Untitled Document

نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان

عرض المادة
نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان
1089 زائر
28-03-2017
الشفيع خضر سعيد

نحو أفق جديد
نحو مشروع وطني مجمع عليه من أجل
بناء الدولة الوطنية الحداثية في السودان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(15)

منظمات المجتمع المدني والسياسة (5)
نختتم اليوم مناقشتنا لعلاقة منظمات المجتمع المدني السودانية بالسياسة، ودورها في تحقيق التحوُّل الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية. وكنا في المقالات السابقة قد أشرنا إلى أن منظمات المجتمع المدني السودانية، لم تحصر نفسها في القضايا الاجتماعية والمعيشية فقط، كما لم تغلق نفسها على مهامها التقليدية المعروفة في رفع الوعي والقدرات والحماية. فبالإضافة إلى مساهماتها المباشرة والملموسة في المجالات المتعلقة بقضايا المواطن الحياتية، لم تقف منظمات المجتمع المدنى السوداني محايدة ولا متفرجة أو مراقبة إزاء المأزق المأساوي الذي تعيشه بلادنا اليوم، والناتج بصورة مباشرة من الممارسة السياسية في البلاد. بل، وبما تمليه عليها ضمائر وعقول وإنسانية وسودانية مكوناتها، بشراً ومؤسسات، واستجابة لنداء الوطن الداعي للوقوف بكل قوة وصلابة موقفاً أخلاقياً وعملياً ملموساً ضد هذه الكارثة، قررت منظمات المجتمع المدني السودانية أن تساهم مع الآخرين، في البحث عن أفضل السبل لحل الأزمة السودانية والخروج بالبلاد إلى بر الأمان. ويأتي قرارها هذا منسجماً مع الحقيقتين اللتين ناقشناهما من قبل أيضاً، حيث تتحدث الحقيقة الأولى عن انتظام علاقة تكاملية بين الحركة السياسية السودانية والمنظمات السودانية الطوعية غير الحكومية، وأن هذه العلاقة أضحت اليوم، في السودان، تشكل بعداً مهماً لا يمكن تجاوزه. فهذه المنظمات، وبحكم انخراطها المباشر في النضال ضد البطالة والفقر ومن أجل حقوق الإنسان ورفع الوعي والقدرات وحقوق المرأة وتمكين الشباب...الخ، تساهم، بشكل أو بآخر، في التغيير الاجتماعي، وتحتل مساحة معتبرة في مفهوم التقدم الاجتماعي وعملية إعادة بناء الوطن، مما يتطلب شكلاً من أشكال الصلة المتنوعة بينها وبين الأحزاب وسائر مكونات الحركة السياسية السودانية، دون أن تفقد استقلاليتها، ودون أن تقع في جب السياسة أو براثن التحزب. أما الحقيقة الثانية، فتشير إلى أن خط تطور منظمات المجتمع المدني السودانية أوصلها اليوم لأن تمثل ضلعاً رئيساً وأساسياً في بلورة وصياغة رؤى التغيير وأهدافه الإستراتيجية، وفي اجتراح آلياته ووسائله السلمية. وإذ تتعامل منظمات المجتمع المدني السودانیة مع واقع الصراع المدني والمسلح من مبدأ الالتزام إزاء القطاعات المدنیة التي تعاني بشكل مباشر، ومن منطلق ضلوعها المباشر في بلورة الرؤى للخروج بالبلاد من دائرة الأزمة، يصبح في مقدمة أولويات مهامها التقدم برؤیة موحدة واضحة تساهم في تحقيق اختراق لمعالجة جذور الأزمة السودانیة. وهي تساهم بهذه الرؤية بوصفها ضلعاً أساسياً ورئيساً، كما ذكرنا أعلاه، وليس مجرد تابع لأي طرف من الأطراف، كما أن مساهماتها لا تأتي موازية أو بديلاً لمساهمات الأطراف الأخرى، وإنما مكملة لها. ولأسباب واضحة ومعلومة، تتعلق بطبيعة تكوينه وفلسفة عمله والمجال الحيوي لحركته، فإن سبيل المجتمع المدني السوداني لحل الأزمة السودانية، بالضرورة يندرج ضمن خيار الحل السياسي السلمي الذي يجنب الوطن الدمار وسفك الدماء. وخلال العقود الماضية من تاريخ البلاد وتاريخ الأزمة الوطنية العامة الممسكة برقابها، تقدمت معظم، إن لم يكن كل، منظمات المجتمع المدني السودانية بمبادرات ومساهمات تبحث في جوهر مسببات الأزمة السودانية، وتقترح حلولاً لها. وقد آن الأوان لتوحيد هذه المبادرات في رؤية موحدة يساهم بها المجتمع المدني السوداني في علاج الأزمة السودانية، علماً بأن هذه المبادرات والمساهمات تجمع بينها قواسم مشتركة واضحة المعالم. وبالنظر إلى حالة توازن الضعف المتمكن من الحراك السياسي، حكومة ومعارضة، وأيضاً بالنظر إلى غياب التنظيمات