب الصحراء؛ لأن دولة إسرائيل لها علاقات وطيدة مع جميع الدول الإفريقية منذ عشرات السنين وأقربها إلى السودان أثيوبيا وأريتريا ويوغندا؛ لذلك دولة إسرائيل يهمها- فقط- ألا يتحول السودان إلى مصدر أعمال عدائية ومأوى لعناصر لها مواقف متطرفة ضد إسرائيل.. هنا يجب أن تدرك الدولة السودانية أن نقطة التقاء المصالح بين دولة إسرائيل والسودان هي عدم سماح الدولة السودانية بأية ممارسات على أراضيها ضد دولة إسرائيل، وليس إقامة علاقة دبلوماسية- كما هو الحال بالنسبة لمصر أو الأردن مثلاً. ثالثاً: أن تفرق الدولة بين الموقف من واقع إقليمي أو دولي معين، والمشاركة في اتخاذ قرار بشأن وضع إقليمي ودولي معين؛ لأن الخلط بين الأمرين، وعدم التفريق بينهما يضر كثيراً بمصالح الدولة المعنية.. ومثال للتوضيح.. عندما احتلّ العراق الكويت اتخذت حكومة الكويت، وبعض الدول العربية، والولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الأوروبية قراراً بتكوين تحالف عسكري دولي لتحرير الكويت.. وكان مطلوباً من السودان تحديد موقفه.. فماذا حدث؟.. اعترض السودان على تكوين تحالف عسكري دولي لتحرير الكويت؛ بحجة أنه يرى أن يتم التحرير بجيوش عربية فقط.. هذا أنموذج مجسد أمامنا للخلط.. فدولة الكويت والدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية لم يطلبوا من السودان رأيه في كيف يتم تحرير الكويت بجيوش دولية أو بجيوش عربية إنما طلب منه تحديد موقف من واقع موجود على الأرض وفق قرار قد اتخذ؛ لذلك أضرّ موقف الحكومة السودانية في ذلك الوقت بالمصالح، وكلّف السودان الوطن الكثير، وما زلنا ندفع ثمن ذلك الموقف الخاطئ، بل سيدفع الأبناء والأحفاد في المستقبل ثمن ذلك الموقف. خلاصة القول في هذا المقال هي أن معرفة أصول لعبة المصالح تجعل الدولة السودانية قادرة على اتخاذ الموقف الصحيح من أي حدث دولي أو إقليمي بما يخدم مصالحها ويمكنها من الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع جميع دول العالم خدمةً لمصالح السودان الدولة والوطن

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 8 = أدخل الكود