والاتحادات النقابية التي دمرت استقلالها الحكومة وألحقتها قسراً كتابع للجهاز الحكومي، فاعتقد أن منظمات المجتمع المدني السودانية، الحرة والمستقلة، ستظل تلعب دوراً مباشراً وملموساً في تنشيط الحراك السياسي والدفع به نحو التغيير. ومن هنا، كانت دعوتنا المتكررة بأن يبادر المجتمع المدني السوداني بصياغة مسودة رؤية موحدة كضربة البداية لتحقيق هذا الدور. وبالطبع، فإن عملية صياغة هذه الرؤية لن تبدأ من الصفر أو من العدم، وإنما ستستند على أرث هائل من المشاريع والرؤى التي تشبعت بها فضاءات الحراك السياسي والمدني خلال العقود الثلاثة الماضية. وعليه نقترح أن تقوم منظمات المجتمع المدني بابتدارالنقاش حول النقاط والبنود المحتملة لمشروع الرؤية، على أن يفضي النقاش إلى تصور موحد تتبناه هذه المنظمات، ومن ثم يعمل المجتمع المدني على تكوين لجنة قومية من الكفاءات الوطنية المعروفة، بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية والثقافية، و تخصصاتهم المهنية والأكاديمية، مع مراعاة التمثيل النوعي والإثني والاجتماعي...الخ، ويعهد إليها بصياغة مسودة أولى لملامح مشروع الرؤية، باعتباره المشروع الوطني النهضوي لبناء أو إعادة بناء، الدولة الوطنية الحداثية في السودان. وبهذا الفهم، فإن مشروع الرؤية المقترح سيمثّل الإجابة على السؤال المطروح حول البرنامج البديل، كما سيمثّل الإجابة على الأسئلة المصيرية المطروحة منذ فجر الاستقلال والمتعلقة ببناء دولة ما بعد الاستقلال، والتي، كما ذكرنا من قبل عدة مرات، إما ظلت دون إجابات شافية، أو قُدمت لها إجابات أحادية الجانب فاقمت من عمق الأزمة المستفحلة في البلاد.
ومن الواضح، كما أكدت التجربة الماثلة في بلادنا، والممتدة منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم، ضرورة أن يتضمن مشروع الرؤية عددا من المبادئ الأساسية، أهمها، في إعتقادي:
• التمسك بوحدة الوطن القائمة على التنوع والاعتراف بأن السودان بلد متعدد الأعراق والديانات والثقافات واللغات، وأن الدولة السودانية تقوم على أساس المواطنة والديمقراطية التعددية وكفالة الحريات وحقوق الإنسان واستقلال القضاء ومبدأ سيادة حكم القانون والمساواة في الحقوق والواجبات وفق المعايير المضمنة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
• اعتبار مواثيق وعهود حقوق الإنسان الدولية جزءًا لا يتجزأ من دستور السودان، وأي قانون أو مرسوم أو قرار أو أمر أو إجراء يأتي مخالفاً لذلك يعتبر باطلاً وغير دستوري. وكل تعبير يرد في الدستور أو أي قانون يشير إلى خضوع أي من الحقوق الواردة في تلك المواثيق والعهود للقانون أو وفق القانون أو وفق إجراءات القانون أو وفق قانون عادل، لا تقيد أيا من تلك الحقوق بل تنظم ممارستها.
• أن يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيساً على حق المواطنة واحترام المعتقدات والتقاليد وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو المعتقد أو العرق أو الجنس أو الثقافة، ويبطل كل قانون يصدر مخالفاً لذلك ويعتبر غير دستوري.
• أن تعترف الدولة السودانية وتحترم تعدد الأديان وكريم المعتقدات وتلزم نفسها بالعمل على تحقيق التعايش والتعامل السلمي والمساواة والتسامح بين الأديان والمعتقدات وتسمح بحرية الدعوة السلمية للأديان وتمنع استغلال الدين في السياسة، وتجرم الإكراه أو أي فعل أو إجراء يحرض على إثارة النعرات الدينية أو الكراهية العنصرية فى أي مكان أو منبر أو موقع فى السودان.
• قومية كل الموارد والثروات الطبيعية في السودان، وتوظيف عائداتها في إعادة تعمير وتأهيل الانتاج الزراعي والحيواني والبنية التحتية والتعليم والصحة واقتناء التقنية الحديثة لترقية الصناعة، وفي إزالة المظالم وتصفية آثار الحرب الأهلية وعلاج مأساة النزوح واللجوء، على أن توزع العائدات وفق نسب يتفق عليها، وذلك على أساس تخصيص نسبة للميزانية العامة ولخزينة الدولة، مع التأكيد على المعاملة التفضيلية للمناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نموا، وتخصيص نسبة لميزانية التنمية، مع إعطاء أولوية لمشاريع التنمية في مناطق المعاملة التفضيلية، وتخصيص نسبة لتنمية مناطق إنتاج الثروة، تستثمر في إصلاح البنية التحتية وخلق فرص عمل وتوفير الخدمات مثل مياه الشرب النقية والعلاج والتعليم..الخ.
• إعادة بناء وتأهيل مؤسسات العدالة، بما في ذلك القضاء، وكذلك الخدمة المدنية والقوات النظامية، على أسس قومية وحيادية بعيدة عن التمكن الحزبي والرؤى الشمولية، مع التشديد على رد الاعتبار لكل المفصولين تعسفياً من الخدمة وتوفيق أوضاعهم، على الأقل بتعويضهم، عما أصابهم من ضرر، وتحسين معاشاتهم التقاعدية، ويعاد للخدمة الراغبون ممن لديهم التأهيل والخبرات والقدرة على العطاء.
• إعادة النظر في النظام الإتحادي وفق مبدأ ديمقراطية الحكم اللامركزي القائمة على إزالة المظالم وعلى تلمس رغبات السكان بصورة ديمقراطية عند إجراء أي تقسيم إداري، وعلى مراعاة مسائل الهوية واحترام الثقافات المحلية والمساواة بينها جميعا. وفي هذا الصدد لابد من مراجعة هيكل الحكم والسلطة الحالي، وهناك مجموعة من الاقتراحات الهامة في هذا الشأن، منها الاقتراح الداعي إلى إعادة تقسيم البلاد إلى خمسة أقاليم فدرالية، هي: كردفان، دارفور، الأوسط، الشرقي، الشمالي، على أن يتضمن كل إقليم عددا من الولايات أو المحافظات، إضافة إلى العاصمة القومية، الخرطوم، والتي يجب أن تتميز بوضع خاص كمركز (District) ذي مسافة واحدة من الأقاليم الخمس.وكذلك الاقتراح الخاص بتوفير قدر أكبر من الإدارة الذاتية في مناطق الحرب والتوتر في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وأيضا الاقتراح المنطلق من واقع التعدد والتنوع في السودان، والداعي لأن يضطلع بمهام رأس الدولة مجلس من عدة أعضاء يتم اختيارهم بمراعاة توازن التعدد السياسي والقومي والجهوي وتمثيل الأقاليم، وتكون له سلطات سيادية تعبيرا عن وحدة السودان
• اعتماد سياسة خارجية على أساس الاعتراف بالشرعية الدولية والالتزام بالعهود والمواثيق والاتفاقات الدولية والاقليمية، والتقيد بمبادئ مراعاة حسن الجوار وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى.
• تنفيذ عدد من التدابير الانتقالية الرئيسية والهامة، في مقدمتها اعتماد ثلاث مجموعات من اللجان القومية، تشكل جزءًا لا يتجزأ من أي هيكل دستوري انتقالي يتفق عليه، ويراعى في عضويتها الكفاءة والخبرة والتمثيل القومي والجهوي. ومجموعات اللجان هي:
المجموعة الأولى: وتشمل أربع لجان، مهمتها إعادة بناء أجهزة الدولة على أساس قومي بعيدا عن الانتماءات السياسية والمذهبية. وتتضمن:
• اللجنة القومية لإعادة تنظيم السلطة القضائية والمؤسسات العدلية.
• اللجنة القومية لإعادة تنظيم الخدمة المدنية.
• اللجنة القومية لإعادة تنظيم القوات المسلحة.
• اللجنة القومية لإعادة تنظيم أجهزة الأمن والشرطة والقوات النظامية الأخرى.
المجموعة الثانية: وتضم ثلاث لجان، هي:
• اللجنة القومية لرد المظالم ودفع الضرر، ومهمتها: النظر في الاتهامات المتعلقة بإنتهاكات حقوق الانسان وتظلمات الأفراد أو الجماعات وحسمها أمام القضاء، أو بالتصالح إذا رغب المتظلم (العدالة الانتقالية).
• اللجنة القومية لمكافحة الفساد، ومهمتها: تقصي الحقائق حول الاتهامات بالفساد، وتقديم المتورطين للعدالة، وإسترجاع كل ما نهب من المال العام.
• اللجنة القومية لتسوية أوضاع المفصولين تعسفيا وللصالح العام.
المجموعة الثالثة: وتشمل عددا من اللجان القومية الأخرى مثل: لجنة الانتخابات، لجنة التعداد السكاني، اللجنة القومية لإعادة توطين النازحين والمهاجرين، إضافة إلى عدد من اللجان المختصة بإعادة بناء وتأهيل القطاعات المختلفة على أسس قومية وعبر مؤتمرات قومية متخصصة مثل المؤتمر القومي الاقتصادي، مؤتمر قومي لإصلاح التعليم، الصحة، الجهاز المصرفي، إعادة النظر في الخصخصة، الاعلام...الخ.
بالطبع، هذه مجرد مقترحات أولية نطرحها للنقاش في أروقة منظمات المجتمع المدني السودانية، والتي نثق تماما في قدراتها وكفاءتها، وقبل كل ذلك وطنيتها.

د. الشفيع خضر سعيد




   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 6 = أدخل الكود